غياب الرؤية يمنع إخراج التعليم السوداني من دوامة التراجع

أكدت الكثير من الأبحاث والدراسات التربوية في السودان أن التعليم وصل إلى مستويات قياسية في التدهور، سواء كان ذلك في المدارس أو في الجامعات، نتيجة غياب الرؤية الواضحة للحكومة السودانية بشأن وضع إستراتيجية حقيقية تساهم بشكل فعّال في إخراج التعليم من دوامة التردي التي وصل إليها.
الثلاثاء 2017/05/16
محاولات الصعود

القاهرة – يرجع تدهور التعليم في السودان إلى العديد من الأسباب، منها ما يتعلق بعدم تعامل الحكومة مع التعليم كأساس للتنمية وتحسين الوضع الاقتصادي والاجتماعي. ومنها ما يرتبط بنظرة المواطن السوداني نفسه للتعليم، حيث باتت تلك النظرة مقصورة على مجرد أن يحمل الطالب شهادة دراسية، مدرسية أو جامعية، حتى لا يوصف وسط المجتمع بأنه جاهل.

هاتان النظرتان للتعليم، سواء من الحكومة أو من المجتمع، أسفرتا عن مشكلات جعلت الكثير من الخبراء التربويين السودانيين يحذرون من وصول المستوى التعليمي بالبلد إلى الانهيار الكامل. وتعالت الأصوات المطالبة بضرورة وضع حد لهذا التردي، بأن يتم إرساء رؤية واضحة من قبل الحكومة لكي تثبت أنها تضع التعليم في مقدمة اهتماماتها، وتطبّق المجانية

حسب نص مواد الدستور المعمول به من عام 2005.

وقبل أيام، تطرق الرئيس السوداني عمر البشير إلى مشكلة خطيرة تتعلق بهجرة الكوادر التعليمية من المدرسين وأساتذة الجامعات إلى خارج البلاد، بحثًا عن مستوى معيشي أفضل. وتعهد الرئيس بتحسين المستوى الاقتصادي لهذه الفئة من أعضاء هيئات التدريس، بما يمكّنهم من بناء منازل جديدة وتوفير اعتمادات بنكية خاصة بهم.

وبدأت هجرة الكوادر التعليمية من السودان مطلع عام 2008 لنفس السبب المتعلق بالبحث عن مستوى معيشي أفضل، وبالتالي فإن تعهدات الرئيس السوداني ليست جديدة، وبدت كأنها محاولة لبث الطمأنينة لدى أعضاء هيئات التدريس الذين لم يتخذوا قرار السفر بعد، خاصة وأن موازنة التعليم تمثل 1 بالمئة فقط من إجمالي الموازنة العامة للدولة.

وقال معنيون بالشأن التعليمي في السودان إن هناك مشكلة أكبر تتعلق باستقالة عدد كبير من المعلمين من مهنة التدريس، في ظل تدني رواتبهم حيث لا تتعدى 52 دولارا شهريا، ما تسبب في وجود عجز رهيب في الكثير من المدارس.

ودفع هذا التدني في رواتب المعلمين إلى انخفاض نسب الالتحاق بكليات التربية في الجامعات، لإدراك المتقدمين إليها أن مستواهم المعيشي سوف يكون متدهورًا. وفي حال التحق بعضهم بكليات التربية فإنه لا توجد معاهد لتدريب المتقدمين لمهنة التدريس، حيث تحوّلت مقرات هذه المعاهد إلى كليات، ما أثر سلبًا على مستويات الطلاب في المدارس.

لا بديل عن زيادة موازنة التعليم ورفع رواتب أعضاء هيئات التدريس وجعل التعليم قضية وطنية في المقام الأول

وقال عباس محمد أحمد، رئيس نقابة المعلمين السودانيين، في تصريحات له، إن الدولة بوضعها الراهن لا تستطيع دعم العملية التعليمية، وسط ارتفاع عدد الاستقالات الجماعية من المعلمين بسبب ضعف الأجور.

ويصل متوسط دخل المعلم إلى أقل من دولارين في اليوم الواحد، مشيراً إلى أن الهجرة ترتب عليها نقص حاد في الكوادر، وإذا استمر الأمر على ما هو عليه فسوف تظل قضية التعليم “مكسورة الجناح”.

ويرى باحثون تربويون أن نسب الأمية -حتى داخل المدارس- ارتفعت إلى مستويات قياسية، إما بسبب ضعف مستوى الخريجين من الجامعات، وإما لعدم تغيير المناهج منذ العام 1999، وإما نتيجة ارتفاع الكثافات الطلابية داخل الفصول، ما جعل التعليم يتحول إلى ما يشبه “فك الخط”، ومجرد تدريب للطلاب على القراءة والكتابة فقط.

