غياب حرية التفكير

المرأة في مجتمعاتنا بفعل الوصاية الذكورية عليها لا يسمح لها بالتمرد لا على المستوى الاجتماعي ولا على المستوى الأدبي والفني.
الأحد 2019/09/29
المرأة ممنوعة من التفكير النقدي والمشاريع الفكرية (لوحة عايش طحيمر)

أعتقد أنّ ندرة حضور المرأة في حقل التفكير النقدي مرتبط آليا بحضورها المتأخر في الإبداع بصفة عامة وذلك نتيجة مفهوم الأسرة التقليدي المرتبط بتقاليد المجتمع الذكوري و الذي يرى في المرأة إما وزوجة وأختا وابنة فقط ويرمي على كاهلها مسؤولية الزواج والإنجاب وتربية الأبناء. ورغم دخول المرأة في معترك الحياة في الدراسة والعمل بقيت ترزح تحت مسؤولية التوفيق بين عملها وبيتها وهذا ما يعيقها عن فعل الإبداع بصفة عامة.

كما أن الإبداع  ومنه التفكير النقدي هو الخلق والتجديد والرغبة في التغيير والإتيان بما هو غير مألوف وبكلمة واحدة هو التمرد والجرأة، والمرأة في مجتمعاتنا بفعل الوصاية الذكورية عليها لا يسمح لها بالتمرد لا على المستوى الاجتماعي ولا على المستوى الأدبي والفني.

غير أننا نستطيع أن نسجل حالات نادرة في المشهد الثقافي العربي لنساء استطعن أن يجتزن حاجز الخوف والمجتمع وكونوا مشروع فكرى نقدي جريء يقوم أساسا على نقد التراث ونقد المؤسسة الذكورية والدعوة إلى تحرير المرأة وحثها على المطالبة بحقها في تواجدها في كل مناحي الحياة الاجتماعية والسياسية والفكرية نذكر من بينهم نوال السعداوي في مصر وفاطمة المرنيسي في المغرب،

إنّها دوائر مرتبطة بعضها ببغض فالمشروع الفكري يتطلب الكثير من الجهد والمثابرة والتراكم المعرفي والاعتماد على التفكير الفلسفي والعلمي وهذا يتطلب تفرغا تاما لكن بالنسبة إليّ أرى أن ذلك غير مرتبط بانشغال المرأة بمسؤوليات الأسرة والتربية ولكن هو مرتبط بحالة المشهد الثقافي العربي، فنحن ليس لدينا مشاريع فكرية مهمة نتيجة غياب التفكير الفلسفي منذ القرن السابع وحرق كتب ابن رشد، والعرب لا تمتلك مشاريع فكرية تقدم إضافة كبيرة للمشهد الفكري العربي باستثناء محمد عابد الجابري ومحمد أركون والبقية تبقى إما استنساخا للتراث أو الاتجاه نحو الثقافة الغربية.

وهو كذلك نتيجة غياب حرية التعبير وعدم التشجيع على التفكير النقدي في البرامج التربوية وهذا ما جعلنا في أسفل القائمة من حيث التفكير النقدي والمشاريع الفكرية  فغياب المرأة هو تراكم لكل هذه الأسباب التي ذكرناها.

 أما عن حجم الإنتاج الفكري والنقدي للمرأة العربية اليوم فأعتقد أنّه ضئيل جدا وغير كاف خاصة إذا تكلمنا على النقد الجاد الذي يلزمه الكثير من التمكن وليس تلك المقالات التي نقرأها يوميا على أعمدة الجرائد.

للأسف هناك استسهال لهذه المادة وأصبح كل من هب ودب يكتب في النقد وفي القراءات وهذا ما سيعطل القراءات الجادة وسيعطى الفرصة لأصحاب عدم الاختصاص للتدخل في اختصاص مهم وصعب.

ينشر المقال بالاتفاق مع الجديد الثقافية اللندنية

14