غونتر غراس صاحب الأنوار في عصر تعب من العقول

الأحد 2014/09/14
غونتر غراس الطفل الذي قرر ألا يكبر أبدا

قد لا تكون الأكاديميّة السويديّة مخطئة عندما منحت في السنة الأخيرة من القرن العشرين جائزة نوبل للآداب للكاتب الألماني غونتر غراس. فمنذ صدور روايته الأولى “طبل الصّفيح” عام 1959 والتي حقّقت له شهرة عالمية واسعة، وهذا الذي يسمّيه محبّوه بـ”الابن الرهيب” للأدب الألماني الحديث لا ينقطع عن الكتابة، وعن النضال من أجل إرساء القيم الإنسانيّة النبيلة في وطنه، وفي العالم، وعن التصدّي لأولئك الذين يحاولون دفن الماضي، ويخشون فتح السجلّ الأسود لتاريخ ألمانيا خلال الحقبة النازية، وعن “قرع طبوله” محذّرا من المخاطر التي تتهدّد الإنسانيّة حاضرا ومستقبلا.


المعجزة الاقتصادية والأدب


وربّما كانوا على حق هم أيضا أولئك الذين علّقوا يوم فوزه بجائزة نوبل للآداب قائلين بأنه مع هاينريش بل الفائز هو أيضا بجائزة نوبل للآداب عام 1970، أهمّ من جسّد الروح الألمانية في أعماله في النصف الثاني من القرن العشرين. فقد عاش ويلات الحرب طفلا، ثمّ شابّا، ومشى فوق أنقاض المدن المهدّمة إثر سقوط الرايخ الثالث، وعاين بنفسه الكوارث التي أصابت أمّته بسبب جرائم النازيّة. وعندما تحوّلت ألمانيا الى قوّة اقتصادية انطلاقا من الستينات كان أوّل من حذّر من التكالب على الاستهلاك ومن الانجذاب إلى المغريات المادية التي حقّقتها “المعجزة الاقتصادية”.

ولمّا انهار جدار برلين عام 1989، وتوحّد شطرا ألمانيا، رفع صوته عاليا ليقول للألمان بأنه يتحتّم عليهم أن “يتوحّدوا أخلاقيّا قبل أن يتوحّدوا تحت راية الدويتشمارك ” (العملة الألمانية آنذاك). ويوم منحته جائزة نوبل وصفته الأكاديمية السويدية بأنه “رجل الأنوار في عصر تعب من العقول”، وأنه صوّر في أعماله “الوجه المنسيّ للتاريخ من خلال حكايات مفعمة بالدعابة السوداء”.

التطهر من العنصرية

ولد غونتر غراس في مدينة غدانسك الواقعة على الحدود الفاصلة بين ألمانيا وبولونيا في الخامس عشر من شهر أكتوبر – تشرين الأول عام 1927. وكان والده يعمل في مصنع للورق. أمّا والدته فكانت تملك محلاّ تجاريّا صغيرا. وكانت مدينة غدانسك التي كانت في ذلك الوقت تسمى “دانتسيك” مثالا للتعايش السلمي بين ألأقليات، والأديان واللغات الشيء الذي ساعد غونتر غراس على أن “يتطهّر” مبكّرا من كلّ المشاعر الشوفينيّة والعنصريّة التي اجتاحت ألمانيا بينما كان هو يخطو خطواته الأولى.

في العام 1945 كانت الحرب الكونية الثانية تشرف على نهايتها، جند غراس وأرسل إلى جبهات القتال ليعيش تجربة الحرب المريرة وبالقرب من برلين أصيب بجراح خطيرة أثناء معارك طاحنة مع الجيش الأحمر. ليلقى عليه القبض ويرسل إلى أحد المعسكرات التي يشرف عليه الأميركيون

