غياب النظام الضريبي يفاقم الاختلالات المالية الليبية

هيمنة القوانين البالية تشجع انتشار التهرب الضريبي، والانقسامات السياسية تعرقل تطوير الأنظمة الإدارية والضريبية.
الأربعاء 2019/01/23
جهود مضنية لتحصيل الضرائب

اضطرت ليبيا أخيرا للبحث عن نوافذ جديدة لدعم خزينة الدولة ومواجهة الاختلالات المالية المتفاقمة بالبحث في تعزيز العوائد الضريبية، في ظل تشكيك المراقبين بقدرة الحكومة على تنفيذ تلك الإصلاحات نتيجة الانقسامات السياسية.

طرابلس – تزايدت ضغوط الأوساط الاقتصادية الليبية لدفع الحكومة المعترف بها دوليا للإسراع في إصلاح النظام الضريبي لتعزيز العوائد المالية لموازنة الدولة.

وشكلت هذه النقطة أحد محاور الاجتماع الذي دار قبل أيام بين رئيس اللجنة المالية في مجلس النواب عمر تنتوش ووزير المالية في حكومة الوفاق الوطني فرج بومطاري.

ويعد إصلاح التشريع الضريبي عبر استحداث هياكل ضريبية تتسم باتساع الأوعية الضريبية وترشيد معدلات الضرائب القائمة وإصلاح الجهاز الإداري للضريبة من أهم الأمور المستعجلة حاليا.

ونسبت الصحافة المحلية لتنتوش قوله إن “تحديث قانون الضرائب بات أمرا ملحا وضروريا حتى يتماشى مع المرحلة الحالية، فالقانون بصيغته الحالية يعتبر ضعيفا ولا يخدم الاقتصاد الليبي”.

وأضاف أن “وزارة المالية يقع على عاتقها اليوم تحسين التحصيل عبر مصلحتي الضرائب والجمارك، خاصة وأن إيرادات العام الماضي لم تكن في المستوى المأمول”.

الإيرادات الضريبية بلغت العام الماضي 719 مليون دولار، وهي أقل من المتوقع بنحو 144 مليون دولار
الإيرادات الضريبية بلغت العام الماضي 719 مليون دولار، وهي أقل من المتوقع بنحو 144 مليون دولار

وأشار إلى أن لجنة المالية ستعقد اجتماعا موسعا مع مصلحتي الضرائب والجمارك خلال الأيام القليلة المقبلة للوقوف على المشكلات التي تعيق عملها.

ووفق ما تشير إليه التقارير الدولية، فرغم كون ليبيا من الدول النفطية، إلا أن اقتصادها يعد الأفقر بين منتجي الخام، الأمر الذي يتطلب البحث عن مصادر تمويل مستدامة.

ويؤكد خبراء أن النظام الضريبي للبلاد يعاني من العديد من المشكلات الهيكلية، التي جعلته الأقل تطورا وكفاءة في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.

ونظرا لأن العوائد الضريبية هي الأقل قياسا بالإيرادات المالية الأخرى، فإن خزينة الدولة فقدت مصدرا كان من الممكن الاعتماد عليه في وضع الخطط التنموية لتصبح البلاد، العضو في منظمة الدول المصدرة للبترول (أوبك)، أحد الاقتصادات الناشئة المليئة بفرص الاستثمار الواعدة.

ووفق بيانات مصرف ليبيا المركزي، فإن الإيرادات الضريبية بلغت العام الماضي  مليار دينار (نحو 719 مليون دولار)، وهي أقل من المتوقع بحسب الترتيبات المالية بحوالي 200 مليون دينار (نحو 144 مليون دولار).

وتظهر البيانات أن العجز الإجمالي في الميزانية الماضية بلغ 4.6 مليار دينار (3.4 مليار دولار)، مقارنة مع 10.6 مليار دينار (7.57 مليار دولار) قبل عام.

وبلغت مداخيل الدولة الحقيقية، بما في ذلك عوائد صادرات النفط، نحو 25.4 مليار دولار، وهو مبلغ أقل من النفقات العامة البالغة 28.9 مليار دولار، خاصة وأن بند الرواتب اتهم حوالي 66 بالمئة من حجم المصاريف.

وقد شدد رئيس اللجنة المالية في مجلس النواب على أهمية توحيد المؤسسات المالية والسيادية التي قال إنها “تقف عائقا أمام تحسين إيرادات الدولة غير النفطية”. وأبدى قلقه من استمرار الانقسام السياسي، الذي أثر بشكل سلبي على المالية العامة.

ويشكك محللون في إمكانية تنفيذ الإصلاحات الاقتصادية التي أعلنت عنها حكومة طرابلس في ديسمبر الماضي، في ظل الانقسامات العميقة وتقاذف السلطات المالية في الشرق والغرب الاتهامات بشأن أسباب تسارع وتيرة تدهور الأوضاع الاقتصادية رغم ارتفاع عوائد صادرات النفط.

ويستند هؤلاء على ما يحصل مع الإيرادات الضريبية، ويقولون إن تفشي الفساد وعمليات التهريب، فضلا عن تهرب بعض الشركات من دفع الضرائب رغم فتح اعتمادات مستندية بالعملة الصعبة وعدم وجود قوانين رادعة، كلها أسباب تجعل النظام الضريبي ضعيفا.

عمر تنتوش: قانون الضرائب بصيغته الحالية يعتبر ضعيفا ولا يخدم الاقتصاد الليبي
عمر تنتوش: قانون الضرائب بصيغته الحالية يعتبر ضعيفا ولا يخدم الاقتصاد الليبي

ووضع تدهور قيمة الدينار والتراجع الحاد في إيرادات الخام مع بداية أزمة النفط في منتصف 2014، الاقتصاد الليبي على حافة الانهيار الشامل، وهو ما دفع المركزي للسحب من الاحتياطات النقدية لتغطية فاتورة الواردات ودفع رواتب الموظفين ومستحقات الدعم.

وتوفر ليبيا لمواطنيها المواد الاستهلاكية الأساسية بأسعار تعتبر من بين الأرخص على مستوى العالم، لكن الكثير من القمح والوقود المستورد يجري تهريبه إلى تونس ومالطا على أيدي الجماعات المسلحة مقابل أرباح كبيرة.

وتعتمد البلاد، التي دخلت في فوضى شاملة منذ الإطاحة بنظام معمر القذافي في عام 2011، بشكل شبه كلي على الاستيراد لتأمين كل حاجاتها بما فيها الغذائية.

ويتم تنفيذ معظم عمليات تمويل الواردات عبر العاصمة طرابلس حيث توجد كافة البنوك تقريبا، بينما لا تعرض البنوك في مدينة بنغازي إلا خدمات محدودة وتعاني أصلا من نقص حاد في السيولة النقدية منذ أشهر.

وتشير التقديرات إلى أن أكثر من 70 مليار دولار من احتياطات المركزي بالعملة الصعبة تبخرت منذ بداية الأزمة بعدما كانت عند مستوى 130 مليار دولار.

وتلقى الاقتصاد ضربات شديدة من تراجع صادرات النفط الخام، المورد المالي الوحيد لموازنة الدولة، بحوالي 80 بالمئة عن مستويات ما قبل الأزمة حين كانت تصل إلى 1.6 مليون برميل يوميا في عام 2010.

11