غياب التوافق الأميركي الروسي يفتح أبواب الجحيم على حلب

أدى غياب التوافق الأميركي الروسي إلى تصعيد عسكري خطير في سوريا وتحديدا في الأحياء الشرقية من مدينة حلب التي تتعرض لهجمة روسية سورية هي الأعنف منذ سقوطها بأيدي المعارضة، وسط مخاوف من أن يكون ذلك تمهيدا لعملية برية شاملة.
السبت 2016/09/24
ضحية القصف الأعمى

دمشق – تشهد سوريا تصعيدا عسكريا خطيرا غداة فشل اجتماع لمجموعة العمل الدولية حول سوريا يهدف إلى إعادة إرساء الهدنة التي تم الاتفاق عليها في وقت سابق من هذا الشهر بين واشنطن وموسكو.

وتشن المقاتلات السورية والروسية، منذ ليل الخميس، هجوما عنيفا على الأحياء الشرقية من مدينة حلب التي تسيطر عليها فصائل المعارضة منذ العام 2012.

وأكد شهود عيان بمناطق المعارضة في حلب أن “القصف عنيف جدا”، لافتين إلى أن طائرات حربية تشن غارات تليها مروحيات تقصف بالبراميل المتفجرة، قبل أن يبدأ القصف المدفعي.

وتحلق طائرات استطلاع فوق الأحياء الشرقية لالتقاط الصور قبل أن يقوم سرب من الطائرات الروسية والسورية بالقصف.

وبات متطوعو الدفاع المدني مع كثافة الغارات عاجزين عن الاستجابة والتحرك لإنقاذ الضحايا الذين هم بالعشرات، خصوصا بعدما استهدفت الغارات صباح الجمعة مركزين تابعين لهم في حيي هنانو والأنصاري.

وتسببت الغارات بدمار كبير في المباني، بينها ثلاثة أبنية انهارت بكاملها في حي الكلاسة الذي يتعرض لغارات عنيفة منذ ساعات، على رؤوس قاطنيها.

ويتحدث ناشطون سوريون عن استخدام الطائرات الروسية والسورية لقنابل ارتجاجية لم تستخدم سابقا في المناطق المأهولة، وهي شديدة الانفجار وتستعمل عادة في استهداف الملاجئ والأنفاق، والأماكن المحصنة.

وكان الجيش السوري قد أعلن، في وقت متأخر من ليل الخميس، بدء عملياته في أحياء حلب الشرقية. ودعا الناس إلى الابتعاد عن مقار ومواقع ما أسماها بـ”العصابات الإرهابية المسلحة”. ويأتي هذا التصعيد ردا على فشل الجانبين الروسي والأميركي في تفعيل اتفاق الهدنة الذي تم التوقيع عليه في التاسع من هذا الشهر ولم يجد طريقه إلى التنفيذ.

وهناك خلافات عميقة بين واشنطن وموسكو، في مقدمتها الاختلاف حول المفاهيم التي تضمنها الاتفاق الذي تم تسريب جزء منه خاصة ذلك المتعلق بوقف إطلاق النار وإيصال المساعدات الإنسانية.

ويرى محللون أن كلا الطرفين يحاول تطويع المفاهيم وفق ما يخدم رؤيته للحل في سوريا، وقد شهد الجميع تراشقا بالتهم بينهما حيث حمل كل منهما المسؤولية للآخر في عدم الإيفاء بالتزاماته.

ولا تقتصر الخلافات عند ذلك الحد فهناك إشكالية كبيرة تعيشها الولايات المتحدة حيال فصل الجماعات المعتدلة عن التنظيمات الإرهابية، بسبب اندماج معظمها في تحالفات عسكرية، فضلا عن تداخلها الجغرافي.

وينص الاتفاق بين الطرفين، وفق ما سرب منه، على تعهد أميركي بالفصل بين المقاتلين المعتدلين والمتطرفين، وهو طلب لطالما نادت به روسيا.

كما أنه لم يعد خافيا وجود خلافات داخل الإدارة الأميركية نفسها حيال الاتفاق الروسي الأميركي الذي وقعه كل من جون كيري وسيرجي لافروف، الأمر الذي ساهم بشكل واضح في عدم تنفيذه، وأثار موسكو.

ويرفض المسؤولون العسكريون الأميركيون التنسيق العملياتي مع الروس لضرب تنظيمي داعش وحركة فتح الشام (النصرة سابقا) والموالين لها، وكان هذا جوهر الاتفاق بين الجانبين.

