غياب المحكمة الدستورية يعكّر صفو العلاقات بين رؤوس السلطة في تونس

مجلس النواب التونسي فشل في انتخاب بقية أعضاء المحكمة الدستورية بسبب الخلافات بين الكتل والأحزاب حول نزاهة المرشحين وحيادهم واستقلاليتهم.
الجمعة 2020/07/17
سعيّد يمسك بزمام الأمور

طفت على السطح مجددا مسألة تركيز المحكمة الدستورية التي طال انتظارها منذ 2014 لتحديد المسار المفقود لبوصلة السياسة التونسية، في ظلّ تواتر التطورات السياسية مؤخرا لتعصف بمكانة إلياس الفخفاخ على رأس الحكومة بطلب رئاسي، فضلا عن تصدع العلاقة بين الكتل البرلمانية وأحزاب التحالف الحاكم.

تونس – أثار تأجيل تركيز المحكمة الدستورية في تونس، جدلا واسعا، في ظل وضع سياسي وبرلماني مأزوم تغذيه الصراعات المحتدمة، وأفرز خلافا دستوريا عميقا أبان عن مشهد سياسي متشظّ.

كما طرح غياب المحكمة الدستورية عدة أسئلة، أهمها المخاوف السياسية المتنامية وتفسير الفصول القانونية الخاصة بالخلاف بين حركة النهضة التي تعتبر أن لائحة سحب الثقة من الفخفاخ تسقط كل الخيارات، ورئاسة الجمهورية التي تؤكّد أن استقالة رئيس الحكومة تبطل مفعول المبادرة. 

وكان من المنتظر أن يعقد البرلمان التونسي، الخميس، جلسة عامة لاختيار ثلاثة من أصل أربعة أعضاء في المحكمة الدستورية، وسط مناكفات سياسية ومشاحنات برلمانية متواصلة.

ومنذ إعلان مكتب البرلمان عن موعد الجلسة، بعد إكمال اللجنة الانتخابية لمهمتها بفرز الملفات التي قدمها رؤساء الكتل، حيث أبقت على ملفات 7 مرشحين، منهم 5 من المختصين في القانون واثنان من غير ذلك.

وتتكون المحكمة الدستورية من 12 عضوا، يتم تعيين أربعة من قبل مجلس نواب الشعب بأغلبية الثلثين، قبل أن يتم تعيين بقية الأعضاء وعددهم ثمانية من قبل المجلس الأعلى للقضاء ثم رئاسة الجمهورية بالتساوي.

ويأتي ذلك في وقت يمرّ فيه البرلمان بفترة صعبة بعد شروع أربع كتل برلمانية في إجراءات سحب الثقة من رئيس مجلس النواب راشد الغنوشي، وتصاعد وتيرة الخلافات بين مكونات التحالف الحكومي، حول مصير رئيسها إلياس الفخفاخ والمشهد الجديد، فضلا عن دخول أحزاب المعارضة في مواجهات مباشرة.

وتفتقد تونس إلى محكمة دستورية تأخر وضعها منذ صدور دستور جديد للبلاد عام 2014 والذي ينص على تأسيسها في خلال عام من تنظيم الانتخابات التشريعية.

واعتبرت أستاذة القانون الدستوري سلسبيل القليبي في تصريح خاص لـ”العرب”، “أنه في ظل التشظي السياسي الذي يشهده البرلمان وواقع المشاحنات، يصعب جدا التوافق من أجل إرساء محكمة دستورية للبلاد”.

سلسبيل القليبي: وجود المحكمة الدستورية كان سيجنبنا اللغط السياسي القائم
سلسبيل القليبي: وجود المحكمة الدستورية كان سيجنبنا اللغط السياسي القائم

وأضافت القليبي “أنه لا بدّ من توفر 145 صوتا على الأقل لتحقيق ذلك، وهو أمر مستبعد في ظلّ الواقع المأزوم للبرلمان والمشهد السياسي”.

وبخصوص الجدل القائم حول استقالة رئيس الحكومة إلياس الفخفاخ  ولائحة سحب الثقة التي تقدم بها حزب حركة النهضة الإسلامي ضد الرجل، قالت أستاذة القانون الدستوري “إنّ اللائحة لم يعد لها أيّ معنى، ولم تعد سارية المفعول لأنها قدمت ضدّ حكومة مستقيلة وليست قائمة”.

