غياب قيادة سنيّة موحّدة

السبت 2014/05/31
العراقيون السنّة قاطعوا العملية السياسية ولم يشتركوا في الانتخابات

لندن- بعد عشر سنوات على الغزو الأميركي وبعد انسحاب القوات الأميركية من البلاد، لا تزال مسألة مشاركة العرب السُنّة في النظام السياسي العراقي منذ بداية العملية الانتقالية، إثر الغزو الأميركي في 2003، حادة وانفجارية. فهذه الطائفة باتت اليوم قلقة بعد أن همّشتها المحاصصة العرقية – الطائفية التي حشرت السنّة في خانة الأقلية في نظام يهيمن عليه الشيعة والأكراد.

منذ بدء الاحتلال الأميركي للعراق عام 2003، توالى على رئاسة الحكومة العراقية، كل من: إياد علاوي (علماني شيعي) بين عامي 2004 و2005، ثم إبراهيم الجعفري (شيعي) لمدة عام واحد، فيما تولى المالكي (شيعي) رئاسة الحكومة لدورتين بين عامي 2006 و2014.

وكان العراقيون السنّة قد قاطعوا العملية السياسية ولم يشتركوا في أول انتخابات في عراق ما بعد صدام. لكنهم أحسوا بأن هذا كان خطأ كبيرا أدى إلى تهميشهم سياسيا. فعادوا للمشاركة في الانتخابات نهاية عام 2005 بكثافة. وظهرت جبهة التوافق التي يتزعمها الحزب الإسلامي كممثل سياسي للسنّة، لكن المناصب السياسية الكبرى بقيت بيدي الشيعة والأكراد. واستمرت شكوى السنّة من التهميش.

انتخابات شهر أبريل الماضي هي أول انتخابات برلمانية في العراق منذ انسحاب القوات الأميركية منها نهاية عام 2011. وقد تصدرت القوائم الشيعية الثلاث الرئيسة في العراق، وهي “دولة القانون” بزعامة المالكي، و”الأحرار” بزعامة مقتدى الصدر، و”المواطن” بزعامة عمار الحكيم، نتائج انتخابات البرلمان، وعزّزت نتائج الانتخابات التشريعية التي أسفرت، عن فوز نوري المالكي بولاية ثالثة، من مشاعر الظلم والتمييز لدى العراقيين السنّة الذين يرون أن المالكي كرّس مبدأ الاستقطاب الطائفي السُنِّي – الشيعي في البلاد، الأمر الذي صاحبه ارتفاع في أعمال العنف والتفجيرات التي تنذر بحرب أهلية مذهبية.

انتقدت مجموعة الأزمات الدولية سياسة المالكي الذي اتّبع، على امتداد فترة وجوده في منصبه، استراتيجية فرِّق تَسُد أدت إلى تحييد أية قيادة عربية سُنيّة ذات مصداقية. كما أن السلطات اتخذت خطوات تعزز التصورات بوجود أجندة مذهبية، حيث تم تهميش سياسيين بارزين – معظمهم من السُنّة – تطبيقا لقانون المساءلة والعدالة على أساس ارتباطات مزعومة وعلى مستويات عليا بحزب البعث السابق.

أرقام توزيع الطوائف والاقليات شاعت في العراق بعد احتلاله عام 2003 وجميعها تخضع لحسابات سياسية غير واقعية، ولا توجد أرقام حقيقية لعدد أبناء الطوائف والقوميات في العراق لأن الأحزاب الدينية الحاكمة ترفض نشرها، والمخطط يعود لوكالة الصحافة الفرنسية ويمثل تقسيما لا يستند إلى معلومات دقيقة.

وتنتشر قوات الأمن الاتحادية بشكل غير متناسب في الأحياء السُنِّية في بغداد، وكذلك في المحافظات التي يسكنها السُنّة (الأنبار، وصلاح الدين، ونينوى، وكركوك وديالى). وقد دفعت هذه السياسة العراقيين السُنّة إلى إطلاق حركات احتجاجية غير مسبوقة خصوصا في عام 2012، لكن تم التعامل بعنف مع المظاهرات وفاقمت عمليات القمع التي أعقبتها من الشعور بالإقصاء والاضطهاد في أوساط السُنّة.

خلال الأشهر الأخيرة تصاعدت أعمال العنف التي فاقت في حدّتها ما شهدته البلاد خلال السنوات الخمس الماضية. وأعادت الهجمات ضد قوات الأمن، وضد المدنيين – وهو الأكثر إنذارا بالخطر – إحياء المخاوف من العودة إلى حرب أهلية شاملة، خصوصا مع ارتفاع نشاط الدولة الإسلامية في العراق والشام. وقد ردت الميليشيات الشيعية على أعمال تنظيم “داعش” بشن هجمات على السُنّة.

غياب قيادة سُنيّة موحّدة ـ وهو أمر أسهمت فيه سياسات بغداد، ويعتبره نوري المالكي ميزة ـ تحوّل إلى عبء خطير في المواجهة التي باتت تكتسب صبغة مذهبية على نحو متزايد، فأنصار الحراك يتطلعون غربا إلى سوريا بوصفها الحلبة التي يمكن أن يشنوا المعركة فيها على الحكومة العراقية وحلفائها الشيعة، وشرقا إلى إيران، بوصفها مصدرا لكل مصائبهم.

نظرا إلى تعرّضهم لضغوط مكثّفة من القوات الحكومية وتراجع إيمانهم بالحل السياسي، فإن العديد من العرب السُنّة استنتجوا أن خيارهم الواقعي الوحيد يتمثل في صراع عنيف يتخذ على نحو متزايد صبغة مذهبية. بالمقابل، فإن الحكومة تجد في ذلك فرصة مناسبة لوضع كل المعارضة في خانة المجموعات الطائفية المسلحة التي تتطلب مواجهتها إجراءات أمنية أكثر تشددا. وفي غياب تحول دراماتيكي في المقاربة، ثمة مخاطرة في انهيار الدولة الهشة في العراق ووقوعها ضحية لمزيج انفجاري يتكون من عيوبها القديمة والمعروفة والتوترات الإقليمية المتنامية.


* دراسة عن سنة العراق صدرت عن مجموعة الأزمات الدولية

6