غياب منظومة القيم يضع المجتمع الجزائري في أزمة خانقة

تعرف المنظومة الأخلاقية في الجزائر انهيارا على جميع الأصعدة ولا سيما في الآونة الأخيرة، وقد يترجمه الارتفاع الملفت لمعدل الجريمة وحالات الانحراف وشبه الغياب للقيم الأخلاقية، مثلما بات يظهر في التعاملات اليومية بين مكونات المجتمع، حتى وصل إلى ما بين أفراد الأسرة الواحدة، ووسط المؤسسات التي من المفترض أن تحافظ على قيم التعامل المثلى بين كل الجزائريين، هذا التحول الأخلاقي مع زيادة البيروقراطية والرشوة والمحسوبية من جهة والفساد المالي من جهة ثانية فتحت كلها الأبواب أمام المواطنين ليحكموا على جميع ما يقع بأنه نتيجة لانفلات أخلاقي خطير.
الاثنين 2016/07/11
الرشوة أقصر الطرق لقضاء الشؤون

الجزائر- لم تكن التسريبات التي طالت على نطاق واسع مواضيع امتحانات الثانوية العامة في الجزائر والصخب السياسي والإعلامي الذي صاحبها، سوى سقطة من سقطات المجتمع الجزائري الذي فقد معالمه والكثير من المواقف التي اشتهر بها، ربما تأثرا بالتحولات السريعة التي يشهدها العالم، أو نتاجا لأزمة العنف التي ضربت البلاد مطلع التسعينات من القرن الماضي، والتي لا تزال آثارها ظاهرة للعيان حتى اليوم.

كان يكفي أن يعترف رئيس الوزراء عبدالمالك سلال بأن الغش والفساد مسّا قطاعات عديدة في البلاد، ثم بعده أحمد أويحيى مدير مكتب الرئيس بوتفليقة، ليؤكد أن الانطباع السائد لدى غالبية الجزائريين هو أن ثمة أشياء تغيرت جعلت من الجزائر هذا البلد الذي احتفل باستقلاله عن فرنسا بعد 132 عاما من الاحتلال البغيض والظالم، لم يعد ذلك الوطن الذي كان مفخرة ليس فقط لأبنائه وإنما لكل من زاره ووقف على كرم وشهامة وحتى فطنة ورقة أفراد مجتمعه.

وتتسابق وسائل الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي يوميا لنقل تفاصيل مثيرة عن تصرفات وسلوكيات طائشة لأشخاص وجماعات، سواء في الأسواق والمستشفيات أو على الطرقات السيارة وحتى في الجامعات والمدارس التعليمية والمساجد، لا يعيرون أدنى اهتمام لقيم ومبادئ المجتمع، والأدهى من ذلك أنهم لا يخشون أي قوة “معادية”.

سلطة متساهلة

يجزم أمين وهو أحد المواطنين البسطاء أنه لا يمكن للسلطة المتساهلة أن تسترد مصداقيتها التي تعرضت لضربة في الصميم بين عشية وضحاها، أو بمجرد الإعلان عن توقيف المتورطين في تسريبات مواضيع امتحانات الثانوية العامة وتقديمهم إلى القضاء من أجل القصاص منهم، أو الإعلان عن إجراءات لمحاربة الفساد والخارجين عن القانون. ويضيف أمين أن الوضع أعمق وأخطر مما قد يتصور البعض، حيث لم يتأخر في القول إن الحكومة فقدت سيطرتها على المجتمع ولم تعد قادرة حتى على مواجهة الباعة الفوضويين الذين رفضوا الانصياع لنداءاتها “المتكررة” من أجل تقنين 45 بالمئة من الأموال التي يقول خبراء الاقتصاد إنه يتم تداولها في الأسواق وعبر قنوات غير شرعية.

