غيرة

الأربعاء 2015/09/23

تـغار.. يشعل رأسك ألف سؤال وسؤال يحرمك النوم ويأتي على تفاصيل يومك.. تحس أنك لم تعد أنت نفسك.. أصابعك ليست تلك التي كانت تمسك بزمام أوتارها كل يوم لتعزف العشق إبداعا يتمايل على إيقاع روعته الآخرون.. فأين منك كل هذا وقد احتلت الغيرة مساحات أفكارك وغدت القضية الأولى في حياتك؟.. ربما تحس بالصغـَر أمام نفسك التي تحترم ويحترمها الآخرون.. فكيف لك أن تغادر هذا الشـَرَك وأنت لم تعد تقوى على إسكات ما يهمسه في أذنك الوسواس الخناس؟..

تحدثك نفسك وأنت تبرر جنونك بأنها امرأة لا تشبه النساء.. وأنك ما إن عثرت عليها حتى أحسست بأنك امتلكت أخيرا ناصية الحلم الذي جعلتك خيوط شيبك تقلع عنه منذ زمن.. لكنها بانتباهة عابرة منها أعادت إليك إحساسك الهائل برجولة أخفيتها عن نفسك عامدا أو دون قصد.. فتروح تتلمس نبضك وهو يعلو لتسترجع معه شبابا تجدّد على يديها.. وتصدّق أنك استعدت روحك من خريف أزاحه ربيع يتفتح.. لكنها رجولة لا تشبه أول العمر!.. فهي تخفي وراء نضجها وحكمتها ووقارها شعورا مريعا بعدم الثقة بالنفس وبالآخر أيا ما كان ومهما كان.. أنثى أو ذكرا أو حتى طفلا!..

وإذ تحس أن روحك غدت ذئبا جريحا يعوي تحاول أن تطمئنها أنك بخير وأن الأخرى التي تحب وعليها تغار إن هي إلا عاشقة تذوب حبا ما إن يتسلل إليها حرف يتيم منك.. ناهيك عن رنة هاتف ستتبعها نبرة صوتك التي تحييها وإن كانت رميم!..

فتهتف إليها.. تحاول أن تدثر أفكارك بشيء من الطمأنينة وأنت تغدق عليها أسئلتك.. لعلها تجيب بما يثلج الصدر الذي اشتعل رغبة أو بما يبعث الدفءَ في برد أعضائك المرتجفة.. تبدأ حوارك بحنو وأنت تخفي خوفا وغضبا وإحساسا قاتلا بحق امتلاكها.. بماضيها وحاضرها وآتيها.. فأنت تخاف عليها وتخاف افتقادها.. مثلما تخاف على قلبك منها!..

تصر بينك وبين نفسك على أنك لن تدعها تفلت من بين أصابعك مهما كانت التضحية.. لكنك ستحاول فقط أن تعيد تشكيل القليل مما قد لا يعجبك فيها.. وتصوغ تصرفاتها وردود أفعالها وعلاقاتها وما تأكل أو تشرب أو ترتدي.. وتبرر مغالاتك بالقول “هي أصغر مني وستعي وتفهم حرصي عليها.. ثم إن النساء يعشقن من يغار عليهن!”.

تنسى في غمرة انفعالك أنها امرأة لا تشبه النساء.. وتغفل في خضم لعبة الغيرة أنك تسرّب إليها إحساسك بالشك الذي يجرح كرامتها ويهينها.. لا تعير اهتماما لما حدثتك به في أول لقاء بأنها لا تحب الرجل الغيور ولا الرجل الذي يشعرها بالغيرة!.. فالأول قد يستمرئ اللعبة فتتحول إلى شك وامتلاك خانق.. والثاني سيضعها في منافسة ومقارنة مع أخرى مما يعني أنه لا يحبها ولا يقدرها حق قدرها.. وفي الحالتين.. تصبح منزلة الحبيب أدنى.. وتنكسر بين الحبيبين هالة الاحترام..

ها أنك تنهال عليها بالأسئلة مثل محقق.. وتملي عليها شروط التعامل معك ومع كل من عرفـَتْ وتعرف قبلك وبعدك.. ودون أن تعي ينفلت من بين شفتيك غضب يحرق أي إحساس ببقاء الحب.. ألم تسمع يوما ما قيل بأن الحب بلا كرامة مرض؟.. وأن امرأة مثلها لا تشبه النساء.. لا يمكن أن تحيا إلا بحب معافى؟..

21