غياب الطفل عن الدراما العربية دليل خلل ثقافي

رغم امتلاء الساحة المجتمعية العربية، بالعديد من القضايا الشائكة والمشكلات التي تتصل بالطفل، إلاّ أن كُتاب الدراما، قرروا عدم التطرق لهذه المسألة، وحصر أعمالهم في قصص الغموض والإثارة، أو المواضيع الرومانسية التي عادوا إلى الاهتمام بها، بعد سيطرة الدراما التركية على ما تقدمه بالفضائيات.
الخميس 2016/11/17
قيم نبيلة سقطت من حسابات المنتجين

لم يعد الطفل محورا في الأعمال الدرامية العربية التلفزيونية كما كان في الماضي، حيث شهدت الخارطة الإنتاجية تغيّرا جذريا في المحتوى المقدم، وتحديدا مع حلول الألفية الجديدة، التي واصلت إهمالها للطفل، ليس فقط بتجاهل قضاياه، بل بإخفائه بالكامل من المشهد.

ولعل ما يبرر ذلك، أن المنظومة الإنتاجية عموما، باتت تدار بطريقة عشوائية، وتبحث فقط عن اسم النجم الذي يتم من خلاله تسويق العمل، أو الاعتماد على المواضيع المثيرة، التي يغلب على أكثرها طابع الحركة السريعة “الأكشن”، والمسلسلات البوليسية، أو الجريمة والسحر والشعوذة، ممّا نتج عنه أيضا تراجع في الاهتمام بالدراما الاجتماعية بشكل عام.

تغييب ممنهج

هناك الكثير من الأعمال الدرامية التي أنتجت خلال سنوات القرن المنصرم في مصر، وكان الطفل محورا أساسيا فيها، أو على الأقل كان جزءا لا يتجزأ من ركائزها.

من أشهر هذه المسلسلات، مسلسل “هند والدكتور نعمان”، و”لا يا ابنتي العزيزة”، ليختتم المشهد بمسلسل “يوميات ونيس”، الذي قدمه الفنان محمد صبحي، والذي كان الأطفال المحور الأساسي له، ورصد فيه مراحل مسيرة حياتهم، من خلال العديد من الأجزاء.

وحتى الأعمال الأجنبية، التي كان يتم استيرادها من الخارج في تلك الفترة، كان للطفل نصيب فيها إلى حد كبير، في تضاد تامّ مع ما تبثه الفضائيات حاليا.

المسلسلات الخليجية حافظت على مناقشة مشكلات الأبناء، والتي تمثل النصيب الأعظم من الاهتمام

وربما تحاول المسلسلات الخليجية، من حين إلى آخر، الحفاظ على مناقشة القضايا الاجتماعية، وعلى رأسها مشكلات الأبناء، التي تمثل النصيب الأعظم من الاهتمام.

وجاء ذلك كتعبير عن وعي كُتابها، الذين لم يسعوا إلى تغريب الجمهور عن هويته كمواطنين يعيشون في مجتمعات عربية، في ظل حالة الانفتاح المجتمعية التي تشهدها تلك المجتمعات، نتيجة للاختلاط بجنسيات أجنبية مختلفة.

ورغم محاولات السينما في الأعوام الأخيرة استخدام الطفل كتعويض عن غيابه في التلفزيون، إلاّ أن جميع هذه المحاولات باءت بالفشل؛ ولم تثمر إنتاج عمل فني يرسخ قيمة أو هدفا محددا لظهور الطفل من خلاله، خصوصا مع التوظيف السيء الذي فرضته سينما السبكي للأطفال، وكان آخرها مع فيلم “حلاوة روح”، الذي تعرض إلى المنع من قبل رئاسة الوزراء في مصر.

أكدت الناقدة خيرية البشلاوي لـ”العرب”، أنه لا بد من فهم المرحلة السياسية والاجتماعية، التي خرجت في ظلها الدراما التلفزيونية قديما، وكانت تهدف إلى تغذية الوجدان الشعبي وإثارة الحس الوطني.

وأشارت إلى أن غياب الدولة عن الإنتاج دعّم سيطرة الإعلان على الدراما، ولم تكن قضايا الطفل وحدها هي التي غابت، بل أيضا غياب التاريخ.