المحسوبية والرشوة في غياب هيبة السلطة

سعيد كهل اقترب من عقده السادس بدا على محياه الغضب وهو يقف أمام سيارته ينتظر داخل محطة وقود ليس بعيدا عن مبنى رئاسة الجهورية، اغتاظ لطريقة تعامل أحد العاملين بالمحطة فراح يقول إنه لا توجد حكومة في هذا البلد، وزعم أن كل شخص بمقدوره أن يفعل ما يحلو له ولا يجد من يوقفه عند حدّه، ولا من يعاتبه على تصرفه غير المسؤول. ولم يخف سعيد تحسره على الماضي الجميل عندما كان للحياة معنى ومذاق على حدّ وصفه. حنين سعيد إلى الزمن الجميل يخفي بين طياته رفضا غير معلن للنمط المعيشي الذي تحاول أطراف فرضه على المجتمع. ويرى آخرون أن غياب الثقة بين الشعب والحكومة، أدّى إلى انهيار منظومة القيم في المجتمع، فأصبح الكثيرون من عامة الشعب يركضون من أجل قضاء مصالحهم بعيدا عن القانون وحتى الأخلاق، لأن الثقة مفقودة في السلطة المشرفة على تطبيق القوانين، وأمام هذا الواقع تصبح كل الطرق مباحة حسب تصوّر عامة الناس.

البعض من الجزائريين أصبحوا يتفنون في التنصل من مسؤولياتهم وواجباتهم، فالمسؤولون الذين يفترض أنهم في مواقع قرار يطلقون الوعود الكثيرة دون الالتزام بها بالرغم من أنهم يمثلون الدولة ولا يجب أن يكون كلامهم مجرد وعود كاذبة سرعان ما يكتشف زيفها بمرور الأيام، ناهيك عن تورط البعض من المسؤولين، خصوصا على المستوى المحلي، في قضايا فساد مختلفة ساهمت في فقد الثقة بين الحاكم والمحكوم، الأمر الذي ساهم، بدوره، في انهيار منظومة القيم لدى المجتمع، فأصبح الكثيرون من بسطاء الشعب لا يترددون في قضاء مصالحهم بأيّ وسيلة، لأن الثقة مفقودة في الجهة الراعية لهذا القانون، وأمام هذا الواقع يصبح كل شيء في تصور المواطن مباحا، فتجده يتنصل من مسؤوليته وواجبه نحو القانون ويبحث بكل الوسائل المشروعة وغير المشروعة لمواجهة البيروقراطية، فتحل المحسوبية محل القانون وتصبح الواسطة الطريق الأقصر أمام المواطن لتحقيق رغباته، وإن لم تتوفر المعرفة فالرشوة والتزوير والغش تصبح مباحة، ويعتبرها وسائل “مشروعة” لتسوية الإجراءات الإدارية.

ومن بين المظاهر اللافتة لهذا الانهيار القيمي، ظهور ثقافة الربح السهل دون أي جهد أو عمل بشكل يخرق النواميس الإنسانية التي تكافئ المجتهد والعامل وليس الخامل والقاعد. فالفلاحون يطالبون بمسح الديون، والشباب أصحاب المشاريع الصغيرة الفاشلة يرفضون تسديد مستحقاتهم إلى البنوك، والمواطنون يستحوذون على أراض ليست ملكا لهم دون رقيب أو حسيب وغير ذلك من مظاهر انحراف المجتمع عن قيمه. وأمام هذا الوضع المتردي، احترف الكثير من الجزائريين ثقافة التبرير للتنصل من مسؤولياتهم، فإذا وجهت لأحدهم السؤال يجيبك فورا بعبارات جاهزة “لماذا لا يحاسبون شكيب خليل ويلتفتون إلينا نحن؟”.

