غونكور ومنطق السوق

الخميس 2017/11/02

يوم الاثنين القادم، يُعلن عن الرواية الفائزة بجائزة غونكور، من بين أربع روايات وصلت إلى القائمة القصيرة، ولن تكون بالضرورة أفضلها، ذلك أن ثمة اعتبارات خارجة عن المعايير الأدبية اعتادت اللجان المتعاقبة أن تضعها في الحسبان، فغونكور، كسائر الجوائز الأدبية، ممزقة بين منطقين متناقضين: منطق أدبي، مهمته تكريس موهبة، ومنطق اقتصادي، لا يفكر إلا في مردود الكتاب الذي يمكن أن تجنيه هذه الدار أو تلك، والأقربون، بطبيعة الحال أولى بالمعروف.

ولئن ظل الجدل حاميا لاصطفاء أيّ الروايات أجدر بالتتويج، فإن العارفين بما وراء الكواليس يبنون تكهناتهم وفق منطق اللجنة نفسه. وفي رأيهم أن “جدول الأعمال” لإريك فويلار، التي تتحدث عن الذين تواطؤوا مع هتلر لإيصاله إلى الرايخ الثالث ومهدوا لاحتلاله النمسا، ستكون خارج السباق لكونها صادرة عن “آكت سود”، دار النشر التي تملكها وزيرة الثقافة الحالية، وأن التنافس سينحصر بين “بخيتة” لفيرونيك أولمي، عن سيرة أمَة سودانية انتزعت من دارفور وكابدت الويل قبل أن تصبح القديسة جوزفينا بكيتة، لأنها ستحظى بأصوات زملائها في اللجنة ممن ينشرون أعمالهم مثلها في دار “ألبان ميشيل”؛ وبين “فن الفقدان” لأليس زنيتر الجزائرية الأصل، عن مصائر “الحركيين” الذين نصروا فرنسا ضدّ إخوانهم إبّان حرب التحرير، فتنكرت لهم بعد جلائها عن الجزائر، لكونها صادرة عن دار “فلاماريون” ولا شك أنها ستحظى بأصوات رفاقها من “غاليمار”، وكلتاهما ملك لمجموعة “مادريغال”.

أما رواية “تمسَّكْ بتاجك” ليانيك هينيل، التي تروي قصة رجل مهووس بالسينما، يحلم أن يجد من هو جدير بإخراج سيناريو أعدّه عن هرمان ميلفيل، فيتوقعون استبعادها هي أيضا، أولا لأنها صادرة عن غاليمار التي فازت العام الماضي عن “أغنية ناعمة” لليلى سليماني، ثانيا لأن مغامرتها الفنية لا تستقيم مع منطق الجوائز الذي يتوجه إلى الجمهور العريض، وقد سبق أن أقصيت من جائزتي فيمينا والأكاديمية الفرنسية.

ورغم تنصل اللجان المتعاقبة من تهمة الانحياز لدور النشر أكثر من انحيازها للأدب، فإن الجائزة الأدبية أصبحت علامة تجارية، ووسيلة دعاية تنمي المبيعات، وماكنة لصنع النجاح الأدبي، بعد أن ضخّمه مجتمع الفرجة وصناعة الاستهلاك الجماهيري.

في كتابها “الأدب، بأي ثمن؟ قصة الجوائز الأدبية”، تتحدث سيلفي دوكا عن الفساد المستشري في اللجان المشرفة على الجوائز، عن أشياء أكثر سرية من الرشوة، كالعلاقات، والصداقة، والتواطؤ، أو ما يسميه ميشيل تورنييه الفساد الوجداني، أي الميل إلى كاتب دون آخر، وتغليبه على سواه عند التباري، فقط من منطلق عاطفي بحت.

كاتب تونسي

15