غيبة المغني المنتظر في سرداب الأسير!!

الأحد 2013/09/15
فضل شاكر.. بعد أن ذاب فؤاد الطفل في أحزان الشرق

(يا غايب ..) أغنيته التي بدا فيها خجولاً، مبتسماً، غاض الطرف، حتى صارت نداء من جمهوره له في غيابه الحالي.. وهكذا كان المغني فضل شاكر يظهر في كليبات وحفلات غنائية كثيرة، صنعت له مجداً سريعاً، غير مبنيّ على التهتّك والمبالغة في الرقص والاستعراضات الإيقاعية التي انتشرت ونجحت في مناخ السماع العربي، في مرحلة ما بعد التطريب، وكان ظهوره من أوله اختلافاً عن جيله من الفنانين الذين ذهبوا في الضجيج إلى آخره، كي يكسبوا المستمع المشاهد، فيما أعطى فضل شاكر جزءاً من صوته خفيضاً حزيناً كي يكسب الدخول إلى قلوب حزينة أصلاً في أفراحها تستعير ما أمكن من الشجن، وفي أحزانها تستحضر تاريخاً من الأحزان.

فضل شاكر شمندر، ابن صيدا، التي أنجبت لبنانيين كثرا، لم يستقروا على حالهم الذي فتحوا أعينهم عليه، منهم من ابتعد في المهجر، ومنهم من عاد إلى البلاد حاملاً محمّلا بالمشاريع والملايين، وقليلاً من الأفكار، قليلاً من التيقّظ إلى التغيير الكبير الذي يطرأ على سويسرا الشرق، وهي تتمايز ألوانها في ارتجاجٍ شديد، سيسرقها فيما بعد من حرية حسدها عليها الشرق والغرب، إلى سواد يتقدّم في بيوت الناس وأمزجتهم، أواسط الثمانينات، إسرائيل تهدّد وتنسحب، جزءٌ من الشعب تحالف مع العدو وشكّل جيشاً جنوبياً ما لبث أن غادر مع سيّده إلى شمال الأراضي المحتلة، يسارٌ ينكمش، إسلام سياسي لبناني لم يقبل التمثّل بغيره من مدارس الإسلام السياسي في العالم العربي، إذ أصرّ اللبناني المسلم على اختلافه، وسعة صدره، وإبقائه لمسافة الأمان مع الخطر، في حسبة شامية عريقة تعلمها أهل بيروت من أهل الشام، عمقهم الاستراتيجي العائلي الاقتصادي والتاريخي والديني معاً، وتجار حروبٍ عرفوا اللعبة وراقت لهم، طيلة سنوات الحرب الأهلية اللبنانية اللبنانية، وظاهرة جديدة بدأت في الظهور بعد تحوّلات تركة الإمام موسى الصدر في حركة أمل، وانتشار للعمائم، ومحاصرة للشيخ الجليل العلامة محمد حسين فضل الله، وصعودٍ لمجموعة من الشبان المتحمّسين يطلقون على أنفسهم لقب (سيد) مرةً في الشمال ومرةً في الجنوب، عائدين من ابتعاث علمي إلى النجف وقم، وشبحٌ مرعب هيمن على البلد الصغير أطلّ من خلف قاسيون وجبل لبنان وذرة ضهر البيدر.. حافظ الأسد.

