غياب المعايير وانتفاء إرادة التغيير سمتا حكومة الجزائر الجديدة

يصر النظام السياسي الجزائري في كل مرة يدّعي خلالها أنه أقدم على القيام بتغييرات جوهرية في الأجهزة الحساسة التي تسير دواليب الدولة، على ما يسميه محللون ذر الرماد في العيون، شأن ما حصل مؤخرا مع التحوير الوزاري الذي قام به الرئيس عبدالعزيز بوتفليقة، والذي يفتقد وفق عدد من السياسيين الجزائريين إلى الجدية والمعايير اللازمة لإحداث تغيير نوعي حقيقي في بلاد تتأزم فيها الأوضاع يوما بعد يوم.
الأربعاء 2015/05/20
نية النظام الجزائري لا تتجه نحو تغيير حقيقي في ظل تعويله الدائم على الحلول الأمنية

لا يمكن الاستقرار على حكم أو توصيف للطاقم الوزاري الجديد الذي جاء به التعديل الذي أجراه الرئيس بوتفليقة، الأسبوع الماضي، فعلى الرغم من الاجتهادات المقدّمة من طرف بعض المتتبعين لقراءة التعديل، إلاّ أنّ افتقادها لتشخيص الأزمة أو أي إصلاح سياسي أو لتكنوقراط ميداني، ولا حتى العقاب على الفشل أو المكافأة على النجاح، جعلها حكومة تجمع شتاتا من الأشياء وتضيّع الكثير من الأشياء الأخرى.

ورغم أنّ قرار التعديل الحكومي جاء بعد بث القناة الفرنسية “فرانس 24” لصورة مثيرة للجدل حول الرئيس بوتفليقة لدى استقباله وزير الخارجية الفرنسي لوران فابيوس، إلاّ أنّ أول رسالة يمكن قراءتها تتمثل في توقيت الكشف عن القرار، الذي جاء بنية إعطاء الانطباع للرأي العام، بأنّ الرجل ما يزال يتحكم في الأمور ويسيّر مفاصل الدولة الجزائرية، وكل ما يروّج له حول متاعبه الصحية هو مجرد تأليف سياسي للمعارضة لا غير.

وإن جزم البعض بأنّ هوية الحكومة تقررت منذ أسابيع، وأن الرئيس احتفظ كعادته بهامش المفاجأة مثلما عوّد الجزائريين عليها، بدليل أن الكشف عن القرار جاء في وقت خفى فيه الخوض بموضوع التعديل الحكومي، وحتى الوزير الأول نفسه والوزراء لم يكونوا يتوقعون حدوث التعديل، وأنّ العديد منهم كان في مهمّة قطاعية، وحتى من كانوا يزعمون قربهم من مصادر القرار فقد فاتهم “السبق” هذه المرة.

تعديل مخيب للآمال

تقول مصادر مطلعة إن عمار سعداني، الرجل الأول في حزب الأغلبية (جبهة التحرير الوطني)، الذي تعوّد على الصيحات الإعلامية بالكشف المسبق عن قرارات رئيس الجمهورية، لإثبات قربه من مصادر القرار في قصر المرادية، اطّلع على القرار كغيره من السياسيين والمواطنين من وسائل الإعلام وبرقيات وكالات الأنباء، وقد تكون تلك ثاني الرسائل التي يكون بوتفليقة قد أراد توجيهها لمحيطه.

وأضافت المصادر أنّ سعداني تقبّل الأمر بصعوبة أمام مقربيه الذين كان يتظاهر أمامهم بيده الطولى في اتّخاذ القرارات الكبرى، ووجد نفسه في حرج شديد أمام من وعدهم بنيل حقائب وزارية، على غرار القياديين المقربين منه؛ النائبان محمد جميعي وبهاء الدين طيلبة، وكذلك أمام من توعّد بإزاحتهم من مناصبهم، شأن وزير العدل حافظ الأختام طيب لوح، على خلفية منازعته إيّاه في قيادة الحزب، وانخراطه في صفوف المناوئين له.

