غياب التازي صاحب التجربة الثرية في الدبلوماسية والتأريخ

السبت 2015/04/04
التازي.. تجربة ثرية مغربية فريدة

الرباط - عندما تجلس إليه فأنت أمام رَاوِية من طراز رفيع لا تفوته المعلومة ولو كانت بسيطة، يتفنن في إدراجها ضمن النقاش ببديهة وابتسامة تحيلك إلى تواضع العلماء.

حكاياته لا تنتهي وذاكرته لم تخنه مع تقدمه في السن. إنه من هواة التاريخ الذين كتبوه وساهموا في صناعة أحداثه. هو الكاتب والمؤرخ والرحالة المغربي عبدالهادي التازي المولود بفاس والذي ووري الثرى فيها أمس، بقي محتفظا بلياقته الدبلوماسية والفكرية إلى أن ترك دنيانا بعد 94 سنة.

عبدالهادي التازي السياسي والأديب الذي يحبّذ أن يوصف بالفقيه. صفة يمجدها بعدما درس بجامعة القرويين بفاس، وتخرج منها في قسم الفقه المقارن، مقارنا مساره بابن خلدون الذي نشأ فقيها وانخرط في سياسة عصره ونال حظا وافرا من السفارة.

انخرط صغيرا في الحركة الوطنية دفاعا عن استقلال المغرب، فسجنته سلطات الحماية الفرنسية وهو ابن الرابعة عشرة عندما ألقي القبض عليه رفقة أصدقائه وهم يتظاهرون بشوارع فاس. اعتقل مرة ثانية عام 1938، بتهمة حيازته كتب شكيب أرسلان، والاعتقال الأخير الذي دام عامين، استغله التازي ليتعلم الفرنسية بعدما جمعه السجن مع أديب فرنسي كبير اسمه موريس، كان متهما بالتجسس لفائدة الألمان أثناء الحرب العالمية الثانية. وقال التازي، “كنت أكتب على أكياس الإسمنت، بدواء أزرق. خصصت القسم الأول من هذه الكراريس لتمارين الفرنسية، والقسم الثاني لمذكراتي”.

عين سفيرا في العراق سنة 1963، وتحصل على شهادة في اللغة الإنكليزية من معهد اللغات ببغداد عام 1966، ومنحته الحكومة العراقية وسام الرافدين عام 1972.

ومن بغداد انتقل إلى ليبيا في عهد الملك السنوسي، وألف كتاب “بين المغرب وليبيا”. وعاد إلى بغداد مرة أخرى.

كانت لعبدالهادي التازي تجربة خاصة بالإمارات فهو أول سفير مغربي بهذا البلد، في العام 1970. ويحكي عن هذه التجربة قائلا، “عندما نزلت في المطار، كان عبارة عن تل من الرمال، وضعتني لوحدي طائرة بريطانية كان على متنها 14 راكبا، ولم أجد أي شخص في انتظاري، فخشيت أن تكون الطائرة قد وضعتني في المكان الخطأ”.

وعن التطور الذي عرفته الإمارات بعد استقلالها ووحدتها، قال التازي، “لم أشك يومها أن الشيخ زايد سوف يبني البلاد ويطورها. لكن بصراحة، لم يكن ليخطر على بال أي شخص مهما كان خياله مجنحا أن الإمارات ستغدو بهذا الرقي والجمال، إنني أشعر أنني أمام معجزة تحققت ولا غرابة في ذلك، فالإرادة تصنع كل شيء، وما التاريخ إلا جملة من الإرادات”.

وأهلت تجربة الراحل للعمل أستاذا في المدرسة المَوْلَويَة “الكوليج رويال” حيث كان يدرس الملك محمد السادس عندما كان وليا للعهد مع الأمراء، ورافقه في أولى مهامه الدبلوماسية التي كانت في أفريقيا وعمره لم يتجاوز 15 سنة.

من خلال مؤلفاته الكثيرة والمتنوعة، وبالأخص “التاريخ الدبلوماسي للمغرب”، استخلص التازي أن المغرب لم يعرف فراغا في الحكم، على اعتبار أنه يتأسس على قواعد ثابتة عززتها المبادئ والأصول التي سلكها منذ القديم.

1