غوستاف دوري ملهم فناني السينما والكاريكاتير بمنقوشات تشبهه

الاثنين 2014/03/17
شهرته طبقت الآفاق خصوصا في لندن حيث أنشأ قاعة باسمه "دوري غاليري"

باريس- من 18 فبراير إلى 11 مايو 2014، يخصص متحف رصيف أوسي بباريس معرضا فنيا لفنان التصوير الأشهر، الفرنسي غوستاف دوري (1832/ 1883)، الذي تعكس رسومه العديدة سعة خياله وقدرته الفائقة على تمثل شخصيات المؤلفات التي دعي إلى تشخيصها على الورق، حتى عُدّت أعماله نماذج متميّزة، احتذى بها الفنانون في المسرح والسينما والأشرطة المصورة والرسوم المتحركة والكاريكاتير.

هو فنان عصامي، تعلم العزف على الكمان، وأتقن الاستعراض البهلواني، وشغف بالأدب، ولكن عشقه الأكبر كان لفن الرسم، فقد ولع به منذ نعومة أظفاره، حيث دأب على رسم كل ما يلتقطه سمعه أو بصره متأثرا برسّام الكاريكاتير غرنفيل. ولم يبلغ الثانية عشرة حتى أخرج طبّاع بالمدينة بعض نقوش من ابتكاره حول “أعمال هرقل”.

هذه المنقوشات أثارت إعجاب أحد الناشرين فاستقدمه إلى باريس للعمل بمؤسسته. التحق به الفتى عام 1847 ليدرس في معهد شارلمان ويعمل في الوقت نفسه رسام كاريكاتير بـ”جريدة للضحك” طوال سبع سنوات.

ولم تمض سنة على التحاقه بها حتى عرف الفتى الشهرة، وبدأ يشارك في المعارض، مخالفا بذلك رغبة أبيه الذي كان يريده أن يلتحق بكلية العلوم والهندسة.


رسام الأدباء


في باريس تقلب بين مشاغل بعض الفنانين التشكيليين، ولما اشتدّ عوده، خطر بباله أن يعدّ رسوما لروائع فحول الأدب العالمي، مثل دانتي وشكسبير وموليير ورابليه وثربنتس ولافونتين وشارل بيرو وبلزاك، لفتت نحوه الانتباه، وحاز بفضلها اعتراف الوسط الفني بموهبته. علّق إميل زولا على رسم دوري لشخصية دون كيخوتة: “تسمون هذا رسما توضيحيا لأثر أدبي؟ أنا أزعم أنه أعاد صياغة هذا الأثر. بدل أثر فني رائع ها أن العقل البشري يعدّ اثنين”. ما شجعه على مقاربة بعض الأحداث التاريخية، ذات الصبغة الدينية بخاصة، حتى أطلق عليه لقب “الفنان التبشيري”.

تقلب دوري بين مشاغل بعض التشكيليين، ولما اشتد عوده، خطر بباله أن يرسم روائع فطاحل الأدب العالمي

وبعد أن أنجز رسوم “الكتاب المقدّس″، ولوحة ضخمة عن “المسيح وهو يغادر قاعة المحكمة” غنية بالشخوص والتفاصيل والجزئيات، بشكل يذكر بكبار فناني عصر النهضة، انكبّ على إعداد رسوم ما يزيد عن مائة وعشرين كتابا صدرت في فرنسا وكذلك في ألمانيا وإنكلترا وروسيا.

طبقت شهرته الآفاق خصوصا في لندن التي أنشأ فيها عام 1867 قاعة باسمه “دوري غاليري” كان يعرض فيها أعماله باستمرار، ويغتنم حضوره بتلك المدينة التي كانت تشهد تطورا ملحوظا لزيارة الأحياء الفقيرة والإمساك بخصائص قاعها وأجوائه، حتى يستلهم منها شخوص أعماله القادمة. مثلما استغل تجنيده لحرب فرنسا مع بروسيا، وحصار باريس عام 1870 ليلتقط مناظر ومشاهد صاغها في لوحات “اللغز” و”نسر بروسيا الأسود” و”الدفاع عن باريس.

