"غواية منتصف العمر" قصص تكشف عن تشوّهات الربيع العربي

الثلاثاء 2014/07/22
حمدان يراوح ما بين الواقع العربي المؤلم والوجودية الساعية إلى تحليل شخصية المواطن العربي

عمان- (الأردن) - المجموعة القصصية “غواية منتصف العمر” للكاتب الفلسطيني، المقيم في العاصمة البلغارية صوفيا، خيري حمدان الصادرة عن دار “أزمنة للنشر والتوزيع”، الأردنية، هي محاولة لنقل القارئ إلى عوالم مألوفة وغير تقليدية في ذات الوقت، ومراوحة ما بين الواقع العربي المؤلم والوجودية الساعية إلى تحليل شخصية المواطن العربي خاصة والإنسان عامة في حالات البحث عن الذات والعشق والموت والحياة.

خيري حمدان، كاتب فلسطيني، صدرت له باللغة البلغارية مجموعة روايات ودواوين شعرية ومجموعة من المسرحيات، له مسرحية بعنوان “دعني أعيش دعني أموت” في المجلد الخاص الأول عن المسرح، عن دار “نون المصرية للنشر والترجمة”. بالإضافة إلى عديد من الأعمال الروائية المكتوبة باللغة العربية ومنها “شجرة التوت” و”مراكبي” و”أرواح لا تنام” وغيرها.


معاناة وجدانية


يكتب الأديب خيري حمدان بلغتين العربية والبلغارية، ويبدو تأثره واضحا بالآداب الغربية، وميله إلى التبسيط أحيانا والجموح نحو الرمزية الساخرة في قصصه الواردة بهذه المجموعة، ويقول الكثير على لسان أبطاله كالصرصار الذي يدفع ثمن غروره وغبائه باغتصاب غير متوقع من السلحفاة المتسلطة، وللرمزية بعد جمالي غير متوقع في نهايات هذا النمط من القصص.

كما يوحي العنوان بمعاناة وجدانية لأحد أبطال القصة التي تحمل عنوان المجموعة. تُرى هل يعرف سامح حقا مدى عشقه للمرأة التي اختارها رفيقة دربه وحياته، بعد ظهور بلقيس التي تتقن فنون الغواية؟ “كان لابتعاد سناء عن حياته وفراقها دور هامّ لمعرفة مدى تعلّقه بها، لأنّها كانت قد تحوّلت إلى امتداد طبيعيّ وليّن ومطيع لبيت الزوجية. تذكّر ألقها حين غادرته وكانت قد ارتدت أجمل ما تملك من الثياب رافضة الإفصاح عن قلقها وعمق الجرح الذي أصابها بعد أن عرفت تعلّقه بأخرى”.

قصص تتحدث عن الهجرة والديمقراطية والموت وانعدام الرؤية المستقبلية للشعوب العربية

تذكرنا قصة “غرفة الحياة والموت” برائعة إميل زولا “جرمينال” والصراع من أجل البقاء على قيد الحياة تحت الأرض في منجم منهار. الجديد في هذه المقاربة تكمن في أن بطل حمدان هارب من الموت في القتال الدموي الذي تشهده سوريا منذ سنوات، ليجد الأمان في إحدى المدن البلغارية، وسعيا وراء لقمة العيش والحياة الكريمة، يبدأ العمل في أحد المناجم، نجا الرجل وقتلت عائلته في سوريا ليجد ذاته في حجرة مظلمة مطمورا تحت الأرض.

عادات متأصلة


المونولوج الداخلي الذي يراود بطل القصة يكشف النقاب عن المعاناة الوجودية والحنين والرغبة في الاستمرار برحلة الحياة وقهر الموت إحياء لذكرى أحبائه الذين لم يتمكنوا من تخطي عتبة الفناء فوق الأراضي السورية.

ينقلنا الأديب خيري حمدان ما بين أجواء الوطن المشبعة بالقهر والغرب الذي يضمن الحدّ الأدنى “على الأقل” من الحرية الشخصية وتحقيق الذات، ويمكن الوقوف على رؤية الأديب من مضاعفات التخلف في المجتمعات العربية من خلال قصته “أحمق يقود قطيعا”، حيث يجد نفسه أسير حافلة متوجهة من مدينة محافظة إلى العاصمة عمان.

رحلة يقوم بها مئات الآلاف يوميا، لكنّها تكشف عن الطباع والعادات المتأصلة لدى العائلات والمواطنين، وبالأخص أوضاع المرأة العربية، فهي ترفض الجلوس في الكرسي المجاور للرجل، ويلجأ الرجل الشرقي إلى معاقبة السائق “الأحمق” لتوقفه بعيدا عن المكان المرجو بمئة متر، يضرب السائق ويرفض دفع الأجرة، متعذرا بعدم قدرة النساء المرافقات له على قطع هذه المسافة.

معاناة وجودية ورغبة في الاستمرار

وأخيرا تتعرض المركبة للاحتراق بسبب عدم الالتزام بشروط السلامة العامة والتدخين داخل الحافلة، كأنّها رحلة عدمية فاضحة لكل الترسبات الحضارية الشرقية العالقة بأطراف الثياب والكوفيات والانغلاق الاجتماعي المرعب.


هاجس رجولي


يمكن تحسس الرومانسية والتجاذب الأبدي بين الرجل والمرأة في العديد من القصص، ويبرز أكثر في التساؤل الكبير الذي طرحه الكاتب “لماذا يا دلال؟”، عبارة وجدتها الأرملة دلال في ثياب زوجها المتوفى، لتصاب بالحيرة والدهشة والذنب طوال فترة تأويلها للتساؤل الرجوليّ، لكنّها وفي نهاية المطاف تتمكن من التخلص من هذا الهاجس الرجوليّ المتعمد ربما، لتحصل على حريتها الشخصية بعد معاشرة زوجية عامرة بالحب والتسلط والشفقة والتعلق وأخيرا التحرر.

البعد التاريخي واضح في قصة “لا خيانة بعد اليوم” وكذلك في قصة “يمنع العبور والتأمل”، نقرأ أحداث القصة الأولى في الثورة الجزائرية إبّان الحرب ضدّ الاحتلال الفرنسي، وسقوط بعض القادة الجزائريين نتيجة للخيانة.

أما القصة الثانية فتلقي الضوء على المعاناة الفلسطينية اليومية عند الحواجز الإسرائيلية، في محاولة لتحليل الصراع التاريخي الفلسطيني الإسرائيلي، حيث يصبح الحاجز محكا للقدرة على التحمل والحفــاظ على الكرامة الوطنية والشخصية.

14