غوتنبرغ المغربي

السبت 2015/02/28

محمد بن الطيب الروداني؛ قليلون يعرفون الرجل، أما الذي كتب عنه فلا يتجاوز الصفحتين، كانتا نتيجة سنوات من البحث من قبل باحثين قديرين هما المغربي محمد المنوني والعراقي فوزي عبدالرزاق.

وما يعرف عن الروداني أنه قاض من تارودانت، اختار أن يقتني مطبعة من مصر، أثناء عودته من رحلة الحج، سنة 1865، وأن يجلبها إلى مدينته بسوس، ومعه المطبعجي محمد القباني الذي كان يفترض أن يتولى تشغيلها بعد أن تكلف الروداني بتصفية ديونه في مصر المحروسة.

غير أن المطبعة حوّلت إلى مكناس، بينما توفي الروداني ثلاثة أشهر بعد ذلك، إما من شدة الفرح، إذا صدقنا الرواية التاريخية التي تتحدث عن كون الروداني قد أهدى المطبعة إلى المخزن، وإما من شدّة الغيظ إذا صدقنا الرواية الأخرى التي تتحدّث عن مصادرة مطبعته.

وفي جميع الأحوال إن الرجل، القادم من مدينة صغيرة تبعد مئات الكيلومترات عن فاس التي كانت تشكل حينها المركز الثقافي، أدخل المغربَ إلى لحظة الطباعة. بينما لم يملك سفير مغربي، وهو محمد بن الصغير الصفار، الذي كان قد بعثه السلطان محمد بن عبدالرحمان إلى فرنسا، إلا أن يدوّن دهشته إزاء هذه الأعجوبة التي يسميها “الإصطنبا” نسبة إلى Estampe، حيث كتب في رحلته “وأعجب ما رأينا عندهم من آلة، نوع خاص يطبع لك الكتابة بأيّ خط شئت مغربيا أو مشرقيا. كتبت بيدي سطرا بذلك المداد في ورقة ووضعوها على الحجرة، فانطبعت فيها الكتابة، ثم طبعوا على الحجرة ورقة أخرى فخرجت بمثل ذلك السطر بعينه”.

لم تحدث المطابع الحجرية، التي انطلقت من مكناس وفاس، وعلى رأسها مطبعة الروداني، تحوّلا كبيرا على مستوى الإنتاج الثقافي المغربي، إذ استمرت سيادة التأليف في المجالات التقليدية، وعلى رأسها كتابات الفقه، ويشهد على ذلك العدد الكبير للفتاوى، والتي اهتمّ جانب كبير منها بتحريم كل شيء تشتم منه رائحة الروم، بما فيه السكّر (بتشديد الكاف، طبعا) والصابون.

ويبدو أن إنتاجات المطبعة الحجرية نفسها لم تنج من ذلك، إذ خصّها الفقيه محمد بن إبراهيم السباعي بنص سماه “رسالة في الترغيب في المؤلفات الخطية، والتحذير من الكتب المطبوعة، وبيان أنها سبب في تقليل الهمم، وهدم حفظ العلم ونسيانه”.

لكن رغم كل ذلك، فتحت المطابع الحجرية هامشا جديدا على مستوى تراكم إنتاج الكتاب وصناعته وتداوله، ويبدو من المدهش أن نجد أن ما أصدرته هذه المطابع إلى حدود عشية دخول الحماية الفرنسية إلى المغرب، يتجاوز ما صدر في عهدها. وكان ذلك بفضل رجل اسمه الروداني.


شاعر وباحث من المغرب

17