غياب ناظم رمـزي.. فنان الدهشـة ومؤرخ ذاكرة العـراق

الثلاثاء 2013/09/17
عدسة ناظم رمزي: الأمكنة تسكن قلب الفنان

بعد مسيرة فنية امتدّت على مدى نصف قرن، رحل المبدع الفوتوغرافي العراقي ناظم رمزي إلى بارئه فجر الأحد 8 سبتمبر/أيلول الجاري بالعاصمة البريطانية لندن عن عمر ناهز 85 سنة.

ويعدّ هذا الفنان، المولود ببغداد عام 1928 لعائلة كردية تنحدر من محافظة السليمانية، من أهم المصورين الفوتوغرافيين العراقيين والعرب، وصاحب ريادة في هذا المجال جعلت النقّاد يرون فيه مؤسّسا لأصول هذا الجنس الإبداعي الذي سجل به أغلب التغييرات الاجتماعية والسياسية والثقافية التي شهدها العراق.

كرّس الفنان الفوتوغرافي ناظم رمزي جميع جهده الفني لتأريخ تفاصيل معيش المواطن العراقي حتى باتت صوره "ذاكرة" للثقافة العراقية وخزينا مليئا بملامح شخصيات وطنه وأمكنته وأشيائه وهي تتحرّك في الزمن محمّلة بأفراحها وأتراحها.


الرائي وعدسته


لم تكلّ عدسة ناظم رمزي عن متابعة تفاصيل مرئياتها والكشف فيها عن حقائقها وإيحاءاتها التي لا ينتبه إليها الإنسان العاديّ، وهي إلى ذلك لم ترتهن في تخيّر زوايا الرؤية إلى توجّه سياسي أو عقائديّ أو فئويّ، وإنّما كانت رائية بامتياز، تختار زواياها بحريّة تضمن لها بلوغ قلوب موضوعاتها وتأويل ما فيها من عواطف وملامح هي من العراق فسيفِساؤه التي تآلفت قطعُها وألوانُها من فيض أساطير سومر وعروش الآموريّين.

ولئن تنوّعت الاهتمامات الفنية لناظم رمزي، إذ هو مصور فوتوغرافي وكاتب ومصمم فني ورسام وأحد أهم المختصين في الطباعة في منطقتنا العربية، فإنه استطاع أن يحافظ على خيط ناظم لجميع جماليات مفرداته الإبداعية، وذلك بفضل قدرته على تحفيزها جميعا على التراشح الدّلاليّ فيما بينها ما أغنى كلّ مفردة منها ومنحها حمولات رمزية عالية، نلفي لها صدى في ما أصدر من كتب على غرار "العراق: الأرض والناس" (لندن، 1989)، و"من الذكرة" (بيروت، 2008)، وكتاب "العراق: لقطات فوتوغرافية لبعض ملامح الحياة في القرن العشرين" (بيروت، 2009)، و"جولتي مع الكاميرا" (عمان/ الأردن 2010).


الرائد المجدّد

ناظم رمزي ذاكرة فوتوغرافية عراقية


ما إن أعلنت عائلة رمزي عن وفاته بلندن، حتى انبرى كثير من أصدقائه ينعونه بكلمات مليئة بالفجيعة والحسرة والاعتراف بفضله في التأسيس لثقافة عراقية متنوّرة. وفي هذا الشأن، كتب الفنان فيصل لعيبي على صفحته بالفيسبوك: "ستبقى بصماتك على أديم الثقافة العراقية المعاصرة علامات مضيئة للقادمين يا أبا خالد الرائع والكريم" وهي كلمات تؤكّد حضور ناظم رمزي كرائد من رواد التنوير والمدنية في العراق.