وقال هؤلاء إن جل المناهج الدراسية السودانية عفا عليها الزمن، وهي تركز على الماضي دون التطرق بأي حال إلى التعليم العصري القائم على الابتكار والتحليل والبحث، بل يتم التركيز فقط على الحفظ والتلقين والحفاظ على التقاليد والموروثات.

وأشاروا إلى أن هناك في الوقت الحالي صراعا فكريا عند الطلاب بين ما يدرسونه في التعليم وبين ما يعيشونه في حياتهم اليومية، سواء في بلدهم أو خارج نطاقه.

وأصبح التعليم في الكليات يعتمد بشكل أساسي على الكتاب الجامعي لتعويض ندرة الأساتذة وهجرتهم إلى الخارج، ما يقصي التواصل المباشر بين المحاضر الجامعي والطلاب ويجعلهم مجرّد حافظين لما هو موجود بالكتب دون الاعتماد على الأبحاث العلمية والاستفادة من التكنولوجيا. هذه العوامل جعلت مختلف الجامعات السودانية خارج تصنيف مؤسسات التعليم العالي عالميًّا.وشكك باحثون سودانيون في مصداقية القول بارتفاع عدد حملة الماجستير والدكتوراه إلى مستويات قياسية (قرابة 25 ألفا) برغم تدهور البحث العلمي والمؤسسات البحثية، وبعضهم فسّر ذلك بأنه ناتج عن شراء مثل هذه الشهادات، لا سيما من جامعات خاصة لا تخضع لرقابة الحكومة.

وبرهن هؤلاء على ذلك بأن ضعف الميزانية المخصصة للتعليم العالي والبحث العلمي تدفع الجامعات إلى التخلي عن شرط تميز الطالب لصالح مقدرته المالية، ومن ثم أصبحت الجامعات والتعليم مكاناً لتكريس التهميش والإقصاء والتمييز الطبقي، وتحوّل التعليم إلى سلعة تتاح لمن يملك المال، ما نتج عنه تزايد برامج الماجستير والدكتوراه للأغنياء.

وقال طارق نورالدين، الباحث في شؤون التعليم العربي، إن لجوء الحكومة السودانية إلى تعويض نقص المعلمين والكوادر التعليمية بالاستعانة بطلاب الخدمة الوطنية للتدريس في المدارس وهم غير مؤهلين لذلك، ضاعف تدهور التعليم،. كما أن الاعتماد على آخرين غير متخصصين في المواد لنقص خريجي هذه التخصصات من شأنه أن يقضي على كل فرص التعلم ليصبح التدريس “مهنة من لا مهنة له”.

وأضاف لـ”العرب” أنه لا يمكن في ظل التقدم التكنولوجي والاعتماد على الابتكار والإبداع والبحث في التعليم بالعالم أن تكون المناهج السودانية سارية دون تغيير منذ قرابة الـ20 عامًا، فضلا عن إقصاء التعليم الجانب العملي والاعتماد على النظري فقط حتى في مواد الأنشطة والعلوم، إلى جانب تضخيم المناهج بحيث تكون هناك أكثر من 10 مواد تدرّس للصغار في مرحلة التعليم الابتدائي ما يجعل منهم شخصيات كارهة للتعليم.

ورأى أنه “لا بديل عن زيادة موازنة التعليم ورفع رواتب أعضاء هيئات التدريس وجعل التعليم قضية وطنية تلتف حولها مختلف مؤسسات الدولة، وتحديث المناهج بما يواكب العصر، وتحويل التعلُّم من الحفظ والتلقين إلى الفهم والابتكار.. إذا كان السودان يريد تعليمًا حديثًا”. غير أن حيدر إبراهيم الباحث السوداني وأستاذ علم الاجتماع السياسي، ذهب إلى أن الحكومة السودانية مستفيدة سياسيًا من الوضع التعليمي الحالي، وبالتالي فهي لا تفكّر في التعليم أو تطويره وتحسين وضعية الخريجين.

وأوضح أن التوسع في التعليم الجامعي بالسودان “دعاية سياسية” ليس الهدف منها التعليم بل مجرد الإيحاء بأن النظام يخطط لمستقبل الأجيال الجديدة، بدليل أنه تم فتح كليات بصورة عشوائية انعكست سلبا على مستوى الخريجين، وجرى إهمال المعلمين، وكانت هجرة الكوادر بعلم مؤسسات الدولة.

17