عاش شباب الثمانينات، بين التهريب والمخدرات والشعر، وبين القنص في الحرب الأهلية والعيش لائذين بجدران الطوائف، حتى جاء اتفاق الطائف، الذي قسّم لبنان من جديد ووزّعه على أهله من الطوائف، فتحوّلت الدولة إلى جدران جديدة، تحت سلطة قوات الأسد ومخابراته التي تكفّلت بفرض الحل الأمني، جدران الخوف هذه المرة، وبتّ إذا قرّرت الاستراحة في فيء الجامع الأموي في دمشق، بين ساعات تمشّيك في سوق البزورية والقباقبية والحميدية، يمكنك أن ترى خلايا من شخصين إلى ثلاثة أشخاص، في زوايا المسجد، يقتربون منك هامسين: (إخوتكم المسلمون السنّة في لبنان، بلا سند، بلا مال، بلا أحد، نحنا بحاجة إليكم) ولا تعرف إن كان هؤلاء من تفرّعات التنظيمات الجهادية التي أخذت تتشكّل على هوامش العمل النضالي المدني والعسكري العربي، وعلى أنقاض الحركات الفدائية الفلسطينية، وجبهات التحرير هنا أو هناك، أم هم من بقايا ورثة الإمام الأوزاعي الذي يرقد في بيروت نائماً غافلاً عن التغييرات الكبيرة التي طرأت على إرثه وهو القائل (العافية عشرة أجزاء، تسعة منها صمت، وجزء منها الهرب من الناس).

تعلّم الفتى ابن الخمسة عشر عاماً، أن اللغة التي يملكها لمخاطبة جيله والعالم، ستكون غير كل ما سلف، مختلفة، أرادها أن تكون لغة راقية، وأرادها أن تكون بلا مترجمين، فكانت الموسيقى التي هي لغة العالم كلّه، ومفتاح سحره، وعاش صياد سمكٍ ومغنياً في أسطح بيوت مخيم عين الحلوة وتزوج من تلك البيئة الفلسطينية، التي كانت تغني ويغني معها فضل شاكر حينها بحنجرة فرقة العاشقين الخالدة (إشهد يا عالم علينا وع بيروت إشهد للحرب الشعبية، وإللي ما شاف من الغربال يا بيروت.. أعمى بعيون أمريكية.. وبالطيارات أول غارة يا بيروت.. غارة برية وبحرية.. برج الشمالي وبالبحر يا بيروت…صور الحرة والرشيدية… جمل المحامل شعبنا يا بيروت…بعين الحلوة والنبطية.. وإحنا ردينا الآلية يا بيروت.. بحجارة صيدا والجية) ليقرّر الرئيس الفلسطيني محمود عباس بعد ذلك بسنوات طويلة، منح فضل شاكر الجنسية الفلسطينية وإصدار جواز سفر فلسطيني باسمه، أحب الجمهور العربي فضل شاكر، لأنه يشبهه، ولأن في حضوره مسحةً من مسحات الخاسرين، وكأنما كان يعرف أنه ماضٍ في طريق القضايا الخاسرة.

وتعلّم ابن صيدا فضل شاكر، على الأوتار المشدودة لتراث عبد الوهاب وفريد الأطرش وأم كلثوم، ليتقدّم في الفنّ واثقاً، يلحّن أغانيه، ويختار كلماته، واستمرّت إحدى أغانيه على رأس قائمة المبيعات لخمسة أشهر متواصلة، في سابقة لم تحدث منذ أيام العندليب الأسمرعبدالحليم حافظ، وفي العام 2003، اشترى فضل شاكر كل حقوق اللحنِ لأغنيته من الموسيقي اليوناني Sotis Volanis، وكتب القصائد الأميرِ تركي بن عبد الرحمن السديري، وغيّر فضل شمندر اسمه في طلب تقدّم به إلى القضاء اللبناني ليصبح فضل شاكر، وليحصد العديد من الجوائز الموسيقية رفيعة المستوى ويغني في المهرجانات العربية الكبرى في مصر ولبنان والكويت والإمارات، حتى أنه غنى في فلسطين ذاتها تكريماً لانتفاضة الشعب الفلسطيني، وقد ظهرت لفضل شاكر إحدى عشرة إسطوانة غنائية وأكثر من عشرين أغنية منفردة.. حتى تفجّرت الثورة السورية في آذار مارس من العام 2011.

