غياب جمهور الأستوديو امتحان مهني لمقدمي البرامج

المقاعد الفارغة تكشف الشعبية الحقيقية للبرامج المصرية ومدى نجاح مقدم البرنامج الحواري وفريق العمل في ملء الفراغ الذي تركه الجمهور.
الخميس 2020/05/28
الحوار عن بعد يقلل من التفاعل والانسجام والتشويق

غاب التفاعل والحماس عن البرامج الترفيهية والـ”توك شو” التي تعتمد على جمهور الأستوديو، بسبب الإجراءات الاحترازية لفايروس كورونا، ما وضع على المذيعين أعباء إضافية للتغلب على مشكلة غياب العنصر الأهم في إثارة الحوار والتفاعل، لإنقاذ برامجهم من الملل.

فرضت جائحة كورونا على القنوات الفضائية عربيا وعالميا، تغيير الصورة النمطية المعروفة عن البرامج الجماهيرية، بتطبيق سياسة التباعد الجسدي والحد من التجمعات إلى الحد الأدنى، فلم تعد هناك أستوديوهات تحتضن جمهورا يملأ المكان ويتفاعل مع المذيع والضيف بالتصفيق والضحك وحتى بالبكاء.

ويمكن ملاحظة تأثر البرامج الاجتماعية والفنية والترفيهية والساخرة بغياب الجماهير عن حضور التصوير، إذ أصبحت الحلقات مملة وصامتة وخالية من الحماس والإثارة، حيث كانت هذه النوعية من البرامج تعتمد على الجمهور بنسبة أكبر لتعزيز فرص نجاحها ومنافستها وتوسيع قاعدة شعبيتها، بغض النظر عن جماهيرية المذيع نفسه.

كان مقدم البرنامج يدخل الأستوديو على وقع تصفيق حاد يعطيه طاقة إيجابية تنعكس على أدائه طوال فترة الحلقة، وحتى الضيوف كانوا ينظرون إلى وجود هذا التفاعل داخل المكان بنوع من الطمأنينة، إذ على الأقل تعطيهم ردود فعل الجمهور الحاضر صورة حية وواقعية عن تفاعل المشاهدين معهم أمام الشاشات، ويعرف تقييم الناس له في حينها.

ولم يعد هناك برنامج يتمسك بحضور جمهور وقت تصوير الحلقات كإجراء احترازي لمنع انتقال العدوى، ما وضع على المذيعين أعباء مضاعفة للتغلب على مشكلة غياب العنصر الأهم في إثارة الحوار والتفاعل، فأصبحت المقاعد خالية وأضحى المذيع وحده مطالبا بالقيام بكل المهام، إجراء اللقاء وإثارته والضحك والبكاء معا.

ويعتقد متابعون أن تراجع شعبية البرنامج لمجرد غياب الجمهور عن مسرح الحلقة يُعرّي ضعف أداء وقدرات المذيع المهنية، لأنه من المفترض أن يكون الأساس في نجاحه وشعبيته وارتفاع نسب المشاهدة، لا أن يعتمد بنسبة أكبر على عشرات الأشخاص داخل المكان لإضفاء أجواء تعكس جماهيرية مخادعة.

ويقول هؤلاء، إن قمة النجاح الإعلامي أن يستطيع مقدم البرنامج الحواري وفريق العمل ملء الفراغ الذي تركه الجمهور، خاصة في الحلقات الأولى التي تكون لاحقة لقرار حظر حضوره اللقاء، فهناك تغيرات حدثت، وكان يتم التعايش مع أجواء مثيرة وحركة لا تهدأ وأصوات ترجّ المكان، إلى قاعة يخيّم عليها الصمت ويُسمع فيها صدى الصوت.

وكشف (أحمد. س)، وهو صحافي ومدير تحرير لبرنامج جماهيري مصري، أن “وجود أشخاص داخل قاعات التصوير هدفه زيادة التفاعل والحماس والإثارة لينتقل ذلك بشكل تلقائي إلى جمهور الشاشة، وهذا تقوم به شركات متخصصة بمقابل مادي، أو أن البعض يطلبون حضور التصوير لشغفهم بالبرنامج ومحتواه ويتم اختيارهم بدعوات رسمية، وهناك من يحضر باعتباره من أقارب وأصدقاء الضيف”.

غياب الضيوف عن البرامج لظروف جائحة كورونا حوّل أغلبها إلى نسخ مكررة من حيث المحتوى وطبيعة الموضوعات

ولم ينكر في تصريحاته لـ”العرب”، أنه يتم أحيانا توجيه الجمهور للتفاعل مع المذيع أو الضيف بطريقة معينة، مثل التصفيق والتهليل أو النداء على مقدم البرنامج، وكل ذلك يتم ترتيبه قبل التصوير، بالتالي فهذه النوعية من البرامج سوف تواجه معضلة كبرى في الاستمرار على نفس الإيقاع من حيث الشعبية خاصة إذا كان مصدرها الإثارة المفتعلة.