وفي عام 1945، وكانت الحرب الكونية الثانية تشرف على نهايتها، جنّد وأرسل إلى جبهات القتال ليعيش تجربة الحرب المريرة تماما مثلما كان الحال بالنسبة إلى هاينريش بل. وبالقرب من برلين أصيب بجراح خطيرة أثناء معارك طاحنة مع الجيش الأحمر. بعدها ألقي عليه القبض وأرسل إلى أحد المعسكرات في بافاريا جنوب ألمانيا يشرف عليه جنود أميركيون. بعد إطلاق سراحه حاول مواصلة دراسته، غير أنه سرعان ما انصرف عن ذلك غير آسف ليعمل في مناجم البوتاس بالقرب من مدينة هانوفر. وكانت ألمانيا لا تزال تئنّ تحت خرائب الحرب وفواجعها عندما أعلن أدباء وشعراء شبّان عائدون من جبهات القتال، التي أرسلوا إليها مرغمين، عن تأسيس مجموعة أدبية أطلقوا عليها اسم: “مجموعة 47″. وعن الهدف من وراء بعث هذه المجموعة كتب أحد مؤسسيها يقول: ”نادرا ما انفتحت في تاريخ بلد خسر الحرب وأكثر من الحرب هوّة ثقافية بين جيلين كما هو الحال في ألمانيا عقب الحرب الكونية الثانية. فقد كان هناك جيل يتكلّم وجيل صامت. والذين فضّلوا البقاء صامتين هم الشبان الذين ظلّوا بكما أمام هول الفاجعة. لذا كان عليهم أن يتكلّموا وعليهم أن يرفعوا أصواتهم من تحت الأنقاض ليقولوا الحقيقة بمسؤوليّة كبيرة”.


من تحت الأنقاض


وكان غونتر غراس واحدا من الذين رفعوا أصواتهم من تحت الأنقاض ليكونوا شاهدين على ما رأوا ،وسمعوا خلال الحقبة النازية السوداء. ومنذ البداية لفتت قصائده ونصوصه انتباه رفاقه في مجموعة 47 من أمثال هاينريش بل ومارتن فالسر وألفريد أندريش. إلا أن غونتر غراس كان يعلم أن الطريق طويل وأن حرق المراحل يمكن أن يقتل موهبته قبل اكتمالها. لذا فضّل أن يتمهّل وأن ينصرف الى العمل الجاد في انتظار اللحظة المناسبة.

وبعد أن عثر على والديه اللذين فرّا من دانتسيك عندما دخلها النازيون التحق بأكاديمية الفنون الجميلة في ديسولدورف لغرض دراسة الرسم والنحت. وفي عام 1954،عقب رحلة طويلة عبر ايطاليا وفرنسا، تزوّج من أنّا شفارس السويسرية الجنسية. وبعد أن أصدر مجموعة شعرية عام 1956 وأقام معرضا في شتوتغارت آنطلق إلى باريس صحبة زوجته التي كانت ترغب في تحسين مستواها في الرقص، ومعها أقام في شقّة بغرفة واحدة ومطبخ صغير على مدى أربع سنوات. وبالرغم من الصعوبات المادية التي كانت تحوّل أحيانا حياته وحياة زوجته إلى جحيم، ظلّ غونتر غراس منكبّا على كتابة روايته الأولى “طبل الصفيح” التي ستدخله إلى عالم الكبار في مجال الأدب.

وفي هذه الرواية ذات النفس الملحمي صوّر غونتر غراس مأساة ألمانيا خلال الحرب الكونية الثانية من خلال طفل يقرّر بألاّ يكبر. وحتى النهاية يظلّ طفلا يتمتع بقدرة فائقة على إدانة المجتمع وفساد الأنظمة وسقوط القيم.

بعد أن أصدر مجموعة شعرية مبكرا أقام غراس معرضا في شتوتغارت، وانطلق إلى باريس صحبة زوجته وأقاما في شقة بغرفة واحدة ومطبخ صغير على مدى أربع سنوات ولكن غونتر غراس ظل منكبا على كتابة روايته الأولى "طبل الصفيح"


تنشيط السياسة بالإبداع


مطلع الستينات التقى غونتر غراس بالزعيم الاشتراكي فيلي براندت، وبينهما قامت علاقة صداقة وطيدة ومتينة استمرت حتى وفاة هذا الأخير عام 1992. ومن المؤكد أن ذلك اللقاء هو الذي حرّض غونتر غراس على تكثيف نشاطه في المجال السياسي.

وفي الحملات الانتخابية كان يقوم بجولات في مختلف المدن لتأييد الاشتراكيين الديمقراطيين معبرا عن مساندته لفيلي براندت الذي كان يدافع عن سياسة الانفراج مع المعسكر الاشتراكي بزعامة ما كان يسمى بالاتحاد السوفياتي.

وكان غونتر غراس يطالب المثقفين بألا يظلّوا “سلبيين” مثلما كان حالهم خلال فترة “فايمار” حتى لا تعود “القوى السوداء” للظهور من جديد. غير أن النشاطات السياسية لم تثن صاحب “طبل الصفيح” عن مواصلة عمله في المجال الأدبي والفني. فخلال الستينات أصدر العديد من الأعمال المهمة مثل “القط والفئران” و”سنوات الكلب”.

