غونكور تفاجئ جمهور الأدب بمنح جائزتها إلى إريك فويار

ساد الظن، حتى اللحظات الأخيرة، أن روايتي "فن الفقدان" لأليس زنيتر، و"بخيتة" لفيرونيك أولمي هما المؤهلتان للفوز بجائزة غونكور لهذا العام، وأن "جدول الأعمال" لإريك فويار مستبعدة، ليس لقيمتها الأدبية، بل لصدورها عن دار آكت سود، التي تملكها فرنسواز نيسان وزيرة الثقافة الحالية، ولكن اللجنة ذهبت مذهبا آخر، واختارتها بستة أصوات مقابل أربعة لرواية زنيتر.
الثلاثاء 2017/11/07
الأدب يسمح لنا بكل شيء

باريس - توج الكاتب الفرنسي إريك فويار (49 عاما) عن روايته "جدول الأعمال" بجائزة الغونكور التي تعد أرقى الجوائز الأدبية الفرنسية.

في هذه الرواية يعود فويار إلى إرهاصات الفظاعة ودور أرباب الصناعة الألمان في السلوكات النازية، وتواطئهم في التمهيد لغزو النمسا.

وفيها أيضا يحطم الأسطورة الألمانية عن الجيش العصري والسريع القادر على تحقيق النصر، عبر نقل المحادثات التي دارت في بعض الصالونات، والتفاوض الشبيه بالسمسرة لفتح الباب أمام الجيوش الألمانية.

فالكاتب يصف، استنادا إلى وثائق تاريخية توسل بها، المشاهد المؤسسة والميكانيكا السياسية والسيكولوجية التي رفعها هتلر، ليبين التسلسل الذي أدّى إلى الدكتاتورية النازية.

يوم 20 فبراير 1933 ببرلين، وبدعوة من رئيس الريخستاغ هرمان غورينغ، قدم أربعة وثمانون رجلا من رجال الأعمال البارزين لمقابلة هتلر في القاعات البرلمانية، من بينهم كروب وفون شنيتزلر، وفون أوبل، وكانوا يديرون شركات عملاقة أمثال باسف، وباير، وسيمنس، وأليانس، وتلفونكن… وقبلوا بتمويل النازية.

الغريب، يتساءل الكاتب، أن هذه الأسماء لا تزال حاضرة في حياتنا، تبيعنا الأطعمة والألبسة والأدوية والمستحدثات التكنولوجية، وتغنم منا أموالا طائلة، جعلتها تملك ثروات ضخمة، دون أن تخشى حسابا عن ماضيها ولا عقابا.

اختار الكاتب تلك اللحظة محورا لروايته القصيرة التي يطرح فيها دور الكاتب في تمثل الواقع المنقضي، لأنها ستكون بداية إلغاء الأمانة العامة في برلين، ورئيسها، ثم البرلمان نفسه، الذي لم يبق منه غير أنقاض بعد أن أضرمت فيه النيران.

بعد “14 يوليو”، التي تناول فيها الاستيلاء على قلعة الباستيل، لـ”يروي ما لم يُكتب” حسب تعبيره، يستعيد فويار هنا الفترة التي سبقت وصول هتلر إلى الرايخ الثالث، والعلاقات المشبوهة التي ربطها لبلوغ غايته، وبداية تطبيق ما استقرّ في باله من ضرورة الغزو والتوسع لأجل مجد الجنس الآري الجرماني.

من وقفوا مع النازية في الخفاء

يروي الكاتب قصة تحوّل مضاعف: تحوّل صناعات عائلية مهيئة للدخول في بعد جديد ودائم. وتحوّل نظام سوف يشهد ظهوره بفضلها. أي أن ثمة صفقة فاوستية شبيهة بتلك التي رواها فيسكونتي في “الملاعين”. فبين عامي 1933 و1939 تتالت تلك اللقاءات الاستراتيجية، التي تشي بتقديم المصلحة الذاتية على شتى الاعتبارات.

من ذلك مثلا، أن كروت سوشنيغ، “الدكتاتور النمساوي الصغير” لم يلمح وشك ضمّ بلاده، رغم لقائه بهتلر وجها لوجه في إقامته ببرغوف عام 1938. يصور الكاتب أيضا مأدبة فاخرة في دونينغ ستريت، في 12 مارس 1938، اليوم الذي اجتاحت فيه الجيوش الألمانية النمسا، إذ كان السفير الألماني جواكيم فون ريبنتروب يجهد لحظتها لإضاعة وقت شمبرلين وتشرشل.

مثلما يصور مشاهد أخرى من تلك العشرية الحرجة، عشرية ثلاثينات القرن الماضي، للتذكير بأخطاء كبار المسؤولين الأوروبيين الذين جاء التاريخ من بعدهم لتقويمها بصفة مؤلمة.

وفضل الكتاب أنه يحلل بعمق آليات الشرّ السياسي، ويذكر بالمنطق الذي أدّى إلى تنصيب نظام استبدادي مجرم، في قلب أوروبا المتحضرة، منطق يقوم على التواطؤ واللامبالاة والمصلحة الخاصة، في أسلوب سردي متوتر، يذكّر في جوانب منه ببعض روايات جان إشنوز، خاصة رواية “عَدْو”. فالأدب، كما يقول فويلار يسمح لنا بكل شيء.

14