التشكيل اعتباطي يغيب عنه منطق المكافأة والجزاء، فمن فشل لم يحاسب على فشله ومن نجح لم يجاز على نجاحه

وإن بقي منصب الوزير المكلف بالعلاقات مع البرلمان بحوزة حزب جبهة التحرير الوطني، رغم رحيل خليل ماحي وتعويضه برئيس كتلة الحزب في البرلمان المحامي طاهر خاوة، فإنّ مصادرنا أكدت أن الأمر لا علاقة له بدور أو اقتراح من سعداني، بل هو ذو صلة بعلاقة عائلية مع نائب وزير الدفاع وقائد أركان مؤسسة الجيش الفريق قايد صالح.

وأُعتبر حزب السلطة الثاني التجمع الوطني الديمقراطي، المستفيد الوحيد من التعديل الحكومي الأخير، بما أنّه حاز حقيبة الثقافة لفائدة الكاتب والإعلامي عزالدين ميهوبي، وما عدا ذلك فإن البعد السياسي غاب تماما عن الحكومة الجديدة، حيث أوقفت أحزاب الموالاة عند حدودها، ولم تفتح الأبواب أمام أحزاب جديدة، كما كان الأمر متوقعا بالنسبة إلى حزب جبهة القوى الاشتراكية، العمال والكرامة.. وغيرها.

ووجهت المعارضة انتقادات شديدة لتعديل بوتفليقة، واعتبرت أنّ هذه الحكومة مخيّبة لأمال الإصلاح السياسي والانفتاح على المعارضة من أجل تحقيق انتقال ديمقراطي هادئ وسلس في البلاد. وقال رئيس جبهة التغيير عبدالمجيد مناصرة في تصريح لـ “العرب” “التعديل لا يفهمه إلا صاحبه، والقرار جاء بلا رائحة ولا لون ولا ذوق”، بينما صرح رئيس الحزب المعارض التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية، محسن بلعباس، بأنّ “السلطة أكدت أنها تخشى تسليم المشعل إلى الشباب، فعمر الطاقم ارتفع بثلاث سنوات، بينما 70 بالمئة من المجتمع شباب، وترقية المرأة ظلّت مجرد خطابات فاغرة تروجها السلطة، وإلاّ بماذا يفسر تراجع حصتها بثلاث حقائب”.

ويعتبر الاستغناء عن خدمات وزراء الداخلية والطاقة والمالية، وهم على التوالي طيب بلعيز ويوسف يوسفي ومحمد جلاب، اللافت الأهمّ في قرار بوتفليقة، وإن كان رحيل الأول منتظرا بالنظر إلى طلبات إعفائه المقدمة منذ أشهر، وتنامي احتجاجات الشارع وعلى رأسها ما سمّي بـ “انتفاضة” الشرطة في شهر مايو الماضي، فإنّ رحيل يوسف يوسفي جاء نتيجة طبيعية لاختلافات في التوجهات الاقتصادية لبعض لوبيات الضغط، فهو الوزير الوحيد الذي لم يستقبل في مكتبه رجل المال المثير للجدل علي حداد، في إطار السياسة الاقتصادية التي يروّج لها تنظيم منتدى رؤساء المؤسسات الاقتصادية، القائمة على فتح كل القطاعات الاقتصادية أمام الاستثمار الخاص.

حسابات ضيقة ومزاجية

تظهر المستجدات أن لوبي رجال المال المقربين من السلطة، استفاد كثيرا من التعديل وإن لم تكن له يد في هوية الحكومة الجديدة، بما أنه احتفظ بالوزراء المؤيدين لخطة منتدى رؤساء المؤسسات الاقتصادية الخاصة، بين من احتفظ بحقيبته على غرار وزير التجارة عمارة بن يونس ووزير الصحة عبدالمالك بوضياف ووزير الصناعة والمناجم عبدالسلام بوشوارب، وبين من حُوّل إلى قطاع جديد، شأن وزير النقل عمار غول الذي سُلّم حقيبة السياحة، فإنّ رحيل يوسف يوسفي يعد عقبة أزيحت من طريق اللوبي، خاصّة في ظل استقدام وزير جديد للطاقة غير معروف إعلاميا وسياسيا، ولم يعرف عنه إلاّ شغله منصب مستشار سابق في إدارة شركة “سوناطراك” وتعيينه على رأس معهد المحروقات بجامعة بومرداس (شرق العاصمة)، قبل أن يقيله الوزير السابق يوسفي من منصبه.