وأضافت، أن هناك حالة من التردي الثقافي التي تعيشها مصر حاليا وسط سيطرة رأس المال على المنظومة كاملة، وهذه الأموال لا تقود الحرب على الدراما فقط، بل على الدولة بأكملها وتعمل على تكسير قوة وصلابة الشخصية المصرية.

ونبهت إلى أن جميع رؤوس الأموال جاءت من مصادر مجهولة، وأن البلاد تعيش أوضاعا أسوأ مما كانت عليه في زمن نكسة عام 1967، وتضيف “عندما تكون الصورة مختزلة في بطل مثل محمد رمضان، فلا يجب أن نسأل: لماذا اختفى الطفل من الأعمال الدرامية؟”. وذهب عدد من النقاد، إلى أن هناك بالفعل تراجعا كبيرا في مستوى الكُتاب الموجودين على الساحة في الفترة الراهنة؛ وحتى بين الكُتاب أصحاب الأسماء الكبيرة، كما أن أغلبهم ليست لديهم مواقف وطنية أو ليسوا مهمومين بقضية أو بهدف محدد.

وهناك اتهامات لهؤلاء الكتاب بالتواطؤ مع أصحاب القنوات الفضائية، الذين هدفهم الأساس هو الربح على حساب قيم عديدة تساقطت في المجتمعات العربية خلال السنوات الأخيرة، كما يتحدثون عن انهيار التعليم كواحد من تلك الأسباب.

قضايا الطفولة بشكل عام غائبة عن الاهتمام العربي، إذ يتم الاكتفاء فقط بالكلام المتكرر المحفوظ دون تقدم حقيقي

طرح رديء

لا شك في أن تقديم أي عمل درامي للأطفال في الوقت الحالي، لا بد وأن يحمل معه الكثير من عناصر الجذب والتشويق، نظرا إلى تغيّر ظروف البيئة والمجتمع المحيط، حيث أن طفل اليوم ليس كالطفل قبل عشرين أو ثلاثين سنة.

طفل اليوم صار أكثر انفتاحا على الثقافات الغربية، ولديه إلمام كبير بتقنيات العمل التلفزيوني والسينمائي من خلال مشاهدته تلك الأعمال، سواء في دور السينما أو عبر مواقع الإنترنت، مثل اليوتيوب وغيره، فضلا عن أن الكثيرين منهم باتوا يعرفون اللغة الإنكليزية ما سهّل عليهم متابعة إبداعات الغرب بسهولة وعن فهم.

من جانبه قال الناقد كمال رمزي إن هناك إهمالا كبيرا للطفل في الدراما ليس فقط على مستوى التلفزيون، لكن بالنسبة إلى السينما أيضا، وضرب مثالا على ذلك بعدم تدريس السينما في المدارس، إذ تعتبر مجرد ترفيه ومضيعة للوقت وليس كرافد أساس للتثقيف وتذوق الفنون. أيضا، إن المسافة بين أفلام الكرتون الغربية وأفلامنا العربية في التلفزيون والسينما شاسعة جدا، سواء من حيث التقنية أو الإبهار أو حتى الأفكار ما يجعل الطفل العربي يسخر ممّا تقدمه له الدراما التلفزيونية العربية من مواد.

وأشار رمزي لـ”العرب”، إلى أن قضايا الطفولة بشكل عام غائبة عن الاهتمام العربي، إذ يتم الاكتفاء فقط بالكلام المتكرر المحفوظ دون تقدم حقيقي، وعلى سبيل المثال، فإن قضايا أطفال الشوارع أو الأطفال المرضى أو التعليم المتطور، لا يتعدّى الأمر فيها الأماني وتصريحات الاستهلاك المحلي.

ورأى أن الأطفال لا يزالون مقموعين في الكثير من المجتمعات العربية، وتفرض عليهم الكثير من الأمور التي تطيح بهويتهم، بالإضافة إلى الخطاب الإعلامي وأسلوب الحياة الذي مازال يحمل قدرا كبيرا من التخلف والرجعية، وعندما يكون هناك اهتمام جديّ بالطفل سينعكس الأمر على الفن.

وقد نجحت السينما العالمية في جعل أفلام الكارتون معالجات اجتماعية لقضايا الطفل، وهو ما جذب الكبار قبل الصغار، وهي رغم تكلفتها الكبيرة، إلاّ أن مردودها الثقافي والفني يثمر نجاحات عدة على كافة المستويات، بينما في الدراما العربية مازالت حسابات الربح والمكسب والخسارة هي المتحكمة في الموقف.

16