غياب عربي عن الحل الفلسطيني

السبت 2014/03/01

تنشغل الإدارة الأميركية بمروحة من الملفات السياسية المعقدة في الشرق الأوسط، بدءًا بالهزات السياسية في بلدان الربيع العربي، مروراً بالملف السوري الذي لا يني يزداد تعقيداً، وصولاً إلى مفاوضات النووي الإيراني. مع كل ذلك، تبدو مندفعة لحل المسألة الأعقد في المنطقة، المسألة الفلسطينية، بعيداً عن أي دور عربي.

هكذا، ومن أجل دفع خطة جون كيري للسلام، تروّج الصحف الأميركية إلى أن الرئيس الأميركي باراك أوباما، سوف يزيد من الضغوط على طرفي الصراع، وخصوصاً على الجانب الذي يرفض تقديم أية تنازلات، أي الجانب الإسرائيلي. وذلك عندما يلتقي في الأيام القادمة رئيس الوزراء بنيامين نتانياهو، الذي أبدى تحفظات نسفت أية إمكانية للتوصل إلى ما يسمى بـ”اتفاق مبادئ”.

وكم يبدو غريباً ومؤسفاً، غياب الرؤية العربية لمسألة مصيرية في سياق التطور والمستقبل العربي، كالصراع الفلسطيني الإسرائيلي، كما بات يطلق عليه منذ عقد اتفاقيات السلام (كامب ديفد، وادي عربة، أوسلو)، فيما هو، وفي حقيقته، صراع عربي- إسرائيلي تُثبت الوقائع باستمرار أنه يعني كل الدول العربية، وخصوصاً المشرقية منها. وتشرف الولايات المتحدة على صناعة الحل في فلسطين، في الوقت الذي شكلت على مدى العقود السبعة الماضية، أهم الداعمين لتأسيس الكيان الصهيوني وحمايته. ويا له من حل بائس، ذلك الذي قد ينتج عن “ضغوط” أميركية على دولة عسكرية عدوانية مرتبطة عضوياً بها.

لقد ورثت الولايات المتحدة الأميركية في مطلع القرن العشرين كل شيء عن أوروبا. فتراجعت بريطانيا كقوة اقتصادية وعسكرية أولى في العالم، وحلت أميركا مكانها لتنشر مستعمراتها في كل بقاع الأرض. كما ورثت الرعب الأوروبي من مشروع بناء دولة عربية موحدة، في أعقاب انكفاء بريطانيا وفرنسا عن المشرق العربي.

وهو مشروع كان محمد علي باشا، حاكم مصر(1805-1848)، قد حلم به وشرع في العمل عليه، فضم السودان، وبدأ القتال ضد الدولة العثمانية في بلاد الشام لضمها إلى حكمه. ذلك بالتوازي مع حكمه لمصر ومحاولة إقامة دولة صناعية حديثة، عن طريق انتهاج السياسات الصناعية الحمائية.

لكن مشروعه انهار تحت وطأة الضغط الأوروبي والبريطاني بشكل خاص، عبر فرض سياسة حرية التجارة وتخفيض الضرائب على الواردات، ومن ثمة توجيه ضربة عسكرية لمصر واحتلالها.

الخوف الكبير والهلع الأوروبي من احتمالات ولادة دولة عربية موحدة وحديثة، كان جدياً ومبرراً في تلك الفترة المفتوحة على خيارات عديدة في التشكل القومي العربي قد تفضي في إحداها إلى دولة موحدة. وهكذا، لم يكن من باب المصادفة، ولا من باب حل المسألة اليهودية، أن اخترعت الدبلوماسية الإنكليزية عام 1839، مشروع قيام دولة إسرائيل، على أرض فلسطين وفي الوطن العربي. ففي هذا العام بالتحديد انتصرت جيوش محمد علي على السلطان العثماني، وباتت تشكل خطراً حقيقياً على الإمبراطورية البريطانية ومصالحها، وحدث ذلك قبل نحو 60 عاما على إطلاق الصهيونية السياسية عام 1897.

هكذا أنشأت بريطانيا العظمى التي كانت آيلة للسقوط أو الانكفاء، الدولة الصهيونية كأداة في خدمة السيطرة الأوروبية على العالم بصورة عامة، وعلى الشرق الأوسط والوطن العربي بصورة خاصة. وورثت الولايات المتحدة الأميركية هذه الأداة مع انتقال مركز القيادة إليها.

ويتجاوز اليوم الدعم المالي العسكري السنوي الذي تقدمه الحكومة الأميركية لإسرائيل 3 مليار دولار سنوياً، وأضيف إليه قبل أشهر 400 مليون دولار لدعم منظومة الصواريخ الدفاعية. هذا فضلاً عن الدعم السياسي في مجلس الأمن، ومنع صدور أي قرار دولي يحمل إدانة بحق الاحتلال الوحيد المتبقي في العالم.

على مدار النصف الثاني من القرن العشرين، أي بعد نشوء الدولة الصهيونية وحتى اليوم، عملت هذه الدولة كمركز إقليمي مضاد لحركة الشعوب العربية، فكانت أشبه بثكنة عسكرية ضخمة جداً منها لدولة، وشنت حروباً عديدة على محيطها لإنهاكه ولزيادة مساحة الأراضي التي تحتلها. كما احتوت على أعداد هائلة من المستوطنين توسعت باستمرار عبر تعزيز برنامج الهجرة اليهودية إلى فلسطين. وما ذلك إلا تأكيداً لطبيعة الدور العدواني الذي تلعبه، من حيث هو دور موجه ضد كل الوطن العربي وليس ضد الفلسطينيين فحسب.

عقود طويلة مرت على إنشاء الدولة الصهيونية، ونحو قرن على المواجهة مع المشروع الصهيوني، فيما النظام الرسمي العربي يتابع إخفاقاته في التصدي لهذا المشروع، ويترك مسألة قومية مصيرية كالمسألة الفلسطينية، لضغوط الولايات المتحدة التي دعمت الدولة الصهيونية في جميع خياراتها العدوانية. من دون دور عربي فاعل وواعٍ لأمنه القومي وضرورات تطوره، سوف تؤول جميع الحلول إلى مزيد من الضعف للدول العربية، والاضطهاد والظلم للفلسطينيين، في مقابل مزيد من التوسع والقوة للإسرائيلي.


كاتب فلسطيني- سوري

8