عبدالمجيد مناصرة: التعديل لا يفهمه إلا صاحبه، والقرار جاء بلا رائحة ولا لون ولا ذوق

وخيّمت فضائح الفساد في شركة سوناطراك النفطية الحكومية المقرونة بالاحتجاجات الرافضة لمشروع الغاز الصخري وتراجع مداخيل البلاد بسبب الأزمة النفطية، على وزارة الطاقة وطفت بها إلى واجهة الأحداث في ظل فشل الحكومة في استقطاب استثمارات أجنبية جديدة، والضغوط الممارسة عليها على خلفية قانون 51/49 من أجل الحفاظ على سيادة الدولة على ثرواتها الباطنية وتراجع مخزونات النفط والغـاز، الأمر الذي أربك الوزارة والسلطة معا.

ويعد الخبير المالي والرئيس السابق لجمعية البنوك والمؤسسات المالية عبدالرحمن بن خالفة، الإطار الوحيد الذي خلّف ارتياحا لدى المراقبين والسياسيين، بالنظر إلى رؤيته العقلانية والعلمية في تسيير قطاع المالية، سيما في ظلّ التراجع المستمر لقيمة العملة المحلية أمام العملات الأجنبية، والمعوقات التي تطرحها السوق الموازية على التحكم في الآليات الاقتصادية، إلى جانب النزيف الذي يتعرض له مخزون البلاد من العملة الصعبة بسبب التهريب والتحايل في التجارة الخارجية.

وإن حاول بوتفليقة طمأنة سكان الجنوب وامتصاص حدة غضبهم على حساب سلطة الشمال، بإسداء حقيبة الداخلية للوزير محمد بدوي المنحدر من منطقة تقرت بمحافظة ورقلة (800 كلم جنوب العاصمة) لإقناعهم باهتمام السلطة بانشغالاتهم وترقية مواقعهم في الحكومة، فإن الثابت أن شباب المنطقة يجهلون الوزير المحسوب عليهم، فهو زيادة على القطيعة التي يفرضها عليه المنصب ويصعب الاحتكاك بالأجيال الجديدة في الجنوب، فهو من العائلات التي انتقلت إلى ولاية شمالية منذ عقود، ولم يعد لها علاقة بمسقط رأسها منذ كان ابنها إداريا ثم واليا (محافظا)، رغم أنه لا أحد ينكر تواضعها ونظافتها، فوالده رغم تقدمه في السن ظل سائق تاكسي بمدينة عين طاية بالعاصمة، ولم تنخرط في سلوكات أقارب وحاشية المسؤولين الكبار في الدولة.

ودفعت المرأة فاتورة غالية في تعديل بوتفليقة للحكومة، حيث فقدت ثلاث حقائب دفعة واحدة، فإلى جانب وزير الثقافة نادية لعبيدي التي ذهبت ضحية الحملة الشعواء التي شنتها ضدها زعيمة حزب العمال لويزة حنون، بدعوى ضلوعها في ملفات فساد، مما اضطرها للجوء إلى القضاء لإثبات براءتها، فإن وزيرة البريد وتكنولوجيا الاتصالات فاطمة الزهراء دردوري ووزيرة البيئة دليلة بوجمعة، راحتا حسب مصادر مطلعة ضحية فيديوهات للأولى بُثت على شبكات التواصل الاجتماعي، ومزاجية بوتفليقة في تسيير شؤون الدولة للثانية، فهو لا يتردد في استحداث حقائب وقطاعات حينا ودمجها حينا آخر أو إلغائها تماما، كما حدث للبيئة التي دمجها رفقة التهيئة العمرانية الآن مع السياحة، وأعاد الرياضة للشباب، في حين يغيب عن مخططاته قطاعات التخطيط والاستشراف والرقمنة والاقتصاد.

وغاب عن التشكيل الجديد، الذي يعتبر اعتباطيا، منطق المكافأة والجزاء، ففشلُ نورية بن غبريط في إدارة قطاع التربية المشتعل بالإضرابات والاحتجاجات المتواصلة، أبقاها في منصبها، والعزل الممنهج للبلاد عن وسائل الإعلام الدولية، بسبب سياسة وزير الاتصال حميد قرين التي فشلت في تسويق صورة إيجابية للمحيط والعالم، لم يحل دون استمراره في مبنى حي العناصر، بينما راح وزير الرياضة ضحية إخفاقه في جلب ورقة احتضان الجزائر لكأس أمم أفريقيا لدورة 2017 من الاتحاد الأفريقي لكرة القدم.

6