الثورة السورية وزلزلة شعوب المنطقة

كان من الممكن أن يهدي فضل شاكر أغنية وطنية للشعب السوري، لو أن ثورته نجحت سريعاً كما حصل في تونس ومصر، وربما ذهب إلى دمشق ليغني في ساحة الأمويين قصائد سعيد عقل المحفورة على أحجار الشام: (سائليني حين عطرّتُ السلامْ‏‏… كيف غارَ الوردُ واعتلَّ الخُزامْ‏‏… وأنا لو رحتُ استرضي الشذا‏‏… لانثنى لبنانُ عطراً يا شامْ.. ضفتاكِ ارتاحتا في خاطري.. واحتمى طيرُكِ في الظنِّ وحامْ.. نقلةٌ في الزهر أم عندلةٌ.. أنتِ في الصحو وتصفيقُ يمامْ ..أهلُكِ التاريخ من فضلتهم ذكرهم.. في عروة الدهر وسام.. أمويون فإن ضقتِ بهمْ.. ألحقوا الدنيا ببستان هشامْ) كان يمكن لفضل شاكر، ألا يشاهد منظر الدماء المراقة في سوريا، وسط الصمت العالمي، والعجز العربي، وكان بإمكانه أن يتابع مسيرته كفنان ومطرب في الليالي والسهرات، دون أن تجذبه جاذبة الألم السوري إلى رحلة أسرت القلوب أولاً في طريقها إلى أسر العقول.

التقى فضل شاكر في تلك الفترة، بابن أحد عازفي فرقته الموسيقية، الخبّاز السابق، والشيخ الحالي أحمد الأسير، إمام مسجد بلال بن رباح في صيدا، والذي عرف مؤخراً في لبنان بصوته الجهوري الحاد، المنادي بوقف المدّ الشيعي وسيطرة حزب الله وحسن نصرالله على لبنان، وأكثر الداعين إلى الجهاد في سوريا، بعد أن رفع السوريون هتافهم الشعبي الشهير (يا الله مالنا غيرك يا الله) مستغنين بذلك عن كل ما في الأرض، من حليف أو معين، ومتجهين إلى السماء، في يأسِ من أي تدخّل دولي يحميهم من آلة العنف الجهنمية التي تفتك بالزرع والضرع والحجر والبشر، وفي مشهد أراد له أن صنّاع القرار الدولي أن يكون هكذا، كي تنضج الظروف المواتية التي بحثوا عنها طويلا، ولتصبح بلاد الشام كما تطلق بعض تسريبات المخابرات المركزية الأمريكية (مصيدة الذباب) الثانية بعد العراق، وتجلب أكبر عددٍ ممكن من المتطرفين، وربما لتصنّع المزيد منهم، في توتير اعتادت عليه مدرسة زيبغنيو بريجنسكي المستمرّة، صانعة قوس التوتّر في العالم.


المغني والأسير

المغنّي تحول إلى ثائر راديكالي


وتحت تأثير الأسير، قرّر فضل شاكر، تغيير مسار حياته، كما تغيّرت مسارات المنطقة، وكما تحوّلت البندقية الفلسطينية يوماً من روح (فتح) الثقافية العريقة المنصرمة، إلى جهادية حماس المتفتّحة، فترك الغناء، وأعلن اعتزاله عالم الفن، وهو في ذروة نجاحه، المهني والمالي، (معنا الآن الفنان فضل شاكر …الفنان سابقاً إن شاء الله!) هكذا قال مذيع قناة الرحمة وهو يقدّم فيديو اعتزال فضل شاكر في آخر ظهور له من غير لحية، (كرهتُ هذه المصلحة.. وكان عندي صراع في السنوات الأخيرة، فالحمد لله أني اخترت هذا الطريق الصحيح وأرجو أن يتوب الله عليّ من هذا الطريق) (ما بحب أحكي بالدين لأني ما بعرف.. ولا بالسياسة حتى) وأخذ فضل شاكر يخرج في المظاهرات المندّدة بالنظام السوري، مناصراً ثورة السوريين، (كإنسان مسلم واجب عليّ أن أناصر إخوتي وأهلي في سوريا أمام المجازر وذبح الأطفال وذبح الشيوخ وانتهاك الأعراض وسب الرسول وسب الله وكل انتهاك لكل إنساني.. والمفروض على كل من لديه دين وكرامة وشرف أن يناصر أخوته في سوريا…وبإذن الله نظام بشار سيسقط مع كل مناصريه).

