غياب هيبة الدولة يكبل جهود تونس في إرساء مناخ الأعمال

تلقّت الحكومة التونسية دفعة جديدة لتنفيذ برنامج إصلاح الاقتصاد، بعد مصادقة البرلمان أخيرا على قانون الاستثمار، المثير للجدل، لتعزيز مناخ الأعمال، لكن البعض يشكك في قدرة الحكومة الجديدة على جلب الاستثمارات، خصوصا في ظل غياب هدنة اجتماعية تطمئن أصحاب رؤوس الأموال للنشاط في تونس.
السبت 2016/09/24
قاهرة الاستثمار

تونس - أكد خبراء اقتصاد أن مصادقة البرلمان التونسي على قانون الاستثمار مؤخرا يعد خطوة مهمة في طريق إنقاذ الاقتصاد الذي يعاني من هشاشة وتراجع لافتين خلال السنوات الخمس الأخيرة، لكنها غير كافية.

وأشاروا إلى أن قرار بتروفاك البريطانية المتخصصة في مجال الطاقة تعليق نشاطها في البلاد بسبب استمرار الاحتجاجات لقرابة العام، شكّل آخر الأنباء الصادمة لحكومة يوسف الشاهد الساعية إلى تحريك عجلة النمو، قبل أن تتوصل حكومته أمس، إلى اتفاق مع مسؤولي الشركة لاستئناف نشاطها المتوقف منذ أشهر بسبب الاعتصامات.

ومنذ يناير 2011 علّقت أكثر من 2.5 ألف شركة نشاطها واتجه معظمها إلى المغرب، وفقا لأرقام غير رسمية، ما زاد من معاناة الدولة التي بدأت في الترويج للمؤتمر الدولي للاستثمار المقرر في أواخر نوفمبر القادم.

وتشير إحصائيات وكالة النهوض بالصناعة إلى أن هذا الأمر تسبب في خسارة قرابة 70 ألف فرصة عمل، بالإضافة إلى 1.2 ألف عامل باتوا في حكم العاطلين عن العمل بعد إغلاق بتروفاك أبوابها في جزيرة قرقنة التابعة لمحافظة صفاقس.

فاضل عبدالكافي: المصادقة على قانون الاستثمار خطوة أولى للترويج لموقع تونس الاستثماري

ويقول مختصون إن فرص العمل التي تمت خسارتها هي أكبر من الأرقام التي تظهرها تقارير الوكالة، نظرا إلى أنها لا تأخذ بعين الاعتبار الشركات التي تنشط في مجال السياحة والخدمات، ما يعني أن عدد الذين خسروا وظائفهم إلى حد الآن ربما يتجاوز الـ100 ألف شخص.

واختارت الشركات الأجنبية الاستثمار في تونس بعد تشجيع كبير قدمته لها حكومات ما قبل الثورة وكذلك لقرب البلد من الأسواق الأوروبية وتوفر اليد العاملة بكلفة محدودة والمهارات التي تتميز بها، فضلا عن الاستقرار السياسي والأمني، لكن الوضع اختلف الآن.

ويعد قانون الاستثمار الجديد بديلا عن قانون 2011، الذي أثار جدلا واسعا في الأوساط الاقتصادية لكونه يمثل “مجلة قانون تشجيع الاستثمار في تونس” التـي صـدرت في 1993، في الكثيـر مـن فصـوله.

وبحسب القانون، الذي صادق عليه 134 نائبا من أصل 217 نائبا في جلسة برلمانية السبت الماضي، سيتم إنشاء ثلاثة هياكل مهتمة بالاستثمار، وهي المجلس الأعلى للاستثمار برئاسة رئيس الحكومة وله تحديد سياسة واستراتيجية وبرامج الدولة في مجال الاستثمار.

وسيكون تحت إشراف هذا المجلس كل من الصندوق التونسي للاستثمار والهيئة التونسية للاستثمار التي يفترض أنها المخاطب الوحيد للمستثمر لتقليل البيروقراطية، لكن الغموض الذي يحيط بها نتجت عنه تساؤلات مختلفة وشبهات فساد.

كما ينص القانون الذي سيدخل حيز النفاذ مطلع العام المقبل على إطلاق “منوال جديد للتنمية في تونس ودفع الاستثمار الخاص وتطوير مناخ أعمال يمكّن من الارتقاء بنسبة الاستثمار إلى 25 بالمئة من الناتج الإجمالي المحلي الخام ورفع حصة الاستثمار الخاص إلى أكثر من 65 بالمئة من إجمالي الاستثمارات بحلول 2020”.

وقال فاضل عبدالكافي، وزير التنمية والاستثمار والتعاون الدولي، في تصريحات صحافية عقب المصادقة على القانون، إن “ذلك يعد خطوة أولى لترويج موقع تونس الاستثماري في البحر الأبيض المتوسط”.

وشدد على أن الخروج بتونس إلى “بر الأمان” يتطلب عودة الاستثمارات المحلية والأجنبية بعد أن “هربت لأسباب معروفة”، في إشارة إلى تفاقم الاحتجاجات والهجمات المسلحة التي استهدفت عدة مناطق تونسية في السنوات القليلة الماضية.

وتأمل تونس من خلال تعبئة المستثمرين في خفض نسبة البطالة البالغة حاليا 15.5 بالمئة إلى 12 بالمئة عبر العمل على إحداث مئات الآلاف من فرص العمل خلال السنوات الثلاث القادمة.

65 بالمئة نسبة حصة الاستثمار الخاص التي تأمل تونس في بلوغها من إجمالي الاستثمارات بحلول 2020

وانضمت اللجنة المنظمة للمؤتمر الدولي للاستثمار “تونس 2020”، مؤخرا، إلى الأوساط الاقتصادية التونسية التي طالبت بالإسراع في إقرار مشروع قانون الاستثمار قبل انعقاد المؤتمر في أواخر نوفمبر الماضي حتى تكون أرضية ملائمة لجذب المستثمرين.

وأعلنت الجهات المنظمة للمؤتمر، الأسبوع الماضي، أن المؤتمر سيكون فرصة للتعبير عن “إرادة” الدولة في “القيام بإصلاحات هيكلية” و”تشجيع نمو الاستثمار الخاص” من خلال تحديد القطاعات الواعدة.

وكانت الاستثمارات الأجنبية في تونس تقدر بـ1.58 مليار دولار في 2010، لكنها تراجعت بشكل حاد نتيجة هروب عدد من المستثمرين وتزايد الإضرابات والصراع السياسي والوضع الأمني الهش لتنخفض إلى حوالي 900 مليون دولار العام الماضي.

ولم يخف عبدالكافي معاناة بلاده الاقتصادية، حيث أكد أن إجمالي الديون الخارجية حاليا يقدر بنحو 27.5 مليار دولار أي ما يعادل 60 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي، ما يعني أن الصعوبات المالية قد تجبر الدولة على الاقتراض الخارجي مرة أخرى لتغطية النفقات.

وارتفعت الموازنة العامة للدولة من نحو 9 مليار دولار في 2010 إلى قرابة 15 مليار دولار. ومن أبرز تداعيات ذلك الأمر تضاعف مديونية الدولة من 12.5 مليار دولار إلى 27.5 مليار دولار.

كما تراجعت نسبة النمو في السنوات الأخيرة حتى بلغت 1.4 بالمئة خلال الربع الثاني من العام الجاري، وفق البيانات الرسمية. وقد استبعد رئيس الحكومة أن تتجاوز نسبة النمو مع نهاية العام الحالي 1.5 بالمئة في ظل الظروف الحالية.

10