غياب النقد الكاشف والرصين ظلم الأدب والأدباء

الخميس 2014/05/22
حسن طلب وإبراهيم عبدالمجيد: النقد الأدبي له دور محوري في بناء الوعي الثقافي

القاهرة - الإبداع والنقد الأدبي متلازمان لا ينفصلان، فوجود الإبداع لا يصحّ ولا يكتمل دون وجود النقد الأدبي له، والذي يبرز مدى تميزه أو مدى قبحه، ويساهم في الكشف عن مواطن الجمال بالنص الأدبي، ويتعدّى ذلك ليلقي الضوء بشكل عام على مبدعين غفل عنهم الجمهور العادي من القراء، أو صنع الإعلام هالات زائفة حول غيرهم فساهم بشكل أو بآخر في إبعادهم.

الاتهامات الموجهة للنقد الأدبي في الوطن العربي كثيرة، فالعديد من الأدباء والروائيين يحمّلون النقاد ما لا يحتملون من اتهامات بالمجاملات على حساب الحقيقة، والمحاباة لأقرانهم ومعارفهم مما يؤثر بدوره على مصداقية ما يقومون به من نقد، فضلا عن الاتهامات بتقليد المدارس الغربية في النقد، وإحلال الثقافة الغربية كبديل عن الثقافة العربية وأصول النقد العربي.


تاريخ النقد الأدبي


بدأ النقد الأدبي عند العرب منذ العصر الجاهلي في شكل أحكام ذوقية وموازنات مبنية على الاستنتاجات الذاتية، وكان للأسواق العربية وخاصة سوق المربد دور هام آنذاك في تنشيط الحركة النقدية، كما مارس الشعراء النقد الذاتي لما يكتبونه عن طريق مراجعة نصوصهم وتنقيحها، كما فعل زهير بن أبي سلمي الذي كتب مجموعة من القصائد الشعرية بعنوان “الحوليات”.

وتطوّر النقد الأدبي في القرن الأول الهجري وفترة الدولة العباسية مع ابن قتيبة والجمحي والأصمعي وغيرهم، ووضعت قواعد النقد الأدبي مع وضع علوم اللغة العربية فيما بعد ممّا ساهم بشكل كبير في تطوير النقد الأدبي وآلياته.

الروائي المصري إبراهيم عبدالمجيد أكد في تصريحات خاصة أن المجاملات في الإعلام أكثر منها في النقد، فالإعلام المرئي بالذات يهتم بما هو عادي وأحيانا بما هو تافه، ويُقدّم كُتابا متوسطي الموهبة، باعتبارهم كتابا كبارا، وشعراء متوسطي الموهبة باعتبارهم شعراء كبارا، وهو ما لا يحدث في النقد.

وأشار عبدالمجيد صاحب رواية “لا أحد ينام في الأسكندرية” أن النقد الأدبي مهما بالغ أو جامل فإنه لا يصنع كاتبا زائفا أو غير حقيقي، ولا خوف من مجاملاته فهي قليلة جدا ولا تُقدّم كتابا ضعاف الموهبة إلا في أضيق الحدود.

بدأ النقد الأدبي عند العرب منذ العصر الجاهلي في شكل أحكام ذوقية وموازنات مبنية على الاستنتاجات الذاتية


غياب المعايير


من جهته أشار الشاعر حسن طلب إلى أن النقد الأدبي له دور محوري في بناء الوعي الثقافي موضحا أن النقد الأدبي اليوم ليس في أفضل أحواله، حيث احتل الساحة النقدية عدد من المنتفعين والباحثين عن مصالحهم الشخصية بعد رحيل جيل من رواد النقد أمثال عبدالقادر القط ولطفي عبدالبديع.

وأكد أن الأمل يكمن في جيل من شباب النقاد الذي سيعيد النقد الأدبي إلى سابق أمجاده وإلى ما كان عليه وقت وجود جيل الرواد من النقاد من حفاظ على دور الناقد ورسالة النقد والبُعد عن الجري وراء المصالح الشخصية والمجاملات.

أما الناقد الأدبي يوسف نوفل فقد أكد في تصريحات خاصة لـ”العرب” أن واقع الحياة النقدية الأدبية في مصر الآن لا يسُر لأسباب عديدة، أولها أن هناك من يتصدّى للنقد وليس من أهل النقد، وثانيا هناك من يفهم النقد على غير حقيقته فيظن أنه نوع من التحمس لأفراد أو اتجاهات بعينها مما يتنافى والمقاييس النقدية الحقيقية.

النقد في حياتنا صار خليطا متشابكا من المجاملات وادعاء العلم والدعاية الرخيصة والثأر في أحيان كثيرة


تجاهل الإبداعات


ولفت يوسف نوفل إلى ضرورة أن يحتكم النقد الأدبي أولا وأخيرا إلى المعايير العلمية والموضوعية وليس إلى الأهواء أو الشللية، ولذلك فإن آفة النقد في العصر الحالي أنه ينأى عن الموضوعية والمعيارية وتغلب عليه الأهواء والنزعات، مما يساهم في ظلم كثير من المبدعين الحقيقين. وأوضح نوفل أن غياب النقد الحقيقي ساهم في تجاهل إبداعات الكثير من المبدعين وتجاهل إبداعاتهم، فضلا عن الجناية على المنسيين من الشباب الذين هم بحاجة إلى من يقوّمهم تقويما أدبيا لا مجاملة فيه، ويبين لهم أوجه القوة والضعف في نصوصهم الأدبية.

وأضاف نوفل: “واقع الأمر أن النقد في حياتنا صار خليطا متشابكا من الفهلوة والمجاملات وادعاء العلم والدعاية الرخيصة والثأر في أحيان كثيرة، ممّا يتنافى مع النقد بشكل كامل وقواعده العلمية الصحيحة التي يجب اتباعها.

وأشار نوفل إلى أنه لا يجب التعميم رغم كل ما سبق، قائلا: “يجب عدم إطلاق الأحكام بشكل عام، فلكل قاعدة استثناء، وهناك فئة محترمة ما زالت تمارس النقد بأصوله الصحيحة وتراعي الله والفن فيما تقوله من انتقادات أدبية”.

14