أمّا التشكيلي محمد سعيد الصكار، فقال: "ناظم رمزي، لا يوحي هذا الاسم المبارك بأي انتماء عرقي أو ديني أو طائفي، بل ربما كان أقرب إلى أن يكون اسماً مسيحياً، لكنه لم يكن كذلك؛ فقد كان عراقياً كردياً مسلماً، لم يكن همه من يكون سوى "رمزي"، وبهذا الاسم دخل دفاتر عدة تواريخ كان له فيها الحضور البهي.

فهو المصور الفوتوغرافي المرهف، والرسام الذي يبدع بصمت وبلا استعلاء، ورسام الكاريكاتير الحاذق، ومؤسس أكبر دار عصرية للطباعة في العراق، ومصمم الكتب والمجلات والملصقات والإعلانات، والخطاط، ومصمم الحروف الطباعية، والباحث الدؤوب عن الجمال في كل ما مارسه من فنون، والأجمل من كل ذلك، ما كان له من علاقات حميمة بمثقفي تلك المرحلة، وما لحقها، من أدباء وفنانين ومعماريين ورسامين وخطاطين، وكانت كل ممارساته تتسم بالريادة والتجديد، وكان لشخصه الودود المتواضع، ذلك الحضور الأنيق في ذاكرة كل من تعرّف عليه".


جماليات الأمكنة

اهتم ناظم رمزي بتصوير مشاهد المعيش العراقي في تفاصيله وحركته وسكونه


الباحث خالد السلطاني قال عن ناظم رمزي: "نعرف أن "رمزي"، وهو اسم الفنان الثاني الذي غلب اسمه الأول، وبه يُعرف ويناديه، تحبباً، جميع أصدقائه ومعارفه، يمتلك أرشيفا مهما ونادرا للقطات صوّرت العراق إبان نصف قرن تقريبا من تاريخه، بدأت من نهاية الأربعينات وحتى التسعينات، وهي لقطات نادرة لأمكنة تغيرت معالمها ولرجال عاشوا وعملوا على إثراء منتج المشهد الثقافي بأرض ما بين النهرين.

إنها في الأخير لقطات ذاكرة العراق التي لا تنسى، والتي "اجتهد" غير قليلين في تغييبها وإقصائها، لكنها ستظل، وبفضل عدسة فنه المميز، عصية على المحو والنسيان. ولئن كان البعض الآن كما في السابق، لم يقدّر ولا يعير أهمية لطبيعة الثروة المعرفية التي تمثلها تلك الصور للعراق ولتاريخه ولمستقبله أيضاً، فإن ذلك يدخل في باب الجهل والتجهيل الذي ابتلي به البلد على مدى عقود كثيرة. وسيأتي يوم، عاجلا أم آجلا، يقرّ به العراقيون، ولا سيما الباحثون والمصورون على وجه التحديد، بالدَينّ الذي "لرمزي" عليهم".

ويذهب السلطاني إلى اعتبار أن "الفن الفوتوغرافي قد بلغ عبر عدسة ناظم رمزي الذكية مستوى عاليا من الجمالية والحذاقة الفنية المنطوية دوما على اقتناص اللحظة العفوية في أوج تآلفها المبدع". ويضيف السلطاني قائلا: "ومعظم صور رمزي، إن لم تكن جميعها، "تجمد" مشاهد اللحظة المعيشة الآنية.

أي إنها صور حية ملتقطة بمكانها وتعكس مفردات ذلك المكان. فهي ملتقطة في الطريق وفي الأزقة، لناس أثناء عملهم، وفي أثناء راحتهم، إنها تبين مشاهد مدن العراق المختلفة، مثلما تجسد طبيعة جغرافيته المتنوعة. وتوزعت موضوعات تلك الصور على مشاهد مدينة بغداد وجوارها، وعلى مدن وبلدات عراقية أخرى، كما اشتملت على صور لأطفال ولعاملات ولعمال ولمناطق مختلفة بالعراق. فضلا عن بورتريهات لشخصيات ثقافية وسياسية عراقية".

