غياب المواقع الإلكترونية للصحف المصرية لا يلفت انتباه القراء

عملية تعطيل مواقع بعض الصحف الرسمية في مصر تستهدف زيادة تأمينها وتهيئتها لمواجهة أي عمليات قرصنة جديدة يمكن أن تحرج الحكومة سياسيا.
الخميس 2019/06/27
طريقة لمواجهة الأزمة

لجأت الصحف الحكومية المصرية الكبرى إلى تعطيل مواقعها على الإنترنت، بهدف العمل على زيادة تأمينها وتهيئتها لمواجهة القرصنة وحروب الإنترنت الشرسة، بعد اختراق عدة مواقع إلكترونية مؤخرا لأهداف سياسية.

القاهرة- تتعرّض أكبر ثلاث صحف حكومية في مصر: الأهرام والأخبار والجمهورية، لتعطيل متعمد على شبكة الإنترنت، خوفا من القرصنة، بعد واقعة اختراق “هاكر” تركي لموقع صحيفة الأهرام الرسمية مساء الخميس الماضي، ووضع صورة الرئيس المعزول الراحل محمد مرسي على صفحتها الرئيسية.

وقالت مصادر لـ”العرب” إن عملية تعطيل مواقع بعض الصحف الرسمية تستهدف زيادة تأمينها وتهيئتها لمواجهة أي عمليات قرصنة جديدة يمكن أن تحرج الحكومة المصرية سياسيا، عقب استهداف موقع جريدة الأهرام، والذي كشف وجود عيوب هيكلية في حمايتها.

وتجري عمليات التأمين في سرية تامة لتحاشي التعرض لمزيد من الضغوط الإعلامية، ولتوفير أكبر شبكة لحماية المعلومات والصور التاريخية من التلف، والتي تتضمنها مواقع الصحف الثلاث الأقدم في مصر.

ومن أهم مفاجآت “الحجب الرحيم” لهذه المواقع كما يطلق عليه البعض، أن قطاعا كبيرا من الجمهور لم يتأثر كثيرا بغياب مواقع الصحف الثلاث، وبعض الصحافيين والعاملين فيها لم يشعروا بذلك، الأمر الذي يشي بضعف الحضور لدى الرأي العام، والاعتماد على مواقع التواصل الاجتماعي كمصدر رئيسي للمعلومات الصحيحة والمزيفة. ويجد المتابعون لوضع الصحف المصرية أن مواقعها الإلكترونية تفتقد وسائل الحماية اللازمة، فلم يكن اختراق الأهرام الأخير هو الأول من نوعه، حيث استهدف “هاكر” تركي أيضا العام الماضي وكالة أنباء الشرق الأوسط، وهي الوكالة الرسمية في مصر.

ونشر قرصان تركي على موقع الوكالة صورة كبيرة للقيادي الإخواني المحبوس على ذمة قضايا جنائية محمد البلتاجي في صدر الصفحة الرئيسية للموقع باللون الأحمر، تحمل عبارة بالعربية والتركية تقول “فقط لأن لهم أفكارا مختلفة.. هل ظننتم أننا سنتخلى عن قضيتنا”.

وشهد العام الماضي قرصنة عدد من المواقع الصحافية من داخل مصر، منها موقع جريدة اليوم السابع وصدى البلد، ومواقع أخرى تابعة لوزارة التجارة والصناعة. وتحتاج الفترة المقبلة أن تعي المؤسسات المصرية الدرس لمواجهة تطور عمليات القرصنة، في ظل حروب تحكمها أيديولوجيات فكرية، تستخدم خلالها قوة ناعمة لتوصيل رسائلها.

وأكد زياد عبدالتواب رئيس مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار بمجلس الوزراء لـ”العرب”، أن هناك عددا من الإجراءات الاحترازية لا بد من اتخاذها عقب عمليات الاختراقات، أهمها غلق الوصول للموقع من خارج مصر، إذا كانت عمليات الاختراق قادمة من الخارج، واقتصار فتح الموقع للصحيفة أو القناة الفضائية على الداخل فقط لحين إعادة عمليات التأمين.

"هاكر" تركي اخترق موقع صحيفة الأهرام الرسمية ووضع صورة الرئيس المعزول الراحل محمد مرسي على صفحتها الرئيسية
"هاكر" تركي اخترق موقع صحيفة الأهرام الرسمية ووضع صورة الرئيس المعزول الراحل محمد مرسي على صفحتها الرئيسية

وأشار إلى أن الاختراقات متوقعة في ظل تصاعد التوترات السياسية، وأصبحت نوعا جديدا من الحروب بين الدول، الأمر الذي يحتاج إلى جاهزية دائمة لمواجهة القراصنة، والذي قد يتم بالوكالة من أماكن خارجية، لأن بعض الدول تعتمد عليهم من خارج حدودها للاعتداء على مقدرات دولة ثالثة.

