غورباتشوف في مواجهة ثاتشر.. الاتحاد السوفيتي فتن المرأة الحديدية

السبت 2014/01/04
مارغريت ثاتشر لدى لقائها ميخائيل غورباتشوف في الثمانينات من القرن الماضي

سلطت بريطانيا الضوء على مساعي ميخائيل غورباتشوف الجسور لإنقاذ الاتحاد السوفيتي المتداعي بنشر وثائق كانت تعد سرية من قبل تظهر محاولاته إقامة علاقات أوثق مع الغرب عندما كانت الحرب الباردة على أشدها.

وكان غورباتشوف، الذي أطلقت إصلاحاته شرارة انهيار الاتحاد السوفيتي عام 1991، المرشح الأقوى للفوز برئاسة الكرملين في عام 1984 وهزيمة منافسه قسطنطين تشيرنينكو، لكنه لم يكن معروفا خارج الاتحاد السوفيتي عندما زار لندن في أول جولة مهمة يقوم بها في أوروبا.

وساعدت زيارة غورباتشوف، التي جاءت بناء على دعوة من رئيسة الوزراء مارغريت ثاتشر في عام 1984، على تغيير مسار الحرب الباردة بإقناع “المرأة الحديدية” وحليفها الرئيس الأميركي رونالد ريغان بأن الاتحاد السوفيتي ربما يقوده قريبا رجل يمكن للغرب التعامل معه.

حينها، قالت ثاتشر لريغان، في مذكرة اعتبرت سرية، “وجدته بالتأكيد رجلا يمكن التعامل معه. بل أعجبت به بعض الشيء”.

وأضافت ثاتشر، في مذّكرتها التي أرسلتها إلى ريغان بعد ساعات من محادثاتها مع غورباتشوف عن سباق التسلح في الحرب الباردة، “لا شك في أن ولاءه كامل للنظام السوفيتي لكنه مستعد للإنصات وإجراء حوار حقيقي واتخاذ قراره بنفسه”.

بعد أيام من هذا الاجتماع توجهت ثاتشر إلى كامب ديفيد لإقناع ريغان بأن غورباتشوف سيكون مختلفا عن زعماء الكرملين السابقين مثل ليونيد برجينيف ويوري اندروبوف وتشيرنينكو، الذي كان مريضا جدا حتى أنه كان في أغلب الأحيان لا يحضر اجتماعات المكتب السياسي.

سقوط حائط برلين

تظهر ملفات عام 1984 أن ثاتشر كانت موزعة بين مفاوضات مع الصين بشأن إعادة تسليم هونغ كونغ وإضراب عمال المناجم في الداخل والجهد السياسي الكبير لمحاولة فهم الزعيم المتوقع لأقوى عدو للغرب.

وبموجب لائحة تعرف في بريطانيا باسم “لائحة الثلاثين عاما” اعتبرت الملفات وعددها نحو 500 ملف الخاصة بالحكومة ومكتب رئيسة الوزراء في عام 1984 حساسة بما يكفي لجعلها سرية. وعلى عكس الركود في عهد بريجينيف تمكن غورباتشوف، الذي كان يبلغ من العمر 53 عاما في ذلك الوقت، من اقناع ثاتشر بأنه إذا أصبح زعيم الاتحاد السوفيتي فسيتعامل مع الغرب بانفتاح بعد الجمود الذي استمر سنوات.

واتضح بعد ذلك أن تحليل ثاتشر كان مؤثرا ومستبصرا فقد اقتنع ريغان على مهل وسقط حائط برلين في عام 1989 وانهار الاتحاد السوفيتي ذاته بعد سبع سنوات من زيارة غورباتشوف للندن.

وقال ريغان للصحفيين في عام 1990 “أبلغتني أن غورباتشوف مختلف عن أي من زعماء الكرملين الآخرين.. كانت مقتنعة بأن هناك فرصة لانفراجة كبيرة. بالطبع ثبت أنها كانت على حق تماما”.


حرب النجوم

في منتجع بريطاني يرجع تاريخه للقرن السادس عشر تنازعت ثاتشر مع غورباتشوف على مدى ساعات بشأن القيود على هجرة اليهود ومصير المنشقين مثل الفيزيائي اندري ساخاروف ومزايا الرأسمالية والشيوعية. وقالت ثاتشر إن زعماء اتحادات العمال مثل أرثر سكارجيل أساؤوا للشيوعية لأنهم لم يجروا انتخابات وروعوا عمال المناجم ليشاركوا في إضراب. ولمحت كذلك إلى مساعدة مالية سوفيتية محتملة للاتحادات العمالية وفقا لما ورد في وقائع اجتماع لمستشاريها.

وأظهرت الوثائق السرية أن جهاز الأمن الداخلي البريطاني (إم آي 5) أبلغ حكومة ثاتشر في 10 ديسمبر 1984 في تقرير بأن المصرف السوفيتي للتجارة الخارجية “سعى إلى تحويل 1.2 مليون دولار عبر أحد البنوك السويسرية إلى الاتحاد الوطني لعمال المناجم في بريطانيا، إلا أن العملية فشلت وعادت الأموال إلى موسكو”. وأشارت إلى أن تقرير جهاز (إم آي 5) قدّم ذريعة إلى ثاتشر لإثارة القضية مع غورباتشوف، خلال زيارته للندن.

