غوغل شركة صنعت عالمها العملاق مشيعة ديمقراطية المعلومات

الأحد 2015/02/01
موقع أحضر أعماق محيطات الإنترنت للإنسان من كل مكان في العالم

برلين - عندما جلس مؤسسا غوغل ليضعا لبنة أول ماكنة بحث تعالج عجزا في فكرة استقصاء البيانات من بين الكم الهائل من المعلومات والمعطيات، وما كان ببالهما أنهما يطلقان ثورة حقيقية ستغيّر مفهوم المعلومة ودورها في الحياة. كان اللغز المعرفي الذي يحاولان حلّه بسيط. إذا بحثت عن كلمة "جاغوار" في محرك البحث، كيف يمكن التمييز بين من يبحث عن معلومات عن سيارة جاغوار البريطانية أم عن حيوان النّمر الأرقط، هنا برزت فكرتان هما: الأولى هي أن تعرف شيئا عن الشخص الباحث من خلال تراكم أسلوبه في البحث وعلى ماذا ينقر. والثانية إعطاء وزن لعمليات البحث العامة التي يجريها آخرون. مثل هذا الحل الذكي حوّل محرك البحث من ماكنة حشد للمعلومات وتقديمها، إلى ماكنة فطنة تبدو وكأنها تتابع الشخص، أو نمطا من الأشخاص، وتقدم لهم الأقرب إلى ما يريدونه.

غوغل صديق الجميع، وشريك الأسئلة عند مئات ملايين البشر في اللحظة ذاتها ومن كل أصقاع العالم، الذين ينشدون الإجابات سيجدونها في غوغل، والذين يبحثون عن الطرق والخرائط سيجدونها في غوغل، وكذلك يفعل المنقبون عمّا هو وراء المعرفة، في عالم واسع تصبح فيه التقنيات الفائقة جزءاً من رفاهية الإنسان.

غوغل الموقع الذي بدأ بفكرة من طالبي دراسات عليا ذات يوم، مجرد مشروع نظري تحوّل إلى موقع يقدّم خدمة البحث، ينظم المعلومات ويقدّمها بين يدي طالبيها، ليصبح شركة عملاقة تفرد أذرعها على العالم مبتلعة عدداً كبيراً من الشركات المتخصصة في مجالات مختلف.


عصر غوغل


في غوغل يظهر العصر الجديد، وينعكس عملياً على سيرة مشروع بسيط بدأ في مرآب سيارات، رأسماله الحقيقي هو قوة التفكير الخلاق والرغبة بتغيير العالم، وربما حدث هذا ذات يوم دون حسابات، تلك الحسابات التي ستظهر حين يصطدم غوغل مع ملفات خطيرة كالإرهاب والخصوصية والعالم المتغيّر كل يوم.

جوليان أسانج مؤسس ويكيليكس يتهم غوغل بمنح معلومات المستخدمين إلى أجهزة المخابرات العالمية، ما يعكس عدم قدرة الشركة العملاقة على الصمود في وجه التدخلات الدولية في شؤونها

موقع أحضر أعماق محيطات الإنترنت للإنسان من كل مكان في العالم، على مدى سنوات مضت، يبشّر اليوم رئيس مجلس إدارته التنفيذي إريك شميدت بأن العالم سيخسر الإنترنت قريبا، وما تنبأ به شميدت، كان تصوّره لما سيكون عليه الحال بفعل توسّع الخدمات وليس تقلصها، فشرح في حوار مفتوح معه في منتدى دافوس الاقتصادي بسويسرا، أنه “سيكون هناك عدد كبير من بروتوكولات الإنترنت وكمية هائلة من الأجهزة والمستشعرات والأدوات التي نرتديها ونتفاعل معها، فلن نشعر بعد ذلك أن الإنترنت موجودة، تخيل أنك تدخل غرفة، وفجأة تصبح هذه الغرفة ديناميكية، وبالتالي ستتفاعل مع كل غرض موجود داخل الغرفة، ويضيف الرجل الذي رافق مبكراً مؤسسي غوغل لاري بايج وسيرغي برين: ستكون هناك إنترنت الأشياء حيث تصبح الأدوات المتصلة بالإنترنت من هواتف وساعات وأجهزة تحكم بالحرارة والمصابيح مبرمجة لتعمل بنفسها وبشكل فاعل، ولن يشعر الإنسان بوجود الجسر الأساسي الذي كان يعرف بـ”الانترنت”.

سيرغي برين، مهاجر روسي، قادم من أحياء موسكو الفقيرة، ابنٌ لأستاذ رياضيات حمل أسرته إلى مطار كينيدي في نيويورك في العام 1979 هارباً من شح الحياة العلمية في بلاد شاسعة المساحة، شحيحة على الخيال، وفي أميركا تلقى برين من والده هديته الثمينة وكانت جهاز كومبيوتر كومودور 64، حيث واصل تقدمه العلمي دون الالتحاق بالمرحلة الثانوية ليدرس في جامعة ميريلاند علوم الكومبيوتر والرياضيات، وليحصل على الماجستير في العام 1995 في ستانفورد، حيث رأى لأول مرة من سيكون شريكه في عالم غوغل، لاري بايج.