وتفرض هذه الحرب أهمية وجود أنظمة تأمين للشبكات والمواقع الإلكترونية، وهي موجودة بالفعل في العالم، لكنها قد تكون غير مفعّلة بالدرجة الكافية لدى البعض، كما أن نسبة كبيرة من الاختراقات تتم في أثناء عمليات تطوير الموقع نفسه.

ويتم تغيير رمز “كود” عمليات التحديث أحيانا، ما ينتج عن التغيير ثغرات يقتنصها القراصنة للسيطرة على الشبكات أو المواقع الإلكترونية وتدمير المعلومات التي تحتويها.

وأوصى عبدالتواب المؤسسات التي يتم اختراق مواقعها بـ”عمل صفحة على الفور تحمل هويتها وتسطر كلمات أسفلها تفيد أن الموقع تحت التطوير أو الصيانة وسيتم الانتهاء من عمليات من ذلك قريبا”.

وافتقدت عمليات الحجب الرحيم لموقعي الأهرام والأخبار إلى الاحترافية، وتم تعطيل الدخول لهما دون كتابة رسالة تشير إلى وجود تحديث أو تطوير، وهو ما انعكس على حالة عدم الاكتراث بالقارئ، ما يصرفه إلى مواقع أخرى، لأن المسؤولين في هذه الصحف تعمدوا التكتم لامتصاص غضب جهات رسمية اتهمتهم بالتقصير في توفير عمليات الحماية والتأمين.

وربما يعود ذلك إلى غياب فكر التسويق وعدم القدرة على استيعاب حجم مشكلة تغييب صحفهم إلكترونيا لعدة أيام، أو أن هذه الأزمات من نوع جديد وتحتاج إلى حرفية وقدرات لمواجهة حروب الإنترنت الشرسة.

وتعامل موقع صحيفة الجمهورية بقدر من الاحترافية في مواجهة الأزمة، ووضع على صفحته الرئيسية شعار الجريدة ومعه رسالة تقول “الموقع تحت الصيانة الدورية”، ونبذة عن مـؤسسة دار التحرير للطبع والنشر التي تصدر عنها الصحيفة.

وكشف مصدر بالهيئة الوطنية للصحافة، وهي الجهة الرسمية المسؤولة عن المؤسسات الصحافية بمصر، أن عمليات القرصنة الأخيرة على المواقع الإلكترونية تؤكد ضرورة الاهتمام بنظم تأمين المواقع الإلكترونية ضد الاختراقات، خاصة التي تحمل مضامين سياسية.

وأضاف لـ”العرب” أن الهيئة تتخذ حاليا إجراءات لتأمين مواقع المؤسسات الصحافية القومية من خلال الاستعانة بمجموعة من الخبراء وتقنيات متطورة، تحسبا لأي محاولات تخريبية جديدة من أي جهة في الداخل أو الخارج.

عمليات تأمين المواقع الإلكترونية تجري في سرية تامة لتوفير أكبر شبكة لحماية المعلومات والصور التاريخية

وأوضح مرعي مدكور عميد كلية الإعلام بجامعة 6 أكتوبر بالقاهرة، أن استهدف القراصنة للصحف الرسمية المصرية، وتحديدا الأهرام، يشير إلى أن “العدوّ يريد أن يكون رده مسموعا وله صبغة سياسية، لأن هذه الصحف بمثابة حائط صد أو جبهة أمامية، وصوت السلطة داخل وخارج البلاد”.

ولفت في تصريح لـ”العرب”، إلى أن المواقع الإلكترونية للصحف من السهل اختراقها، ولمواجهة الممارسات السلبية يجب التواصل مع الدول التي يتعمد القراصنة فيها إلحاق الضرر بالصحف المصرية، لكن في حالة تركيا هناك توترات في العلاقات السياسية بين الدولتين، وقد يكون اللجوء إلى جهات دولية محايدة حلا مناسبا.

ويرى البعض من الخبراء أن الخلل يكمن في عدم تغليظ القوانين الدولية لتلك الممارسات، “فالهاكرز” يرتكبون جرائم إلكترونية لنشر معلومات مزيفة من خلال تجنيد عملاء من داخل مصر وخارجها لإثارة الفوضى.

ويندرج اختراق المواقع الإلكترونية لمؤسسات كبرى في بعض الدول ضمن حرب المعلومات والشائعات، والتي انطلقت منذ سنوات بصورة بطيئة، وبدأت تظهر بقوة على الساحة الدولية حاليا، وتؤدي عدم الجاهزية الكافية لتداعيات سياسية تفوق المردودات الإعلامية، لأنها غالبا تتعلق بهيبة الدولة عندما تستهدف مؤسسات حكومية.

18