غياب خطة إعلامية ناجعة يفشل إمكانية إدارة أزمات ليبيا

يدرك العاملون في الحقل الإعلامي الليبي صعوبة مواصلة أداء مهمتهم ضمن الواقع الراهن، ويجدون أنفسهم أمام مهمة مضاعفة بمواجهة الانفلات والفوضى الإعلامية من جهة، وحث السلطات والمجتمع الدولي على حماية الصحافيين الذين يذهبون ضحية عملهم في ليبيا.
الأربعاء 2016/11/02
تعددية تحولت إلى فوضى دون رقيب

طرابلس - يبدي الصحافيون الليبيون تشاؤما كبيرا حول مستقبل الإعلام في بلادهم، وينظرون إلى الوضع الصحافي القاتم، على أنه أكثر سوءا في ليبيا، ويستدعي تحركا وجهودا مضنية من العاملين في قطاع الإعلام أنفسهم، نظرا إلى غياب الجهات الحكومية التي يفترض أن تتابع هذا الملف.

وتتعدد مشكلات الإعلام الليبي، فبالإضافة إلى الأزمات التي يتشاركها مع قطاعات الإعلام الأخرى في مختلف أنحاء العالم، تتجلى خصوصية الأزمة الإعلامية الليبية في مسألتين: أولا الفوضى العارمة وغياب الضوابط التي تنظم العمل الإعلامي وأخلاقياته، وثانيا حجم الاعتداءات على الصحافيين، وغياب أي محاسبة لمرتكبيها.

ويرى محمد علي الأصفر عضو هيئة التدريس الإعلامي بجامعة الزيتونة، أن مرحلة ما بعد عام 2011 تميزت بالتعددية الإعلامية في مختلف الوسائل المطبوعة والمسموعة والمرئية والإلكترونية، حيث شهدت صدور المئات من الصحف والمواقع الإلكترونية والعشرات من القنوات المسموعة والمرئية الفضائية والأرضية؛ دون حسيب أو رقيب ومن دون إذن أو ترخيص وحسب ما يتوفر من أموال لتسديد تكاليف الطباعة والبث الفضائي الذي حال في بعض الأحيان دون استمرار بعضها في النشاط.

ويضيف الأصفر، لقد نتجت عن ذلك الانفلات الإعلامي زيادة مفرطة في عدد الصحف والقنوات الفضائية وغيرها من الوسائل الإعلامية دون مراعاة لحاجة المجتمع وقدرته على استيعاب هذا الكم الهائل من النتاج الإعلامي، إضافة إلى ما سببته تلك الحالة من مشكلات وقضايا تتطلب ضرورة التنظيم وإعادة البناء، وتحول الإعلام إلى أداة من أدوات الأزمة لا وسيلة من وسائل الحل ونشر الوعي ودعم التنمية.

ويعتبر الأصفر أن هذا الواقع الإعلامي يتطلب إعادة النظر فيه وفي هياكله ومؤسساته وتشريعاته، إضافة إلى خطابه وسياسته وخططه من خلال خطة شاملة.

خصوصية أزمة الإعلام الليبي تمكن في مسألتين: غياب أي ضوابط تنظم العمل الإعلامي، وحجم الاعتداءات على الصحافيين

وعلى الخط الموازي لهذه المشكلة، يسعى الصحافيون للتحرك وإيجاد سبل لوضع حد للانتهاكات للجرائم المرتكبة ضدهم، ويحاول المركز الليبي لحريـة الصـحافة فتح النقاش والتفكير بصوت عالٍ حول كيفية التحرك القضائي والأمني وجمع الأدلة والشهود والتحقيق في الجرائم المرتكبة، فضلا عن توعية الشارع الليبي بخطورة الاعتداءات وجسامتها التي تقع بحق الصحافيين ووسائل الإعــلام.