جوزيف دنفورد: الجيش الأميركي لن يشارك في أي معلومات استخبارية مع روسيا

وأكد رئيس هيئة الأركان المشتركة للجيش الأميركي الجنرال جوزيف دنفورد، الخميس، أن بلاده لن تشارك في أي معلومات استخبارية مع روسيا فيما لو تم تأسيس مركز التنفيذ المشترك لمحاربة تنظيمات إرهابية داخل سوريا.

وفي معرض شهادته أمام لجنة القوات المسلحة في مجلس الشيوخ الأميركي، قال دنفورد “دور الجيش الأميركي لن يتضمن أي مشاركة للمعلومات الاستخبارية مع الروس”، واعتبر أن أي فكرة من هذا القبيل “ليست جيدة”.

ويصر المسؤولون العسكريون الأميركيون على عدم إطلاع روسيا على معطيات دقيقة حول خارطة توزع الجماعات السورية التي تدعمها الولايات المتحدة، نتيجة أزمة الثقة المتجذرة بينهما.

وفي ظل القائمة الطويلة من الخلافات التي لا تنتهي والتي تعكس جوا من انعدام الثقة، طلبت الولايات المتحدة تعديلات في الاتفاق، أو إضافة بند تكميلي ينص على فرض حظر جوي على الطيران السوري على المناطق التي تسيطر عليها المعارضة.

وقد قوبل هذا الطرح الذي تدعمه دول غربية أخرى في مقدمتها فرنسا وألمانيا برفض روسي قاطع.

ويخشى كثيرون من فشل المفاوضات الروسية الأميركية المستمرة في نيويورك، لأن ذلك سيعني استمرار التصعيد وربما القيام بعملية برية كبرى يشنها الجيش السوري مع حلفائه الإيرانيين واللبنانيين والعراقيين بالتوازي مع القصف الجوي على مناطق المعارضة في حلب.

وكان الجيش السوري قد صرح أن العملية البرية في المدينة ربما تنطلق خلال ساعات أو أيام، وذلك راجع إلى مدى سرعة تنفيذ الأهداف الجوية وإلى استكمال العمليات الاستطلاعية.

وفي خضم هذا الوضع المتفجر يسجل صمت تركي لافت حيال ما يجري في الأحياء الشرقية لحلب، الأمر الذي يعزز الشكوك حيال وجود تفاهمات تركية روسية سورية إيرانية.

ولم يصدر المسؤولين الأتراك، على خلاف العادة، أي انتقاد للطرف الروسي والسوري تجاه أعنف عملية قصف تشهدها المدينة، بالمقابل انبروا يهاجمون الولايات المتحدة، متهمين إياها بإرسال المزيد من الأسلحة إلى وحدات الشعب الكردي التي يعتبرونها تنظيما إرهابيا.

وقال الرئيس التركي رجب طيب أردوغان مساء الخميس، خلال عشاء نظم في نيويورك “قبل ثلاثة أيام، أرسلت واشنطن طائرتين محملتين بالأسلحة إلى كوباني (في سوريا) لوحدات حماية الشعب الكردي وحزب الاتحاد الديمقراطي”.

وأعلن أردوغان أنه بحث هذه المسألة مع نائب الرئيس الأميركي جو بايدن لكن “دون التمكن من إقناعه”.

وتقول أنقرة إن وحدات حماية الشعب الكردي، الذراع المسلحة لحزب الاتحاد الديمقراطي الكردي السوري، هي امتداد لحزب العمال الكردستاني، الذي يسعى إلى انفصال شرق تركيا.

وشدد أردوغان “على واشنطن أن تصنف وحدات حماية الشعب وحزب الاتحاد كمجموعات إرهابية”. وتساءل ساخرا “الأميركيون يعتبرون أن الوحدات وحزب الاتحاد الديمقراطي يقاتلون ضد داعش. لكن إذا كان ذلك صحيحا فهل أن جبهة النصرة لا تقوم بذلك هي أيضا؟”.

ونفت واشنطن في وقت سابق إرسال أسلحة للأكراد، ولكنها أكدت أنها ستزوده بذلك في حال شارك في هجوم محتمل ضد الرقة، معقل تنظيم الدولة الإسلامية في سوريا.

وتعتبر الإدارة الأميركية الوحدات الكردية أحد حلفائها الرئيسيين في مواجهة تنظيم داعش على الأراضي السورية.

2