وكان عمال المناجم في بريطانيا أضربوا عن العمل لمدة عام احتجاجا على خطط حكومة ثاتشر لخصخصة قطاع المناجم.

في هذا السياق، قال غورباتشوف إن ثاتشر يجب ألا تلوم أحدا سوى بريطانيا على هذه المشكلات وإن الاتحاد السوفيتي لم يحول أموالا إلى الاتحاد الوطني لعمال المناجم. وأضاف إلى رده عبارة “على حد علمي” بعد ما وصفه مسؤولون بريطانيون بأنه نظر إلى مستشاره شزرا.

ولم يتضح ما إذا كانت ثاتشر فهمت مزحة نقلها إليها أحد مستشاريها من خطاب أرسله كارل ماركس لفريدريك إنجلز متذكرا فيه ما قالته والدته ذات يوم “لو كان كارل صنع رأسمالا… بدلا من أن يكتب عنه”.

وبعد الغداء دخلت ثاتشر وغورباتشوف في معركة أكثر خصوصية، وهما يحتسيان القهوة في غرفة جلوس، عن سباق التسلح بين الاتحاد السوفيتي والولايات المتحدة.

وعلى مدى ثلاث ساعات استعرض غورباتشوف أهوال ما يعرف بالشتاء النووي- وهو الأثر البيئي المتخيل عن حالة الطقس التي يمكن أن تعقب أية حرب نووية- مستشهدا برسم على صفحة كاملة نشرته صحيفة "نيويورك تايمز" يظهر القدرات النووية للقوتين العظميين.

وقال غورباتشوف لثاتشر مستشهدا بقول روسي مأثور “مرة كل عام… حتى البندقية غير المحشوة بالذخيرة يمكن أن تطلق الرصاص”. وردّت المرأة الحديدية بأنها تعتقد أن السلاح النووي سلاح ردع وأن مبادرة الدفاع الاستراتيجية التي طرحها ريغان أو ما عرف باسم “حرب النجوم” كانت تعبيرا عن “حلم” بالسلام. ورغم عدم عقد أية قمة بين الاتحاد السوفيتي والولايات المتحدة منذ اجتماع جيمي كارتر وليونيد برجينيف عام 1979 أصر غورباتشوف على أن يعطي الكرملين الأولوية “للنموذج الأمثل” للسلام في محادثات عقدت في عام 1985.

ليبيا حذرت ثاتشر

في ملف آخر، كشفت الوثائق، التي نشرتها صحيفة “ديلي تليغراف”، بعد أن أذنت دائرة المحفوظات الوطنية في لندن بالإفراج عنها، أن ليبيا حذّرت حكومة ثاتشر مرتين من أن الاحتجاج أمام سفارتها في لندن سيشهد أعمال عنف، قبل ساعات من قتل الشرطية البريطانية، إيفون فليتشر.

وقالت الوثائق إن مكتب الاتصال الخارجي الليبي (وزارة الخارجية) استدعى السفير البريطاني وقتها، أوليفر مايلز، في 17 أبريل 1984 لتحذيره من أن المظاهرة قد تشمل أعمال عنف، وأن الحكومة الليبية لن تكون مسؤولة عن العواقب إذا ما جرى تنظيمها.

كشفت الوثائق أن ليبيا حذرت حكومة ثاتشر مرتين من أن الاحتجاج أمام سفارتها في لندن سيشهد أعمال عنف، قبل ساعات من قتل الشرطية البريطانية، إيفون فليتشر

وأضافت، أن دبلوماسيين ليبيين، زارا في اليوم نفسه، وزارة الخارجية البريطانية للإعراب عن قلق حكومة بلادهما من المظاهرة المخطط لها من قبل محتجين مناهضين لنظام الزعيم معمر القذافي وقتها، وكررا التحذير من أنها لن تكون مسؤولة عن العواقب.

وكشفت الوثائق التاريخية التي نشرت بموجب قانون رفع السرية عنها عن حجم التخبط الذي وقعت فيه السلطات البريطانية بين التحرك أو تجاهل تلك التطورات بحجة أن نظام القذافي كان متعودا على إطلاق تهديدات مماثلة في كل الاتجاهات وضد أكثر من جهة حول العالم.

وبينت أن أحد موظفي وزارة الخارجية البريطانية استغرب زيارة الدبلوماسيين الليبيين للوزارة في وقت متأخر تاركين ورقة كتب عليها أن “ليبيا لن تتحمل أية تبعات عن سماح بريطانيا بتنظيم مظاهرة ضد نظام العقيد القذافي”. وكانت الشرطية فليتشر (25 عاما) قُتلت أثناء حمايتها مظاهرة مناهضة لنظام الزعيم الليبي السابق القذافي عام 1984 بعيارات نارية تعتقد السلطات البريطانية أنها أُطلقت من داخل السفارة الليبية، كما أُصيب 11 متظاهرا بجروح.

ووفقا للوثائق لم تتمكن السلطات البريطانية من محاكمة القاتل الذي نجحت في تحديد هويته بسبب تمتعه بالحصانة الدبلوماسية وخوفا على حياة دبلوماسييها في طرابلس الذين احتجزوا في مقر السفارة البريطانية لمدة 11 يوما ولم يسمح لهم بالمغادرة حتى خروج الدبلوماسيين الليبيين ومن ضمنهم القاتل من بريطانيا.

7