ويعتقد السلطاني أننا نكتشف في تلك الصور "مقدرة ناظم رمزي في جعل المألوف المرئي، حيث يرتقي إلى مصاف اللوحات الفنية المكتنزة بقيم إبداعية عالية. فرؤية العادي المعيش من خلال عدسته توفر لنا إمكانات جديدة لرؤية ما لا نراه. إنه يحيلنا إلى مناطق لرؤى أخرى، رؤى تنجم عنها صور مليئة بالدلالات ومترعة بحسّ جمالي عال".

ويؤكّد هذه الحقيقة الفنان والناقد الفوتوغرافي فؤاد شاكر بقوله: "ناظم رمزي يشكل حلقة من أهم الحلقات في فن الفوتوغراف حيث عمل رمزي على حياة الإنسان والمهن حاملا كاميراته إلى الهم الإنساني الكبير وصور أغلب مفردات الحياة العراقية من الشمال إلى الجنوب ومن الغرب إلى الشرق وحقق في هذا الجرد التصويري صورا رائعة عن حياة الإنسان".


شوارع الغربة

ناظم يفتش في صوره عن مجتمع دافئ


الكاتب علي حسين يذكر أنّ المرة الأخيرة التي شاهد فيها الفنان ناظم رمزي كانت عبر صور نشرها الفنان فيصل لعيبي على صفحته في فيسبوك، ويوصّفه بالقول: "شاهدته يجلس في شوارع لم يلفها غريب ومغترب، وهو يفتش عن مجتمع دافئ ومكان أليف وزمن سوي يعترف بالإنسان والضحك وحرية اللسان وشقاوة الأصحاب وترف الأمسيات.

في سنواته الأخيرة تسكع فناننا الكبير في شوارع الغربة ولم يكن يعرف، هو ولا نحن محبوه، أن النهاية ستكون في سطور قليلة اختتمت بها حياة فنان وإنسان رفض الاستسلام وغرد خارج السرب.

في الصور على فيسبوك وأنا أطيل النظر إلى ملامح وجهه المحبب إلى النفس أقرأ فيه رحلة التعب والمواجهة ممتزجة بأفراح ومسرات الماضي. تعب في العينين وابتسامة يختلط فيها الحزن والشرود وبساطة ترتفع على التصنع، فأغمض عيني وأنا أتخيل صوره مع بناة الحركة الثقافية والفنية المعاصرة في العراق.

ها هو ناظم يضع يده فوق كتف جواد سليم، وتجده في صورة أخرى يجلس على الأرض مع فائق حسن وفي أخرى يقلب كتابا مع جبرا إبراهيم جبرا. وفي رابعة يمازح محمد سعيد الصكار، وهذه صورة ينظر فيها إلى حافظ الدروبي باسما.

وفي أخرى يتحول محمود صبري ناقدا لإحدى لوحات ناظم التشكيلية.. صور وذكريات مع محمد غني حكمت وعبد الوهاب البياتي وفؤاد التكرلي وكاظم حيدر وعشرات ممن رسموا خارطة العراق الفكرية والفنية.. لقد استطاع ناظم أن يلتقط صور هؤلاء الفنانين ويجسدها كلوحة من أغاني الحزن أو الفرح العراقي، عميقة الحزن مرة، وضاجة وصاخبة مرة أخرى، لتجعل من هذا الفنان أصدق المصورين وأملأهم بالحب، وهو في كل مرة يتعامل مع موضوعه من عدة طرق في وقت واحد، فالتناغم والتقابل والاتساع والإيحاء ما كانت لتتحقق معا لولا تمكن الفنان من أسرار صنعته وقدرته على الارتقاء بالصورة الفوتوغرافية إلى مصاف اللوحات التشكيلية الحافلة بالمعايير والعناصر الفنية، لقد نهضت مهمته هي تصوير النفوس والقلوب والعقول سواء كانت لأناس مشهورين أو مغمورين".

15