غونتر غراس فاضح السياسات الاستعمارية

الثلاثاء 2015/04/14
غراس زار اليمن

آمن الشاعر والروائيّ الألمانيّ غونتر غراس (1927 – 2015) الحائز على جائزة نوبل للآداب سنة 1999، بدور الكاتب في تبديد الغموض الذي يحيط بالكثير من الأمور والأشياء التي قد تلتبس على بعض الناس، ولذلك فإنّه بإعادة رسم الواقع روائيّا حاول وضع النقاط على الحروف وتحديد مناطق الخلل، ولم يتهرّب من مواجهة ماضيه، بل اعترف بما كان عليه حين كان صغيرا، وحكى عن تهوّره وخوفه.

حرص غراس، الذي رحل يوم أمس 13 أبريل الجاري، في كتاباته وممارساته، على انتقاد الغرب وسياساته الاستعماريّة، وما فتئ يدين إسرائيل وينتقد سياساتها الصهيونيّة من دون أن يكترث لغضبها عليه. عُدّ غراس واحدا من مؤيّدي قضايا اليسار في ألمانيا، ومناهضا للتدخّل العسكري للدول الكبرى في كل أنحاء العالم، ومنها غزو العراق.

دأب غراس على فضح مزاعم التنوير والتحديث التي ينادي بها المستعمر، ورأى أنّ السياسات الغربية تفشل فشلا مذهلا ولا تستطيع تحقيق التنوير المنشود، بل تخلق مزيدا من العتمة، ووقف على تأثير الاستعداء الذي يبعث على التفجير، تحدّث عن خطورة الفعل المتأخّر المضبوط وانفجار قنبلة الكلمة. واتّخذ موقفا معلنا رافضا لسياسات الولايات المتّحدة الساعية إلى تسيّد العالم وتقييده برغباتها، وذلك بالموازاة مع ادّعاءاتها المتكرّرة بأنّها تحاول إصلاح الأخطاء، مضيفة بذلك خطايا جديدة إلى سجلّها الحافل بالممارسات والآثام.

لم يخف غراس ذعره من الرأسماليّة التي تمضي طليقة من عقالها، والتي لا تلوي على شيء، وهي تكرّر على نطاق واسع أخطاء التجارب التي يفترض بها أنّها تعاديها أو تحاول تصويب أخطائها، حيث تجعل من حرّيّة السوق عقيدة دغمائيّة، والحقيقة الوحيدة، وتخوض أشرس الألعاب، فتقوم بعملية دمج بعد أخرى دون هدف سوى تضخيم الأرباح، ولا يستغرب بعد ذلك أن تصبح الرأسماليّة غير قابلة للإصلاح كما كان حال الشيوعيّة التي أوصلت نفسها إلى حدّ الانتحار. وتنادي بالعولمة شعارها الذي ترفعه «بعجرفة العصمة عن الخطأ، كقولها: ليس هناك من سبيل آخر»، بحسب تعبير غراس.

أعاد غراس سؤال هارولد بنتر حول عدد البشر الواجب قتلهم حتّى يستحقّ المرء صفة «سفّاح» و«مجرم حرب»؟ ليجيب أنّ هذا السؤال يكشف عن موقف الغرب المنافق في إحصاء الضحايا. ويذكر أنّه لا أحد يحصي الجثث التي تخلّفها القنابل والصواريخ الأميركية، لا في حرب الخليج الثانية ولا في الثالثة. ويؤكّد بأنّ التقديرات الجزافية تصل إلى مئات الألوف، ويدين تقسيم الموتى إلى درجات؛ أولى وثانية وثالثة، مع أنّهم جميعا ضحايا الإرهاب المتبادل.

عاد غراس إلى الماضي القريب، نهل من بعض الوقائع ليبني عليها مواقفه، أو ليؤكّد مواقف سابقة له، يتذكّر أنّه في العام 1973 وقبيل قيام عهد الإرهاب، بمساعدة فاعلة من الولايات المتّحدة، بضرب التشيلي تحدّث فيلي براندت أمام الجمعيّة العامّة للأمم المتّحدة، وكان بذلك أوّل مستشار ألمانيّ يخاطب المنظّمة الدوليّة. وقد طرح يومئذ قضية انتشار الجوع في العالم. وكان التصفيق الذي أعقب تصريحه المستنكر «الجوع حرب أيضا» صاعقا. ووقف على قضية الجوع التي يصفها بأنّها جريمة الجرائم، ولم يتردّد في الكشف عن المجرمين الحقيقيين، سمّاهم دون مواربة وحدّدهم بدقّة العارف: الغرب بمنظومته الاستعماريّة المتغوّلة.