وأكد معاذ الشيخ الباحث بوحدة الرصد والتوثيق “إن الصحافة اليوم في ليبيا تمر بأصعب أوقاتها التي لم نعهدها من قبل ولم نعرف لها شبها، إذ أن الجناة الذين يمارسون هذه الانتهاكات التي تصل حدَّ القتل، لا يجدون عقابا رادعا لأفعالهم من قبل السلطة القضائية مما جعل هذا الأمر سهلا وبسيطا إلى حد كبير، فيستطيع أي شخص أن يعتدي على صحافي دون أن يلاحق قانونيا”.

وأضاف الشيخ “هذا الأمر وضع على كاهلنا أمانة يجب أن نلتزم بها، ألا وهي الحث والمطالبة بوقف هذه الانتهاكات قانونيا وقضائيا وأخلاقيا وإنسانيا، فمثل هذه الأعمال مخالفة للدين والعرف والإنسانية”.

وأطلق المركز حملة إعلامية حول التنبيه إلى الوقائـع والجرائم المرتكبة بحق الصحافيين ووسائل الإعلام تحت عنوان “أنا صحافي” بعد حملة “العدالة والإنصاف للصحافيين” خلال العام الماضي.

وتهدف الحملة إلى التعريف بمدى المخاطر والعنف المسلط بحق الصحافيين، والأطراف المتهمة بارتكابه، نتيجة غياب العدالة والملاحقة القضائية وسط توسع دائرة العنف الموجه ضدّ الصحافيين وغياب للحريات الإعلامية المنشودة.

ويقول المركز إن الجرائم المرتكبة بحق الصحافيين والمدونين في تصاعد مستمر وسط حالة الإفلات من العقاب نتيجة انهيار الأجهزة الأمنية والقضائية التي عجزت عن ملاحقة الجناة، وعادة ما توثق الجرائم ضد ميليشيات مجهولة الهوية وحتى إن عرفت لا تستطيع هذه الأجهزة الوقوف أمام سطوة وهمجية الجماعات المسلحة ذات التوجهات الأيديولوجية الراديكالية أو القبلية أو الجماعات الانتهازية المسيّسة.

ومع إقرار الجمعية العامة للأمم المتحدة في شهر ديسمبر عام 2013 اليوم الدولي لإنهاء الإفلات من العقاب ضد الجرائم المرتكبة بحق الصحافيين في الثاني من نوفمبر من كل عام، أصبح من المهم العمل ضمن الاستراتيجية الدولية المطالبة بوقف العنف ومحاسبة مرتكبيه بحق الصحافيين الضحايا.

ونشـر المركز ضمن الحملة الإعلامية، التقرير البحثي الثاني “إفلات الجُناة من العقاب، إلى أين!” والذي وثق الحصيلة النهائية التي تم رصدها وتحليلها ما بين الفترة الممتدة من يناير 2012م حتى سبتمبـر 2016 م وهي 388 اعتداء جسيما أغلبها أفلت الجناة من عقابها.

ويركز التقرير البحثي بشكل واسع بالأرقام والإحصائيات على المعاناة ومدى الضرر الذي لحق بالمئات من الصحافيين مع استمرار موجهة العنف والتهديدات المتصاعدة بحقهم، في ظل عجز الأجهزة الأمنية والقضائية وملاحقة الجناة المرتكبين للعنف والجرائم. ويعقد المركز الليبي لحرية الصحافة، الأربعاء، ندوة قانونية تحت عنوان “تعزيز آليات المساءلة وملاحقة مُرتكبي الجرائم بحق الصحافيين”، وذلك بمشاركة المنظمة الليبية للمساعدة القانونية بمدينة طرابلس بحضور مجموعة واسعة من الصحافيين ورؤساء التحرير والقانونيين ووكلاء النيابة. وسيتم خلال الندوة البحثُ في كيفية وضع الآليات الوطنية لحماية الصحافيين قانونيا وأمنيا.

وفي هذا الإطار دعا المركز الليبي لحرية الصحافة إلى ضرورة التعجيل في العمل على الإصلاح الهيكلي والقانوني لوضع قطاع الصحافة والإعلام بما يتلاءم مع التزامات ليبيا الدولية وفقا للمواثيق والمعاهدات والاتفاقيات التي ترسخ حرية الصحافة.

18