ليعمل الاثنان على مشروع بحثي مشترك قائم على الهندسة والرياضيات معا، بهدف ابتكار طريقة لاستخراج أكبر كمية من المعلومات عبر الإنترنت من كم هائل من البيانات، حمل بحثهما عنوان “التركيب البنيوي لمحرك بحث على الإنترنت يضم شريحة واسعة من النصوص”.

وفي العام 1998 حوّل الطالبان البحث إلى شركة صغيرة تدير أعمالها من منطقة منلو بارك في كاليفورنيا ومن مرآب سيارات مستأجر، ومنحاه اسمه الذي سيعرفه سكّان الأرض كثيراً في ما بعد “غوغل”.

كانت استجابة الإنسان لإغراء المعلومات استثنائية، فبعد أقل من عام على انطلاق المشروع، وصل عدد طلبات البحث على موقع غوغل إلى نصف مليون طلب يوميا، فكان المزيد من الطلبات على المعلومات سيعني المزيد من التوسّع في أعمال الشركة، لتصبح نسبة نموّها 50 بالمئة شهريا، فانفجرت الصحافة الأميركية بأخبار غوغل وعلّقت مجلة “تايم ديجيتال” على فارق تطوّر غوغل عن بقية شركات العالم بأن “غوغل بالنسبة إلى منافسيها كشعاع الليزر بالنسبة إلى السكين”، وحتى العام 2001 كان عدد طلبات البحث على غوغل قد وصل إلى 100 مليون طلب يوميا، حينها تم إدخال فعل جديد إلى قاموس اللغة الإنكليزية، وهو “غوغل” أي أخضع للبحث.

العصر الجديد ينعكس عمليا في سيرة مشروع بسيط بدأ في مرآب سيارات، رأسماله الحقيقي هو قوة التفكير الخلاق والرغبة بتغيير العالم، وربما حدث هذا ذات يوم دون حسابات، تلك الحسابات التي ستظهر حين يصطدم غوغل مع ملفات خطيرة كالإرهاب والخصوصية والعالم المتحول كل يوم

الثقة بغوغل التي فرضتها قدرة الموقع على الإتيان بكل شيء عن كل شيء، صنعت عقد شراكة مع مستخدم الإنترنت، يقوم على تبادل المنفعة، صحيح أن غوغل يقدّم المعلومات مجاناً لكن يقدّم معها الإعلانات أيضاً، ويتمكن من التأثير يومياً وفي كل لحظة على عشرات ملايين الأدمغة التي تضغط على زر البحث قرب شعار غوغل، لكن المستخدم يبقى يثق بغوغل، ويعرف أن المبدأ الذي اعتمدته الشركة، هو “ديمقراطية المعلومات”، وهو انعكاس متعاظم للتفكير الأميركي الذي بشّر بالعولمة وقادها، غوغل في الواقع هو من حوّل العالم إلى قرية صغيرة، قرية محصورة في شاشة بين يدي مستخدم الإنترنت.

وباحتكار شركة غوغل لمؤسسة “إيمز″ التي تزوّد وكالة ناسا لأبحاث الفضاء، تمكن غوغل من فرد خرائط الأرض أمام المستخدم، في اختراق كبير لحظر طال مداه، بدأ ذات يوم مع الرحالة والمستكشفين الذين رسموا خرائط القارات البدائية، ووصل إلى السلطات التي تخشى من توفير تلك الخرائط كي لا تقع بين الأيدي الخطرة، كسر غوغل هذا الحظر، بانتقاله إلى تحديث خرائطه وصوره عبر الأقمار الصناعية، وإطلاقه “غوغل إيرث” الذي ينقل للمستخدم صورة مقرّبة بدقة عالية لحديقة منزله وألعاب أطفاله المتناثرة هنا أو هناك على أرضها.


غوغل الحكومة العالمية


شكّل غوغل شراكة فائقة مع المستخدمين، حيث يصعب تخيّل الحياة من غير غوغل، فصار بديلاً عن المكتبات العملاقة في صالونات البيوت، والتيليسكوبات المتخصصة، ودور السينما، والمسارح، والتلفزيونات، واستطاع الموقع الباحث عن المعلومات أن يربط البشر أفراداً ومؤسسات في شبكة بلا حدود تمتد عبر الأرض، تتفوق بالفعل على فكرة الإنترنت مع أنها تقوم عليها، فما جدوى الإنترنت من غير غوغل، رغم وجود محركات بحث أخرى مثل الياهو وغيره، ولكن غوغل يبقى بعيداً جداً عن أقرب منافسيه.