واستقال الأربعاء، رئيس الحكومة إلياس الفخفاخ استجابة لدعوة الرئيس قيس سعيّد التي وجهها له في وقت سابق، وذلك بعد أن بات بقاؤه على رأس الحكومة أمرا صعبا.

وأعاد الفخفاخ بهذه الخطوة المبادرة دستوريا إلى الرئيس قيس سعيّد ليقترح مرشحا جديدا لرئاسة الحكومة، وقطع الطريق أمام “نصر سياسي” كانت تتحسب حركة النهضة لتحقيقه كونها الكتلة التي تقف وراء اللائحة البرلمانية.

في المقابل، قالت حركة النهضة في بيان لها إنها تتبنى “خيار سحب الثقة من السيد رئيس الحكومة إلياس الفخفاخ ويكلف رئيس الحركة راشد الغنوشي بمتابعة تنفيذ هذا الخيار بالتشاور مع مختلف الأحزاب والكتل والنواب بمجلس نواب الشعب”.

ويرى متابعون أن وجود المحكمة الدستورية كهيكل قانوني ينظم الأدوار والوظائف بين رؤوس السلطة، كان سيجنب البلاد الكثير من الصراعات السياسية برلمانيا وحكوميا، فضلا عن إهدار حيز زمني كبير في تنظيم الحياة السياسية في تونس.

وتابعت سلسبيل القليبي في معرض حديثها، “أنه من المؤكد أن وجود المحكمة الدستورية كان سيجنبنا اللغط السياسي القائم، ومعركة لي الذراع المتواصلة بين مؤسسات الرئاسة والحكومة والبرلمان”.

وتعتبر المحكمة الدستورية، المؤسسة التي ستعطي الدستور والقانون معانيه وستفصل في الخلافات والصراعات، على غرار معنى الدولة المدنية، أو عبارة الإسلام دينها.

 ويُعزى تعطيل انتخاب المحكمة الدستورية إلى عوامل سياسية بالأساس، فمنذ العهدة البرلمانية السابقة لا يزال الصراع قائما في ظل اختلاف سياسي متنام وغياب حقيقي للتوافق من أجل مصلحة البلاد. وباتت أهم عناصر النزال السياسي والحزبي، خطرا يهدد المسار الديمقراطي في البلاد. وتتخوف الأوساط السياسية من أن يعبّد الهيكل الدستوري الجديد طريق الصراعات والتناحر وقلب موازين القوى من جديد.

وتتخوف الأوساط السياسية من تعذّر انتخاب أعضاء المحكمة الدستورية، الذي سيطرح من جديد تعديل القانون المنظم لها، فضلا عن موضوع خفض الأغلبية المطلوبة للتصويت على انتخاب أعضائها، من الأغلبية المعززة للأصوات بـ145 إلى الأغلبية المطلقة بـ109 أصوات.

وسبق أن توصل البرلمان إلى انتخاب عضو واحد فقط من بين الأربعة، فيما فشل باقي المرشحين في الحصول على أغلبية الثلثين المطلوبة في أكثر من دورة انتخابية لغياب التوافق بشأنهم. وناقش اجتماع لرؤساء الكتل البرلمانية إمكانية التوصل إلى توافقات جديدة قبل تحديد جلسة عامة من أجل إعادة التصويت.

 وفشل مجلس النواب منذ العهدة الماضية في انتخاب بقية أعضاء المحكمة، بعد أن عقد 6 دورات انتخابية وأعاد فتح باب الترشيح في ثلاث مناسبات، بسبب الخلافات بين الكتل والأحزاب حول نزاهة المرشحين وحيادهم واستقلاليتهم.

وسبق أن وعد رئيس البرلمان التونسي رئيس حركة النهضة راشد الغنوشي، في خطاب توليه رئاسة مجلس الشعب، بإتمام عملية انتخاب أعضاء المحكمة الدستورية، قائلا “من أولويات عملنا النيابي استكمال انتخاب الهيئات الدستورية، وفي مقدمتها المحكمة الدستورية، التي ألتزم كرئيس ببذل أقصى جهودنا لتركيزها في أقرب وقت ممكن”.

كما جدّد تعهده مرة أخرى، بالتزامن مع جلسة منح الثقة لحكومة الفخفاخ في 27 فبراير الماضي، بالانطلاق في مسار إرساء المحكمة من جديد والإسراع بانتخاب الأعضاء الثلاثة المتبقين فيها.

4