ولكن هزيمة فرنسا وضياع مقاطعة الألزاس التي رأى فيها النور أثرتا فيه كثيرا، فهاجر إلى لندن قبل أن ينصرف إلى مراكمة رسومات ذات رمزية المنحى، ولوحات مائية ذات رومانسية حالمة تعكس عشقه للطبيعة ومناظرها الخلابة، ولوحات أخرى زيتية تجريدية وسريالية قبل الأوان، وزاد عليها منحوتات برونزية دقيقة الصنع بدأها عام 1877، يمزج فيها الجد بالهزل، كتلك التي تمثل فارسا بزيّه القتالي يقفز على ظهر شاة.

شخصية دون كيخوتة كما يراها دوري

ولم يمهله القدر كي يتمّ مشروعه، أو مشاريعه، فقد كان الموت راصدا له، إذ أصيب بأزمة قلبية أودت بحياته وهو في الواحدة والخمسين من عمره.


سابق عصره


كان غزير الإنتاج حتى أن لوحاته تشغل المتحف بطوابقه الخمسة، ومما يذكر عنه أنه صرح عندما أتمّ عامه الثالث والثلاثين: “آسف، لم أنجز سوى مئة ألف رسم”. ولكن الأهمّ من الكثرة، استمرار فنه من بعده، وأثره على سائر الفنون، فقد استغل السينمائيون لوحاته ومنقوشاته الضخمة كما فعل تيري جيليام في “مغامرات البارون مونشاوزن” ورمان بولنسكي في “أوليفر تويست” وسيسيل بي دو ميل في “الوصايا العشر”، وويليس أوبريان في “كينغ كونغ”.

بل إن الجيل الذي تلاهم لم يستغن عن عوالم دوري، كذا دارين أرونوفسكي في تصوير المناظر الطبيعية التي لا يحدّها بصر في شريط “نوح”، وبيتر جاكسون في رسم ملامح البطل الفنتازي في “سيد الخواتم” وجورج لوكاتش في نحت شخصية شيوباكا في سلسلة “حرب النجوم”، فضلا عن أفلام “هاري بوتر” و”قراصنة الكراييبي” و”شريك” وبعض أفلام ديزني التي استفادت بشكل أو بآخر من عبقرية دوري.

كما يدين له في فن التصوير الفوتوغرافي مصورون عالميون مثل أندرياس غورسكي من حيث التقاط المناظر في شكل بانوراما عملاقة، ويانغ يونغليانغ ودو شنجون في تصوير مدينتي شنغاي وهونغ كونغ في ما بعد الكارثة النووية. بل إن الصحف الساخرة اليوم مثل “شارلي هبدو” و”المائع المتجمد” و”الفلز الصائح” تدين له بكثير من السمات في فن الكاريكاتير. حتى مبتكرو ألعاب الفيديو بما فيها من متاهات وكهوف ورعب ودوران مدوّخ يعترفون ببصمته عليهم في كثير مما يعرض اليوم بالمتحف. كذا الشأن في المسلسلات التلفزيونية حيث أعدّ دوري سلاسل في حلقات انطلاقا من الأعمال الكلاسيكية للورد بايرون وتنيسون وهوغو وثربنتس، وفي الفن المعاصر كما نجد آثارها في أعمال الأخوين شابمان، وفيم ديلفوي وحتى مالفيتش.

يقول الفنان غيوم ديجيه مفوض معرض آخر يخصص الآن لدوري في ستراسبورغ مسقط رأسه: “إما أن غوستاف كان سابقا لعصره بمئة وخمسين عاما، أو أن معاصريه كانوا متأخرين عنه مئة وخمسين عاما”.

16