غيرة الآباء من الأبناء سلوك شاذ يحفظ ولا يقاس عليه

الخميس 2014/11/13
غيرة الآباء سلوك مرضي يؤدي إلى عواقب اجتماعية وخيمة

القاهرة - أحداث كثيرة تؤكد أنه في حالات كثيرة يغار الأب من ابنه من خلال بعض المواقف الخاصة؛ فقد تكون زوجة الأب شابة والابن يكون شابا، ففي هذه الحالة يغار الأب إذا شعر بالود بين زوجته وابنه الذي توفيت أمه، ويغار الأب أيضا إذا شعر أن ابنه يستولي على اهتمام زوجته ويشغلها عنه، فهل يمكن أن يغار الأب من ابنه؟ وهل يعتبر هذا الشعور ظاهرة اجتماعية أم حالة خاصة لا تتكرر كثيرا؟

“م.أ” ربة منزل، كانت تحلم بعد حصولها على شهادتها الدراسية أن تقابل فارس أحلامها الذي يحبها ويهتم بها، فقد كانت الابنة الوسطى في أسرة مكوّنة من خمسة أبناء، ولكن الاهتمام كله كان منصباً على الأخ الأكبر، ولم يكن لها اعتبار ولا يأخذ أحد برأيها في المنزل، لذا فقد كانت تشعر دائما بأنها مهملة، وعندما تقدم شخص للزواج منها شعرت بأنه سيكون تعويضاً عما عانته من حرمان وإهمال في منزلها، كان خطيبها عطوفا حنونا يحبها بجنون وعاشت معه في سعادة، بل وتمنت اليوم الذي سيتزوجان فيه ثم كان منزلهما البسيط كالجنة بالنسبة إليهما وعاشا معا في سعادة، كانت فرحتهما عظيمة وكان زوجها يتمنى دائماً أن يرزق بأطفال وأن يكون أباً، فهو يعشق الأطفال، وحينما جاء الطفل الأول فرح به بشدة وأولاه عطفه وحنانه وسرعان ما أنجبا الابن الثاني فالثالث، وانشغل الزوج في دوامة الحياة وأعبائها وبدأ يحاول توفير ما يلزم أسرته الصغيرة فانشغل بمسؤولياته عن زوجته، ومع الوقت بدأت الزوجة تشعر بأنها قد عادت مرة أخرى بلا قيمة، وشعرت بأن السبب في ذلك هم أبناؤها، فقد أخذوا منها حب واهتمام زوجها واضطروه للعمل الإضافي ليكفي حاجاتهم وشغلوه عنها، وبدأت تشعر بالغيرة الشديدة كلما وجدت زوجها يحادثهم ويلاعبهم ويهتم بهم، بل كانت تفتعل المشاجرات مع زوجها وانقلبت حياتهم الهادئة إلى حياة مليئة بالمشاكل والمشاحنات، وأخذت تفرغ غيرتها وغضبها على أولادها، فكانت تثور وتغضب عليهم وتنهال عليهم بالضرب المبرح لأقل صوت يصدر منهم، ووصل بها الأمر حد حرقهم في أماكن متفرقة من جسدهم بطريقة مستترة حتى لا تظهر لوالدهم، وكانت تهددهم بأنهم إذا أخبروا والدهم بضربها لهم ستقوم بمعاقبتهم، ومع مرور الوقت وصلت حالة أحد الأبناء إلى الاكتئاب.

وقت الاعتداء يكون فيه الإدراك مشوشا، وبعدما يعود الإنسان إلى حالته الطبيعية ويكتشف ما قام به من جرم، يشعر بالذنب ويلوم نفسه

يقول “س.م”، طالب بالجامعة: أعيش في أسرة مكوّنة من أربعة أشقاء وكانت أمي تحبني بشدة، فأنا ابنها الأول الذي جعلها تشعر بالأمومة لأول مرة في حياتها، ولكن كان أبي يقسو عليَّ إلى درجة أنه قام بطردي، وقام بمنع أمي من زيارتي وهددها بالطلاق إن قامت بالبحث عني، فلم تجد أمي الضعيفة مفراً من القبول بالأمر الواقع والخضوع لجبروت الزوج المستبد، هل يمكن أن يصدق أحد أن والدي كان يغار مني إلى حد الكراهية أنا حتى الآن. لا أصدق ذلك؟! فقد قررتُ أن أعيش عند أحد أصدقائي لفترة ثم انتقلت إلى أحد أقاربي أعيش معه، واشتغلت أثناء دراستي وتركني أبي وحيداً حتى توفيت أمي، ووجدتُ والدي يعود نادما طالبا مني أن أسامحه، فلم أملك إلا الهروب منه.

ويقول الدكتور مصطفى كامل، أستاذ علم النفس: إن هذه الظاهرة تعود لحالات شاذة جدا داخل مجتمعاتنا العربية، لكونها تخلص إلى إيذاء الآباء لأولادهم الذين يعدون أغلى ما لديهم، وقد تتعدد عملية إيذاء الآباء للأبناء، فتنتقم الأم من أبنائها بسبب الغيرة من تعامل الأب لهم بصورة تحسّ بأنه يفضّلهم عليها، وهناك غيرة زوجة الأب وهي الأكثر شيوعا فتصل إلى الانتقام أيضاً، هذه السلوكيات من شأنها تشويه إدراك الأب فيرتكب جريمته بهدف الانتقام من زوجته في أولادها، فهذه الحالات تكون مرضية لا يمكن أن تكون قاعدة، كما أن وقت الاعتداء يكون فيه الإدراك مشوّشاً، ولا يدرك الإنسان من خلاله ما يفعله وبعدما يعود إلى حالته الطبيعية، ويكتشف ما قام به وما ارتكبه من جرم يشعر بالذنب ويلوم نفسه، وقد يصل الأمر ببعضهم إلى محاولة التخلص من حياته عقاباً لنفسه على ما ارتكبه من آثام.

فيما يقول الدكتور محمد ياسر الخواجة، أستاذ علم الاجتماع عن ظاهرة غيرة الآباء من أبنائهم: إن هذه النوعية من السلوكيات تُعد حالات شاذة، وهو ما يؤدي إلى التأثير السلبي على علاقتهما ببعضهما البعض ونشوب الخلافات بينهما، وقد يصل بأحدهما الأمر إلى تعذيب ما يعتقده من وجهة نظره سبباً لهذه المشاكل والخلافات الشديدة والتي لم تكن موجودة من قبل، فيحاول الانتقام ممّن سبب هذه المشاكل، وهذه الظاهرة الشاذة قد تكون نتيجة حدوث الأزمة الاقتصادية والتدهور الأخلاقي والقيمي داخل المجتمع والبُعد عن القيم الدينية، كما أن هذه الظواهر أيضاً وافدة إلينا وليست جزءاً من ثقافتنا داخل المجتمع العربي، وتؤدي إلى عواقب وخيمة فتدمر الأسرة وتفككها، وتؤثر تأثيراً سلبياً على المجتمع ككل، وتؤدي إلى نشر الرذيلة وتؤثر على الأبناء والزوجة أو الزوج، وبالتالي تؤدي إلى حدوث التفكُّك والانحلال وهدم البنية الأساسية للمجتمع، وهي الأسرة.

21