وتحتل أحداث الحقبة النازية مكانة بارزة في العملين المذكورين. وعن ذلك يقول غونتر غراس: “حال انتهائي من “طبل الصفيح” أحسست أنه عليّ أن أكتب كتبا أخرى لكي أقول ما يتوجّب عليّ قوله عن الحقبة النازية. تلك الحقبة التي دمّرت مقوّمات الروح الألمانية التي تغنّى بها شعراؤها وكتابها العظام من غوته حتى توماس مان”.


جدار برلين


وعندما اندلعت انتفاضة الطلبة في ربيع عام 1968، والتي ساندها العديد من كبار المثقفين، لم يظهر غونتر غراس تحمّسا كبيرا لها. ولمّا سؤل عن رأيه في الشيوعية والرأسمالية أجاب قائلا: “ماركس بالنسبة إليّ كاتب مثير للاهتمام. نعم هو كاتب وليس عالما. وأفضل ما يمكن قوله عنه أن كلّ أطروحاته ونظريّاته تولّد الجدل حولها. مثلا: حماسة ردّة فعله أمام الرأسمالية تظهر بطبيعة الحال أن النظامين (وهذا ما وضّحه ماركس جيّدا) أي الرأسمالية والاشتراكية في معناها الأوسع يتكيّفان مع بعضهما البعض. والاثنان هما في نهاية المطاف حركتان تقدسان مفهوم العمل”.

تحتل أحداث الحقبة النازية مكانة بارزة في أعماله وعن ذلك يقول غونتر غراس: "حال انتهائي من "طبل الصفيح"، أحسست أنه علي أن أكتب كتبا أخرى لكي أقول ما يتوجب علي قوله عن الحقبة النازية. تلك الحقبة التي دمرت مقومات الروح الألمانية التي تغنى بها شعراؤها، وكتابها العظام من غوته حتى توماس مان"

انطلاقا من أواسط السبعينات وإثر سقوط فيلي براندت المدويّ، أخذ غونتر غراس يبتعد شيئا فشيئا عن عالم السياسة. وفي نهاية السبعينات صرّح قائلا: “خلال السنوات القليلة الماضية اكتشفت أن السياسة لا تلتهم فقط وقتي وحيويتي، وإنما لغتي أيضا ذلك أن لغة أهل السياسة مثل الثياب المستعملة بالية ووسخة”. غير أن السياسة سرعان ما فرضت نفسها من جديد على صاحب “طبل الصفيح” وذلك إثر سقوط جدار برلين وقيام الوحدة الألمانية. وأكثر من مرّة تدخّل في الجدل الدائر ليعلن عن رفضه لـ”وحدة تراعى فيها المصالح المادية” للألمان الشرقيين. كما أنه حذّر من أن تستغلّ “القوى السوداء” تنامي المشاعر القومية لتعود من جديد الى إفساد العقول وتسميمها معتبرا أن حوادث الحرق التي جدّت عام 1993 في أحياء المهاجرين الأتراك مؤشّرات خطيرة لعودة النازية. ولم يكتف غونتر غراس بإدانة الوحدة عبر وسائل الإعلام بل ألف رواية ضخمة حملت عنوان:”الحقل الفسيح”.


كائن حذر


وقد اعتبرت هذه الرواية من قبل الكثيرين إدانة واضحة للوحدة الألمانية. وهاجم الناقد الكبير مارسيل رايخنتسكي الروايه واصفا إيّاها بأنها من أضعف أعمال غونتر غراس على جميع المستويات. وقبل أن تهدأ العاصفة التي أثارتها الرواية المذكورة توارى غونتر غراس عن الأنظار ليخرج على الناس في ربيع عام 1998 بكتاب جديد تضمّن مائة قصة يروي فيها أحداثا مهمة من القرن العشرين. وفي حوار معه صرح قائلا: “أنا لا أكتب أبدا تحت تأثير الغضب والاحتداد. ومن الأكيد أنني كائن حذر وشكّاك. لكن في الوقت نفسه أنا إنسان يحب الحياة”. وخلال السنوات الماضية أصدر غونتر غراس مجلدين يتضمنان تفاصيل حياته معترفا أنه عمل في جهاز الاستخبارات النازية في نهاية الحرب الكونية الثانية. ومن جديد أثارت اعترافاته هذه ضجّة هائلة في ألمانيا. وقد يكون غونتر غراس سعيدا بردود الفعل العنيفة التي حصلت ضده لأنه كاتب يعشق المعارك، والمواجهات سواء مع النقاد أو مع القراء، ويكره الانقطاع عن قرع طبوله. وهكذا كان حاله منذ بداية مسيرته الأدبية وحتى هذه الساعة.

10