ويرتفع منسوب الأزمة عند برامج معروف عنها التركيز على استجداء العاطفة واللعب على وتر المشاعر لزيادة نسب المشاهدة، وتعتمد على تأثر وأحيانا بكاء بعض الجمهور في الأستوديو، لينتقل نفس المشهد إلى الجالسين أمام الشاشة، في حين أن البرامج التي كانت تشارك الجمهور بغرض إضفاء المصداقية والواقعية نادرا ما تتأثر نسبة مشاهدتها لأن مقدميها يعتبرون غياب الجمهور ضرورة ليكونوا قدوة للآخرين لتطبيق إجراءات الحماية من الوباء.

وأكدت ليلى عبدالمجيد، عميدة كلية الإعلام جامعة القاهرة سابقا، أن تغييب الجمهور عن الأستوديوهات لظروف كورونا، سوف يكشف شعبية البرامج على حقيقتها، وهل كانت تستحق هذه المكانة والحضور والقبول عند الناس أم كان المشجعون في قاعات التصوير من يصنعون هذه الحالة للتغطية عن ضعف مستوى الأداء.

وأضافت لـ”العرب”، أن المذيع الذي يمتلك مهارات وإمكانيات تؤهله للعمل الإعلامي، يستطيع التغلب على هذا الطارئ بحكم أن المشاهد ينتظره ولا ينتظر المصفقين، أما الذي كان يدير اللقاءات الحوارية ويستند على الجمهور الحاضر لتدعيمه وزيادة الإثارة، فهؤلاء سوف تكون معاناتهم أصعب، وقد لا يشعر المشاهد معهم إلا بالمزيد من الملل والإيقاع البطيء الذي يفقد الإثارة والتشويق.

تسبب غياب الضيوف عن الظهور التلفزيوني في البرامج الحوارية، السياسية والاجتماعية والرياضية، في إصابة المشاهد بملل مضاعف. فإذا كان مذيع البرنامج يلتقي الضيف في غياب الجمهور، فإن مقدم برنامج الـ”توك شو” يلتقي الجمهور كل مساء في غياب الضيف، وتصبح المساحة الأكبر من الحلقة عبارة عن رأي وتحليل المذيع، عوضا عن غياب الأشخاص الذين يحاورهم داخل الأستوديو.

صحيح أن الكثير من البرامج تعتمد على التواصل الهاتفي مع الضيوف، وبرامج التطبيقات الأخرى التي تقدم خاصية الفيديو مثل سكايب، لكن هذه اللقاءات لا تتجاوز بضع دقائق وكثيرا ما يتم فقدان الاتصال، إضافة إلى أن أجواء الحوار التلفزيوني لا تكون موجودة، من حيث المواجهة والاشتباك في الأسئلة والإجابات وعدم توصيل رسائل الضيف بشكل واضح.

ويقول خبراء الإعلام، إن إجراء لقاء تلفزيوني عن بُعد، لا يعطي نفس الصورة للمشاهد، لأن التباعد بين المحاور والمتحاور يقلل من التفاعل والأهمية والانسجام والتشويق، وطريقة الأسئلة نفسها غالبا ما تكون هادئة ونمطية.

تكمن المعضلة الأكبر عندما يغيب الضيف عن برنامج “توك شو”، وتكون المساحة الأوسع لمذيع غير مثقف ولا يمسك بخيوط كل الملفات ويتحدث في كل شيء دون أن يُدرك الحد الأدنى من المعرفة لمجرد ملء الفراغ، في حين أنه مطالب بالشرح والتحليل والتعقيب على بعض الأخبار والموضوعات والقضايا في حال لم يستطع التواصل مع الجهة المختصة.

وأصبح غياب الضيوف عن البرامج لظروف جائحة كورونا سببا لتحوّل أغلبها إلى نسخة مكررة من حيث المحتوى وطبيعة الموضوعات وغياب الإبداع والاجتهاد والتميز، ربما يكون الاختلاف في طريقة العرض التي ترتبط بشخصية المذيع وحساباته السياسية.

وقد فرض كورونا على وسائل الإعلام تغيير جلدها وسياستها وخطابها بشكل مستمر، حتى تتواءم مع كل الظروف والتقلبات وأمزجة الناس، فليس معقولا أن تكون أغلب البرامج في الأوقات العادية عبارة عن مذيع وضيف، ثم يغيب الأخير لظروف طارئة ويتقمص الأول كل الأدوار، المذيع والضيف والمسؤول والخبير، هذه قمة الملل والإخفاق الذي يقود إلى القطيعة.

18