غراس يرقص على النغمات اليمنية

جزم غراس أنّ القضية مازالت قائمة، وأنّ الفقراء يزيدون على ذوي الثروات المتزايدة ومعدّلات الولادة في اطّراد. ويقرع نواقيس الخطر الذي سيجتاح الغرب، حين يقول: بوسع الشمال والغرب الغنيين أن يحاولا تصوير أنفسهما بأنّهما بمنأى عن كلّ خطر في قلاع مهووسة بالأمن، لكنّ قطعان اللاجئين سرعان ما سوف تدركهم، فما من باب يمكن أن يصمد أمام ضربة الجائع.

تكون أعمال غراس الأدبيّة تتويجا لأفكاره وممارساته المعرّية للحروب والمستعمرين والصهاينة. يكتب في ثلاثيّته الروائيّة «ثلاثية دانتزغ» عن مسقط رأسه دانتزغ، وفي الجزء الثاني منها «قطّ وفأر» يروي جوانب سيريّة من حياته، ويحرص على تصوير الحال والمآل ليبرهن على بؤس الحرب ولؤم الدسائس.

يمكن أن تقرأ الثلاثيّة بشكل مستقلّ عن بعضها كأعمال متكاملة بنفسها، ذلك لاستقلاليّة الشخصيّات، مع شيء من الامتداديّة والتداخل. الرواية تكون متخيّلة بناء على سيرة واقعيّة يدخلها في إطار التخييل، ربّما، كي لا تُحاسَب على واقعيّتها التي قد تبدو مؤلمة للبعض، وتحديدا لمن أفنوا زهرة أعمارهم في الحروب والمعارك، من دون أن يربحوا سوى الهزائم والخسارات والكوارث. ولا يصرّح الكاتب بشخصيّات القطط والفئران في روايته، يتركها مجالا رحبا للتأويل والاجتهاد عند القارئ، لا يغلق دائرة اللعبة، يبقيها مفتوحة في النهاية، ولا سيّما عند طلبه اقتراحات بنهايات متوقّعة. وبطلبه ذاك ينهي الرواية، يستكمل لعبته التي يورّط فيها القرّاء أيضا. تكون الحرب الطاحنة قد قضت على بشائر الفرح وبؤر البهجة.

كما آمن غراس بدور الكاتب في مواجهة غطرسة الصهيونيّة وشركائها وحلفائها في العالم، وقد تصدّى لمزاعم الصهيونيّة ودعواتها المشبوهة، وفي سعي منه إلى تسييد قيم العدالة والمساواة يحرص على البحث عن سبل لإيلاء أدوار أكثر فاعليّة للكتابة والأدب، بحيث تستطيع النهوض بالإنسان وتساعده على اكتشاف نفسه وواقعه، ومن ثمّ الانطلاق نحو المستقبل بثقة وفعاليّة. وذلك برغم إدراكه أنّ كلّ شيء من الوقت قد خطّط له حتّى آخر انهيار عصبيّ. ويعترف أنّ هناك وادي دموع في صناعة ثقافة تستولي على العالم.

طرح غراس سؤال المحفّز: ما العمل؟ السؤال الذي يتكرّر على مدار الزمن، وحرّض على البحث عن الحلول والعمل الدائم للعثور عليها. وكان في إقراره بدور الكتابة خلق عوالم موازية للواقع، وقدرته على تحقيق شيء ولو بسيط، حيث يقول «إذا لم أكن أستطيع برواية الحكايات أن أستعيد مدينة ضاعت ودمّرت معا، فبوسعي، على الأقلّ، أن أستدعيها». وباستدعائه يكون قد بثّ روح الأمل والتجديد في نفوس قرّائه، وحرّض فيهم رغبة العمل وزرع الثقة في نفوسهم بطاقاتهم على التغيير.

15