غياب الحقيقة

الاثنين 2017/08/21

كلما كتبت عن ظاهرة رديئة علقت بالمشهد الفني العربي قيل لي “إن النقد الفني هو السبب”، فالنقد من وجهة نظر البعض هو المسؤول عن صناعة الظواهر الفنية.

النقد هو الذي صنع من عديمي الموهبة فنانين، هو من أطلق يد أقلية لتكون وصية على الفن، هو من يضفي على البعض هالات لا يستحقها وهو من يجرد البعض من صفة يستحقها، هو مَن قلب الميزان فلم يعد هناك إنصاف ولا عدل.

ولو أنني صدقت كل تلك الأقوال لآمنت بأن للنقد سلطة استثنائية في ثقافتنا وقبلها في مجتمعاتنا، ولكنه للأسف أمر ليس صحيحا، فالنقد في مجتمع غير نقدي لا يملك أية سلطة تُذكر.

يشعر الناقد بالخذلان كلما قال كلمة لا تُرضي الفنانين، بالرغم من أنه يقولها بحسن نية ورغبة حقيقية في مواجهة الأخطاء والظواهر السيئة. أول من يحارب الناقد الصادق هم الفنانون أنفسهم إن شعروا أن كلماته لا تخدمهم بشكل مباشر، في حقيقته فإن الفنان العربي يبحث عمن يمدحه، وهي ظاهرة طبيعية لولا أنها تدفع البعض إلى أن يرى في تقويم تجربته بين الخطأ والصواب مؤامرة للإساءة إليه، لذلك حُرم النقد من إمكانية أن يكون صانع أحداث أو ظواهر أو مكتشف ومتبني مواهب.

الناقد في عالمنا العربي كائن مهمش، معزول ومقيد بسوء الفهم لا أحد ينتبه إلى وجوده إلاّ حين تحل لحظة الحاجة إليه، وهي لحظة يقررها الآخرون، الفنانون وأصحاب القاعات وتجار الفن ومقتنو الأعمال الفنية. أما كان طبيعيا أن لا يتطور النقد الفني في الوضع الذي بينت جزءا من تفاصيله؟

نعم لم يتطور النقد الفني ولم تتبلور نظرية جمالية ولم يكتب التاريخ الفني بسبب حرمان الناقد من الحرية، وهو حرمان لم تفرضه الأنظمة السياسية، بل فرضته تقاليد فنية جعلت من الناقد الفني مجرد مروج وصانع دعاية ومزوق وجوه وكاتب إعلانات.

ما فعلته المؤسسات الفنية كان الأسوأ حين وظفت الناقد أجيرا لديها، فغابت الحقيقة كليا.

كاتب عراقي

16