غيبة سورية في نفق العلاقات الدولية

الثلاثاء 2013/10/22

يسود صمت مطبق حول طبيعة الترتيبات الجارية بشأن المسألة السورية، ثمة دائرة باتت مغلقة تلف الحدث وتخفيه، واشنطن وموسكو أخذتا الأزمة وخبأتاها في لفيف علاقاتهما الشائكة، لدرجة قد يسأل معها أي مراقب أين الملف السوري الذي لم تعد له ملامح في الحقل الدبلوماسي العالمي.

ثمة من يعتقد أن المسألة ربما تكون محاولة لعزل الملف عن التأثيرات الأخرى، الإقليمية والدولية، وذلك بقصد التوصل إلى مقاربة مهمة يستطيع الطرفان إنجاز تصوراتها على الأرض السورية. حسناً الموضوع له تشعبات عديدة أعقد من أن يتم حصرها ضمن أطراف معينة. لا يمكن لروسيا وأميركا أن يتوصلا إلى حل بدون مساعدة الأطراف الإقليمية.

لا يمكن حصر القضية بالجانب الأمني على ما تحاول الدبلوماسية الروسية تصويره ومحاولة اختزاله في محاربة الإرهاب، وإنهاء القضية على هذه الشاكلة، تجربة أفغانستان لا زالت ماثلة على فشل المقاربات الأمنية، بمعنى أنه لن تستطيع روسيا وأميركا حل الموضوع على هذا الأساس.

لقد تبين، أن الأزمة السورية كانت على الدوام أزمة ولادة ومتحركة بنفس الآن، إذ أنها، ومنذ انطلاقتها، لم تتوقف على نمط واحد ولم تقتصر على دائرة محددة، كما أن الاستجابات الناتجة عنها كانت من النمط الأفقي سريع الانتشار والانشطار، فبعد أن أنتجت التسلح جرّاء ظروف ومعطيات داخلية فرضتها كثافة الضغوطات الممارسة من قبل النظام، استدعت الصراعات التاريخية الكامنة بين المكونات المذهبية والعرقية في المنطقة، وهذه أنتجت الصراع السني الشيعي، والتوتر العربي- الكردي، ونتج عن كل ذلك ظاهرة الجهاديين، وتزامنت كل هذه الولادات مع ظاهرة اللااستقرار الإقليمي والتوتر الدولي.

بالإضافة إلى ذلك، أن الأزمة باتت متشظية وتنطوي على جملة من الأزمات: اللاجئون، الإعمار، المفقودون، وهو أمر يحتم وجود هيئة دولية للتنسيق بشأن استحقاقات هذه المسائل كلها، على افتراض وجود حد أدنى من الجدية في التحركات الدولية الجارية، إذ لم يعد ممكناً إلزام أطراف معينة بإنجاز رزمة الاستحقاقات في ظل أوضاع اقتصادية صعبة تعاني منها أغلب مناطق العالم.

وبالعودة إلى السؤال الرئيسي، لماذا تخبئ واشنطن وموسكو الملف السوري وما هي ترتيباتهما بشأنه؟ الواضح حتى اللحظة أن الطرفين يجريان عملية تدوير لمختلف الزوايا الحادة في الأزمة قصد الوصول إلى تصور معين للانطلاق نحو الحل الذي يرتئيانه، بمعنى أنهما لا زالا في مرحلة بناء التصور، وثمة تسريبات تفيد بوجود ورشة أميركية روسية تعمل على صياغة هذا التصور، ويعمل الطرفان على إستراتيجية خفض سقف توقعات أطراف الأزمة من الحل، كما يعتمدون تكتيك طرح حزمة واسعة من الخيارات السيئة، أولاً بهدف سبر أغوار أطراف الأزمة ومعرفة ردود أفعالها تجاه تلك الخيارات، وثانياً قصد معرفة أي الخيارات يمتلك حظوظاً أقوى في التطبيق العملي، ومن جهة ثالثة محاولة دفع الأطراف إلى تكييف اشتراطاتها في إطار معين لا تتجاوزه، وكمثال على ذلك جرى رسم الخيارات الممكنة أمام أطراف الأزمة، النظام والمعارضة، على قوس يمتد من تشكيل حكومة انتقالية من الطرفين إلى التمديد لبشار الأسد عامين في الحكم.

للحقيقة، يبدو أن نظام الأسد على دراية وإدراك بطبيعة ما يجري في الكواليس الأميركية- الروسية، والواضح أنه يحاول جاهداً العمل على تعديل طبيعة الخيارات والتصورات بحيث تأتي لصالحه، من خلال طرح نفسه كبديل عن حالة الفوضى والتطرف، وهو ما يجهد بشار الأسد بإيصاله عبر إطلالاته الإعلامية الكثيرة هذه الأيام، إذ يحاول تصوير نفسه على أنه الطرف المتسامح والحامي للأقليات والضامن للعهود الدولية.

في المقابل لا تنتبه قوى المعارضة لهذا الحراك الأميركي- الروسي، ولا تزال تنهمك بممارسة تكتيكات قديمة، مما ينذر بأن تكون الخاسر في أي حل دولي قادم، وينعكس الأمر على الشعب السوري، بوصفها ممثلاً لقضيته.

الصمت الأميركي- الروسي يخفي خطرا يتوجب الانتباه إليه، ثمة محاولة لإعادة صياغة القضية السورية وطرحها من جديد، هذه الصياغة لا تبدو مناسبة لطموحات السوريين وتوقعاتهم، والخوف أن يتم العبث بتشكيلات الثورة السورية لكي تتوافق مع هذه الصياغة.


كاتب سوري

8