غيبوبة ممتعة في وسائل التواصل الاجتماعي

الثلاثاء 2017/05/23

يكرّر المذيع عبارة “لا تذهبوا بعيدا أعزائي المشاهدين” لغرض أن يذهب في فاصل ثم يعود. لا أحد يريد لهذا المشاهد اليقظ أن يذهب بعيدا، الكلّ يريد أن يحتفظ به وهو بكامل حواسه وهو يعطي وقته بسخاء للشاشات.

الأمر لن يختلف كثيرا في ما يتعلق بوسائل التواصل الاجتماعي لا سيما فيسبوك وتويتر بوصفهما المنصّتين التواصليتين الأكثر فاعلية وانتشارا في العالم فهما أيضا لا تريدان لجمهورهما أن يذهب بعيدا.

السؤال هو إلى أين يذهب جمهور فيسبوك وتويتر؟ والجواب ببساطة هو أنه قد يذهب إلى الشاشات والحل هو أن تأتي الشاشات إلى قلب الحدث وإلى وسائل التواصل الاجتماعي ذاتها وبذلك لن يذهب المشاهد بعيدا، وذلك ما يجري العمل عليه حاليا وسريعا لكي يجد المنغمر في عالم التواصل الاجتماعي كل ما يبحث عنه وينشده بين يديه وطوع بنانه.

يتّسع الأمر إلى ما هو أبعد من ذلك، إلى نوع من المشاركة التفاعلية في الشاشات، فبعد أن توصلنا إلى العالم ثلاثي الأبعاد ولبس المشاهد تلك النظارات التي تغطي نصف وجهه وغاب في عالم آخر فيه متعة المشاهدة والتجسيد الحيّ للوقائع، ها نحن اليوم بصدد فاعلية المشاركة التي سيكون المشاهد طرفا فيها، الاقتراب من عوالم أولئك الممثلين وتحسس كل ما يحسّون به ويقومون به من أدوار.

هي مرحلة متقدّمة حقا وعجيبة عندما تجمع المنصّة التواصلية بين الحضور المجرّد والتفاعل وبذلك يصبح المشاهد طرفا حيّا في ذلك العالم، مشاركا ومؤثرا ومتأثرا فأنّى له أن يذهب بعيدا.

تقرأ للباحثة دونا فيرا، وهي متخصصة في هذا الميدان قولها إننا في مرحلة الاستحواذ على المشاهد واتخاذه محورا في العملية التواصلية التفاعلية بكل ما تعنيه من هامش مشاركة.

لعلّ طبيعة الاستحواذ على المشاهد هنا سوف تتّسع إلى إدراك وظيفة أخرى لوسائل التواصل الاجتماعي عند إدماجها بالشاشات قريبا فيما تسميه بالغيبوبة الممتعة في وسائل التواصل الاجتماعي وهو ما تتجه إليه الأبحاث المستقبلية لمرحلة ما بعد تجسيم الصورة والاستمتاع بجمالياتها إلى التفاعل في صنعها والعيش في وسط الأحداث.

لعلّ عوامل الجذب التي تنتجها وسائل التواصل الاجتماعي المجرّدة ستختلف كليّا ساعة أن تكون لفيسبوك وتويتر شاشاتهما اللتين توفّران للمشاهد خيارات لا حصر لها وهو الذي تخطط له المنصّتان العملاقتان إلى درجة الاستغناء عن الكثير من مصادر الترفيه إلى منظومة متكاملة سوف تجمع التحاور والتواصل مع الأصدقاء، المحادثات، الاتصال الصوتي والصوري، تبادل مقاطع الفيديو، تتبّع الأخبار التي تخص المتلقي أن كانت سياسية أو رياضية أو علمية أو فنية أو تجارية أو غير ذلك فضلا عن التعامل مع منتجات الترفيه على أنها مشروع مشاركة والوصول بالفرجة إلى مستويات غير مسبوقة.

هي مرحلة مفصلية تكون قد قطعتها وسائل التوصل الاجتماعي ولا نريد أن نستخدم هنا كلمة “ثورة” فثورة الاتصالات على جميع المستويات تشتمل على الكثير من المستحدثات، مما لا يحيط به مصطلح واحد لسبب بسيط هو أنّها قابلة للانفتاح على المزيد من المزايا والتطوّرات التي ربما كانت وإلى وقت قريب ضربا من الخيال، ومن ذلك الاستحواذ على مشاهدين سيعيشون غيبوبتهم الممتعة في أي وقت يشاؤون.

كاتب عراقي

18