وتغيّر كلّ شيء، فصار المغني رفيقاً للأسير في حربه، ضد بشار الأسد، وصار هدفاً أيضاً لمناصري بشار الأسد الذين توقّع سقوطهم، وكان التعاطف مفتاح العقل، فتحوّل المغنّي الذي قال عن نفسه أنه لا يفهم في الدين ولا في السياسة، إلى ثائر راديكالي، وأطلق لحيته وحلق شاربيه، متمثّلاً نموذجاً جهادياً استشهادياً شديد الحساسية تجاه العالم الذي يبادله الحساسية ذاتها، بعد أن كان تحت الضوء الساطع للكاميرات والشهرة والمعجبين، فصار في عين عاصفة الغضب والرفض، وتردّد أنه شارك في عمليات قتالية إلى جانب الجيش الحر في الأراضي السورية، وغنّى لسوريا (وحمصُ في القلب.. وقلبي في هوى حلبٍ.. دمي حماةُ ونوح الجسرِ أغنيتي.. سوريةُ اليومَ بركانٌ.. سيولُ دمٍ.. شامُ الرسول منارُ النارِ ملحمتي.. يا شام يكفيني من العنتِ.. يا شام ذابَ الفؤاد الطفلُ من ألمٍ.. يا شامُ يكفيني من العنتِ.. وللأحبة في الميدان منزلةٌ.. فبالنفس يا طيبها يا عزّ منزلةٍ).


اختفاء المغني.. الأسير


وذاب الفؤاد الطفلُ..في حكاية فضل شاكر، وربما تكون قد تكرّرت حكايته ملايين المرات، في سوريا والعالم الإسلامي، خلال سنتين ونصف من عمر الثورة السورية، وربما تحوّل شبابٌ في طفولة وعيهم، بفعل العجز عن فعل أي شيء في وجه الفظاعات المرتكبة والتي ترتكب يومياً بحق الأبرياء والمقدسات الشعبية والاجتماعية والدينية، وربما كانت الفكرة مكثّفة جداً في حالة فضل شاكر، وربما كانت محزنة جداً في حالة صانع فنٍ اختار أن يذهب بقدميه إلى الموت بدلاً من الفوز بالحياة..هنا على أرضه، وليس في العالم الآخر. بعد الغزوة التي نفّذها حزب الله رافعاً شعار نصرة المزارات الشيعية في سوريا، مبرراً تدخّله في القصير الحمصية على الحدود السورية اللبنانية، اعتصم الشيخ الأسير في منطقة عبرا، وهاجم الجيش اللبناني المسجد، واشتبك (الفسطاطان) وانتهى الصراع باقتحام المكان، في ملابسات وتداخلات عديدة، فقتل من قتل وجرح من جرح، ولكن الجيش اللبناني لم يعثر على المطلوبين (رقم واحد) و(رقم اثنين) في الموقع، الشيخ أحمد الأسير والمغني فضل شاكر، وانتشرت أخبار تقول إنهما انتقلا للقتال في سوريا، وقيل إنهما قد قتلا في أحداث المسجد أثناء الاقتحام، ولكن الجيش أخفى ذلك حتى لا يثور أنصارهما، وأصدر قاضي التحقيق العسكري الأول في لبنان مذكرة توقيف غيابية بحق فضل شاكر والشيخ الأسير، وقد يواجه شاكر حكما يصل إلى السجن مدى الحياة أو الإعدام، عبَرَ المغني رحلته من مكانةٍ كبيرة عند الملايين، إلى مكانة مختلفة عند ملايين أخرى لم تنس موقعه الأول وما زالت تسمع أغانيه في لحظات الحنين رغم عبوره إلى ضفافٍ أخرى، عبَرَ المغنّي إلى الغياب، مطبّقاً بذلك وصية الإمام الأوزاعي ذاته.. آخذاً عُشرها الأخير.. (الهرب من الناس).

10