غضب وانتقام

فاتح وهو أحد الكوادر متخرج من الجامعة الجزائرية ويشتغل بهيئة مملوكة للدولة يحاول أن يبرر سلوكيات البعض من أبناء جلدته، فيقول إنها محاولة للتعبير عن الغضب الذي ينتاب هذا المواطن احتجاجا على الوضع العام في ظل عدم تواجد فضاءات كان يمكن لها أن تمتص حماسه وغضبه، وتمكنه من التعبير عن آرائه بكل حرية. كما يصفها أيضا بأنها نوع من الانتقام، وهي طريقة يعتقد بأنها خاصة بالجزائريين الذين في اعتقاده يعانون من أزمة نفسية بالدرجة الأولى، تستلزم إخضاعهم لأخصائي نفساني بشكل دوري لأنهم يواجهون المشكلات بسلبية زائدة عن اللزوم، وليس بإيجابية مثلما يفترض أن يكون.

الغش حق مكتسب

ورغم رفضه للسلوكيات والتصرفات التي تتنافى مع الأخلاق واحترام الآخرين، إلا أن فاتحا يرفض تضخيم الأمور معتبرا أن ما يحدث في الجزائر يقع في جميع المجتمعات. كما أكد أن الجزائري ليس سيئا للدرجة التي تصورها البعض من وسائل الإعلام، وأن نفس هذا الشخص الذي يتهم بالكسل والعنف وعدم احترام الآخرين يقبل بكل الوظائف المتاحة عندما يكون في دولة أجنبية لأنه ملزم بضمان لقمة عيشه واحترام قانون هذا البلد. وقدم مثالا عن صديق له استقرّ للعيش في الجارة موريتانيا حيث يدير متجرا لتقديم الأكلات والوجبات الخفيفة والسريعة، لافتا إلى أن صديقه هذا يتنقل إلى الزبائن لمسافة تفوق العشرات من الأمتار لمعرفة طلباتهم وخدمتهم، مشككا في أن يقوم صديقه بهذا التصرف لو كان موجودا في الجزائر.

ويلفت سعيد وهو صحافي في إحدى اليوميات المعروفة إلى أن زيارته للكثير من الدول في أفريقيا وأوروبا جعلته ينتفض في وجه تصرفات الكثير من الجزائريين في الكثير من أمور الدنيا، بل ذهب أكثر من ذلك عندما شدد على أن البعض من هذه التصرفات جعلته يضع أصحابها خارج التصنيف بالمرة. أما عمر وهو مدير محطة إذاعية حكومية محلية، فيؤكد، أن انحراف المجتمع الجزائري عن المسار الصحيح تم بفعل فاعل، موضحا أن الجزائريين يعيشون اليوم أزمة حقيقية بسبب تلاشي منظومة القيم والتي تبنى على أساس الدين والعرف.

وسجل عمر طغيان الاعتبار المادي على مظاهر الحياة بحيث لم تعد للإنسان مكانة وحضور إلا بما يملك من قصور وأموال وسيارات فخمة، كل هذا بعيدا عن الاعتبارات القيمية الدينية والاجتماعية التي توارثها الآباء عن الأجداد. ويستدل عمر بما يحدث للمجتمع في شهر رمضان المبارك عندما ينحصر الحديث حول موضوع الأكل والشرب مبيّنا أن المنظومة التي كانت قائمة على الأعراف وثوابت الدين تلاشت ولم يعد لها وجود.

ويجمع العديد من الناشطين عبر مواقع التواصل أنه حريّ بالحكومة ومختلف مؤسسات الدولة أن تكون هي المثل الأعلى والقدوة بالنسبة إلى الآخرين، وأن تكون بمثابة القاطرة التي تقود المجتمع نحو جادة الطريق وما ينفعه، من خلال تخليها عن الشعارات التي تصر على تسويقها رغم زيفها، والانتقال إلى مرحلة العمل على المواجهة والتصدي بكل حزم لكل الآفات التي تنخر الأمة ومحاربة الفساد والمفسدين والتخلي عن المحاباة في تعيين الأفراد بمناصب المسؤولية التي يجب أن تمنح إلى الأجدر وإلى من هو أكثر كفاءة. ويؤكد هؤلاء على أن انعدام الثقة في مؤسسات الدولة جعل المواطن الجزائري وخاصة من فئة الشباب يتدبر شؤونه بنفسه وبطريقته الخاصة؛ كتعاطي المخدرات للهروب من الواقع؛ أو الإجرام للانتقام من المجتمع، أو الهجرة السرية كمغامرة بالنفس للنجاح أو الموت، أو الانتحار كآخر حل لكل المآسي اليومية التي يعيشها.

