غياب بوتفليقة الدائم يلقي بظلاله على المؤسسة الأمنية الجزائرية

الأربعاء 2014/10/15
احتجاجات الأمنيين في مختلف المحافظات الجزائرية أربكت النظام

الجزائر – انتقلت، أمس، عدوى احتجاجات عناصر الشرطة الجزائرية، من مدينة غرداية بوسط الصحراء إلى العاصمة، في مؤشر تصعيدي غير مسبوق على مستوى المؤسسات الرسمية الجزائرية، حيث استمرت مسيرات ووقفات عناصر التدخل السريع، في بريان بغرداية، كما انطلقت مثيلاتها في العاصمة، مما يوحي أن مداخلة الرجل الأول في الجهاز، اللواء عبدالغني هامل، لم تجد نفعا، وتفتح الوضع على جميع الاحتمالات.

وخرج مساء أمس، المئات من عناصر وحدات التدخل السريع، التابع لجهاز الشرطة، في مسيرة احتجاجية من ثكنتهم بحي الحميز (شرق العاصمة) إلى مقر المديرية العامة للأمن الوطني، تضامنا مع زملائهم المحتجين أول أمس وأمس، في مدينة غرداية، حيث وضع المحتجون أسلحتهم في الثكنة، وخرجوا تباعا في مجموعات إلى الطريق السريع بباب الزوار من أجل السير نحو مقر المديرية العامة، بحي باب الوادي في وسط العاصمة.

وأفاد شهود عيان أن أعدادا معتبرة من عناصر التدخل السريع ردّدت نفس الشعارات التي رفعت في غرداية مثل “10 أشهر بركات”، و”هامل إرحل” (المدير العام للأمن الوطني)، و”نطالب بنقابة مستقلة”.

ولم يستبعد مراقبون أن يكون توسع دائرة الاحتجاج لدى عناصر الأمن، من غرداية في وسط الصحراء، إلى أقصى الشمال بالعاصمة، هو الفتيل الذي يتعدى مجرد مطالب اجتماعية ومهنية، وانشغالات فئة رسمية ظلت ظروفها بعيدة عن الأضواء، إلى بداية تمرد عن الوصاية المركزية في إطار الصراع الدائر في هرم السلطة، على خلافة الرئيس المريض في قصر المرادية، أو تصدير معين لمعارك القمة إلى القاعدة، في استعراض للقوى بين المؤسسات.

جيلالي سفيان: السلطة وبدل البحث عن الحلول، تعمل على تحويل بوتفليقة إلى رمز وثني

ويسود مدينة غرداية وضواحيها (600 كلم جنوبي العاصمة) حالة من الحذر والترقب، بعد المسيرات والوقفات الاحتجاجية غير المسبوقة للمئات من عناصر وحدات التدخل السريع يومي الإثنين والثلاثاء الماضيين، حيث امتنع التجار وأصحاب الخدمات وحتى بعض المدارس عن فتح أبوابهم، خشية تجدد المواجهات المذهبية في أي لحظة.

كما يستمر الغموض بشأن احتجاجات عناصر الأمن التي استمرت في التجمهر أمس في بريان ( 45 كلم شمالي غرداية ) للمطالبة بتحسين ظروفهم المهنية والاجتماعية، والتكفل بالعديد من الانشغالات والمطالب.

وأعقبت مسيرة أمس الأول، تجدد الاشتباكات بين شبان من أتباع المذهبين المتصارعين، في عدد من أحياء بريان، أدت إلى مقتل شخصين وجرح عشرة آخرين، حسب مصدر صحي.

وتعرضت عدة محال تجارية ومقار خدمية، وممتلكات خاصة، إلى الحرق والتخريب، بوسائل مختلفة كالزجاجات الحارقة وإشعال العجلات المطاطية.

ولم يستغرب عدد من السياسيين اتصلت بهم “العرب” الخروج المفاجئ لعناصر الأمن عن صمتهم ولجوئهم للاحتجاج والتظاهر للمطالبة بحقوقهم ورفع التضييق عنهم.

واعتبروه نتيجة حتمية لحالة الفراغ المؤسساتي في هرم السلطة، نتيجة الغياب المستمر لرئيس الجمهورية، وكذا استشراء الظلم لكل فئات المجتمع بما فيها الفئات الرسمية.

عبدالرزاق مقري: سياسة القمع التي تنتهجها السلطة ستجر البلاد إلى المزيد من الفوضى

وقال رئيس حزب “جيل جديد”، جيلالي سفيان، إن “السلطة وبدل البحث عن الحلول والبدائل الناجعة، تعمل على تحويل بوتفليقة إلى رمز وثني، وبدل أن تجتهد في مصارحة الشعب وإضفاء الشفافية على مؤسسات الدولة، تعكف على إظهار الرئيس في أي صورة، فالمهم بالنسبة لها هو بقاؤه حيا، واستمرار محيطه في العبث بمقدرات البلاد والعباد”.

وأضاف: “ما يحدث في غرداية هو عار في جبين السلطة، التي تسعى لتبييض صورتها في العالم بالتوسط بين الماليين والليبيين، بينما عجزت عن معالجة أزمة تهدد أمن واستقرار الجزائر، وتدفعها للانزلاق في أتون الفوضى والحرب الطائفية، وما يحدث في سلك الشرطة، هو نتيجة حتمية لسياسة التمويه والتغطية عن المشاكل الحقيقية للمجتمع".

ومن جانب آخر، قال رئيس حركة “مجتمع السلم”، عبدالرزاق مقري، أن “سياسة القمع والتسلط التي تنتهجها السلطة تجاه من يخالفها الرأي سيجر البلاد إلى المزيد من الإنزلاقات الاجتماعية والاقتصادية، والتهاون الذي تبديه لحد الآن في علاج أزمة غرداية، يساهم في تغذية النعرات الإثنية والطائفية في مختلف ربوع البلاد”.

وأضاف: “الفراغ غير المعلن في مؤسسة الرئاسة، أزاح هيبة الدولة وشرّع لشيوع الفوضى، لأن صلاحيات التسيير كلها ممركزة في يد رئيس الجمهورية، الغائب أو المغيّب، وبالتالي فإن تجدد المواجهات في غرداية، أو توسع دائرة احتجاج عناصر الشرطة، لن يكون مفاجئا، إن لم يكن عاكسا لصراع أركان النظام على مرحلة ما بعد بوتفليقة”.

2