صنع غوغل صورة جديدة للرأي العام في العالم، فالجالس خلف شاشة جهازه أو الممسك بهاتفه الذكي الذي يتصفح الإنترنت عبر غوغل، لن يكون بعد اليوم من غير رأي، ولن يكون مجرد مستقبل للمعلومات، على مبدأ السمع والطاعة والقبول، بل صار يشارك في تغيير شكل المعلومة، ويقدّم الطلبات إلى محرك البحث العملاق لتغيير بعض تلك المعلومات إن خالفت بعض القيم الإنسانية أحياناً، أو تجاوزت حدوداً يتوافق عليها البشر، يمكن بفضل تلك الحكومة التي شكلها غوغل وأعضاؤها هم كافة مستخدمي الشبكة، إحداث التغيير المنشود في العالم، صحيح أنه افتراضي، ولكن ترجمته فعلية وواقعية على الأرض بفضل تداخل التفاعلية بين الإنترنت والحياة.

غوغل يتمكن بفضل تنظيم المعلومات وإتاحتها للجميع من أن يكون شريكا للإنسان وبديلا عن المكتبات والتليسكوبات ودور السينما والأصدقاء والمخبرين


الكيان القوي الرخو


يصبح اسم غوغل مع الوقت ومع توسّع اهتماماته والمنتجات التي يقدمها للمستخدمين في العالم، من السيارات إلى الجوالات والنظارات وغيرها، إضافة إلى الخدمات العديدة، أكبر الحاضرين في التاريخ الحديث وأكثرهم رغبة بالحلول في محل الأقوياء الذين سبقوا والذين ما يزال بعضهم لاعباً أساسياً في العلوم والتكنولوجيا، واليوم تبدأ شركة غوغل بالتحريض على السفر إلى الفضاء، في أحدث مشاريعها التي طرحت من خلاله مسابقة للشركة التي ستتمكن من صنع مركبة خاصة بوسعها الهبوط على سطح القمر، ويمكنها التحرك على سطحه بما لا يقل عن 500 متر، شركة غوغل تعرض جائزة قدرها 30 مليون دولار لمن يفوز في سباق إنزال مركبة غير مأهولة على سطح القمر، وتمنح الجائزة مؤسسة “لونار إكسبرايز″، التي تملكها غوغل، وهي مفتوحة أمام الشركات الخاصة والهيئات غير الحكومية في جميع أنحاء العالم، وعلى الشركة الفائزة بعد أن تقوم بإنزال مركبتها القيام بنقل لفيديو عالي الوضوح وصور لكوكب الأرض فور وصولها إلى القمر، وقدمت المؤسسة لخمسة فرق متنافسة جوائز مالية بلغ مجموعها قرابة الـ6 مليون دولار، من إجمالي مبلغ الجائزة البالغ 30 مليون دولار، إذ تريد غوغل كسر احتكار السفر عبر الفضاء الذي كان محصورا في الولايات المتحدة وروسيا والصين.

صنع غوغل عالمه، وصنع معه عالمنا، فتداخل العالمان بصورة كبيرة، حيث لا يعرف أحدٌ إلى أين سيقود غوغل البشرية في رحلته العلمية والتقنية، وكيف ستتأثر الحكومات والدول وأجهزة المخابرات والشركات في العالم بهذا الكائن الذي ولد في أواخر التسعينات لينمو بسرعة هائلة ويصبح أكبر من أيّ قدرة على ضبطه.

تكررت المرات التي طُلب من غوغل فيها حجب بعض الخرائط والمواقع لأسباب أمنية، وفقاً لما تراه الدول والجهات التي طلبت ذلك، ولم يتوقف كثيرون عند الخبر الذي نشر في خريف العام 2014 الذي اتهم فيه جوليان أسانج مؤسس موقع ويكيليكس، شركة غوغل بأنها قامت بتقديم بيانات مستخدميها لأجهزة مخابرات عبر العالم، وقال أسانج في لقاء مع هيئة الإذاعة البريطانية، وقناة سكاي نيوز، إن موقع غوغل يقوم بجمع بيانات مستخدميه وتخزينها وتصنيفها، ومن ثمة بيعها إلى المعلنين وإلى جهات أخرى، كما يتيح لأجهزة المخابرات، ومن بينها المخابرات الأميركية، الاطلاع عليها.

فهل سيكون قوام غوغل رخواً كما هو قوام الأخطبوط، كما يطيب لكثيرين تشبيه الشركة العملاقة، أم أن الشركة العملاقة ستفرض نظاماً أمنياً خاصاً لحماية أمن المعلومات يصمد أمام التهديدات التي تواجهها الشركة التي أرادت أن تتدخل في كل شيء.

10