مؤسسات تربوية بلا قيم

الإهمال يولد الإنحراف

يجمع الباحثون الاجتماعيون على أن المنظومة الأخلاقية للمجتمع الجزائري تعيش حالة من التدهور غير المسبوق، إذ مكان الصدق والأمانة والالتزام بالوعود والمحافظة على السلوك العام في الشارع، حلت قيم أخرى بعيدة عن السلوك السوي؛ كالغش والتحايل والكذب والتزوير والخداع. وتجلى هذا الواقع المختل بشكل واضح في امتحانات البكالوريا الأخيرة، حيث وصل الأمر بالبعض من التلاميذ إلى استعمال العنف للمطالبة بحقهم في الغش، وتحول التلاميذ قبل الامتحانات إلى مناضلين في الشارع يطالبون بتحديد عتبة للدروس المقررة في الامتحان. وبدل تأطير هؤلاء التلاميذ وترشيدهم يساير الأولياء طلبات أبنائهم، وتستجيب الوزارة في الأخير مرغمة.

ويرى الخبراء أن المؤسسات التربوية تحولت إلى منابع ومواقع جيدة لممارسة الانحراف، بل باتت معاهد لتخريج المنحرفين؛ فمن لم يسمع عن ظاهرة ترويج المخدرات في الأوساط الطلابية وبقيادة تلاميذ المعاهد وطلبة الجامعات، ومثال ذلك ما حدث في أحد المعاهد بالعاصمة الجزائر، حين اكتشف أمر تلميذة في السنة الرابعة متوسط تقوم بترويج المخدرات وبيعها لزملائها داخل المؤسسة، ويكتشف أمر الفتاة بالصدفة حين أعطت إلى زميلها جرعة كبيرة من المخدر أدّت إلى غيابه عن الوعي، ما استدعى نقله إلى المستشفى ليكتشف الطبيب بعد إجراء تحليل على دم التلميذ أنه تناول جرعة كبيرة من أقراص مخدرة، وانتهى التحقيق إلى أن أم التلميذة هي وراء ترويج هذه الأقراص، التي كانت تؤمنها بطريقتها وترسلها في محفظة ابنتها، لبيعها داخل المؤسسة التربوية التي كانت تدرس بها.

وترويج المخدرات داخل المدارس الجزائرية من طرف تلاميذها ليست الظاهرة الوحيدة التي سجلت على مستوى المؤسسات التربوية، وإنما انتشرت كذلك مؤخرا ظاهرة حمل السلاح الأبيض، وتكوين جماعات أشرار بين فئات المراهقين والقصر، وخاصة فئة التلاميذ في الابتدائي والمتوسط والثانوي، ظنا منهم أنها ميزة للرجولة أو الشجاعة، حيث أصبحت هذه الظاهرة موضة غايتها الدفاع عن النفس، وذلك حسب آخر إحصاء للمكتب الوطني لحماية الطفولة، والذي كشف عن أرقام مخيفة لجنوح الأحداث، فلقد تمّ إحصاء 548 متورطا في جريمة حمل السلاح الأبيض خلال سنة واحدة فقط.

ظاهرة الاختطاف هي الأخرى لم تعد غريبة عن المؤسسات التربوية الجزائرية، هذا زيادة عن جرائم السرقة والاعتداء بالعنف التي أصبحت شائعة بين تلاميذ المدارس ولا سيما على مستوى الإعداديات والثانويات. ولعل التقارير الإعلامية قد رصدت الكثيرا مما يحدث داخل أسوار الجامعات ووراء الأبواب المقفلة في الإقامات الجامعية من مظاهر الانحلال والانحطاط والفساد الأخلاقي، بدءا بترويج المخدرات وتعاطيها، إلى الدعارة ولا سيما في الإقامات الجامعية.

20