غيرة الطفل قليلها مفيد وكثيرها يسبب المرض العضال

تبدأ الغيرة لدى الأطفال في سن مبكرة، ويعبر الطفل من خلالها عن تعلّقه بالأم أو الأب أو الشخص المقرب إليه، حيث يكون الطفل في قلق دائم بسبب خشيته من مَيْل من يحب إلى طفل آخر يشاركه في حبّه، حتى لو كان أخا شقيقا أو توأما أو قريبا من العائلة أو حتى دمية.
السبت 2016/04/09
غيرة الطفل تقتل ثقته بنفسه

الغيرة لدى الطفل لها جانب إيجابي حين تكون في حدود معينة، إذ تفيد في شحذ همّة الطفل ومواهبه للتفوق على غيره لكسب إعجاب المقربين منه، كالأم والأب والعائلة والمربية في الروضة. وتتعدّى الغيرة لدى الطفل في حالات كثيرة حدودها الطبيعية، فتتسبب في الإزعاج للأهل والمربين، وتصل حدّ الإيذاء البدني للطفل المنافس في بعض الأحيان.

ووجد باحثون في جامعة كاليفورنيا بمدينة سان دييغو الأميركية أن الغيرة تبدأ في وقت مبكر لدى الطفل، وحددوا بداية مشاعر الغيرة التي تظهر لدى الطفل بشكل بدائي منذ الشهر الأول، إذ يحاول الطفل استبقاء والدته إلى جواره وإثارة اهتمامها به، لإبعادها عن الانشغال بأيّ شيء غيره، وتظهر غيرة الطفل بشكل واضح في الشهر السادس، كما أشار البحث المنشور في مجلة بلوس الأكاديمية العلمية.

وأوضحوا في تجربة عملية أجروها على طفل رضيع في شهره السادس مع أمه، حيث وضعوا خلالها دمية على هيئة طفل طبيعي في حضن الأم، وطلبوا منها أن تتفاعل مع الدّمية تفاعلا اجتماعيا.

وأشارت التّجربة أيضا إلى أن الطفل لا يشعر بالغيرة حينما تتعامل الأم مع أشياء لا تمثل منافسا للطفل، كالمكنسة الكهربائية والوسائد والكتب، وغير ذلك من مجسّمات لا يفهمها الطفل الرّضيع.

واستنتجوا من خلال العديد من التجارب التي أجروها أن الطفل لا يغار من الدّمية لما تجسّمه من شكل لطفل، بل تثير غيرته العلاقة الاجتماعية التي يراها تنشأ بين أمه وتلك الدّمية. فالدّمية لا تمثل له شيئا ملفتا، وهي ملقاة إلى جانب السرير، لكنها تصير مدعاة لقلقه حين تضعها الأم على صدرها، وتدلّلها كما تفعل معه، وعندها يحاول لفت انتباهها بالبكاء أولا ثم ببذله محاولات لمهاجمة الدّمية بحركات فوضوية.

ويرى الباحث التربوي عبدالعزيز الخضرا “أن الغيرة لدى الطفل سببها الأنانية الناشئة للحفاظ على الذات، فالطفل يحاول أن يحصل على أكبر قدر من اهتمام والديه بهذه الوسيلة. وعندما يكبر تكبر معه الغيرة بسبب التربية الخاطئة من قبل العائلة أو المربين، لأنهم لم ينموا لديه شعور الثقة بالنفس”.

ويرى الخضرا أن علاج الغيرة لدى الطفل يبدأ بعدم معاقبتة الطفل حين يخطئ أو يفشل في تحقيق ما يُطلب منه بذكر مناقب إخوته أو أصدقائه ونجاحاتهم، وضرورة التوضيح له بأنه مقبول ومحبوب لدى والديه كغيره من أفراد الأسرة، ولا يعني تفوق غيره أن ذلك سيقلل من تقديره عندهما.

ويقول الباحث والمعالج النفسي الدكتور عبدالكريم عطا “الغيرة مسألة طبيعية لدى الطفل، وتكون إيجابية في حدها الأدنى، لأنها بوصلة ضرورية نحدد من خلالها نمو ذهنية الطفل، وتكامله العقلي والنفسي بشكل طبيعي. ولكن الغيرة كوضعية انفعالية تنمو بشكل مرضي لدى الطفل عندما يفشل في مواجهة الوضعية الطارئة المهددة لوضعه الملائم والناجح. فغيرة الطفل قليلُها مفيد وكثيرُها يسبب المرض العُضَال”.

الطفل لا يغار من الدّمية لما تجسّمه من شكل لطفل، بل تثير غيرته العلاقة التي يراها تنشأ بين أمه وتلك الدّمية

الغيرة تظهر في أربع مراحل، المرحلة الأولى تبدو كظاهرة شخصية إدراكية ضمن سيرورة نفسية دائرية تتضمن مكونات التغذية الرجعية (Back-Feed) والخصائص البيئية الخارجية ثم الخاصيات الفسيولوجية والنفسية الداخلية. وتتميز المرحلة الثانية بمحاولة إدراك الطلب وإمكانية المواجهة لنيله، وتشكل المرحلة الثالثة مجموع الوسائل، التي يتوفر عليها الطفل لمواجهة الموقف وحسمه لصالحه، أما المرحلة الأخيرة، فتتعلق بنتائج سيرورة التكيف، وقد تكون النتائج مؤذية للذي يظنه الطفل خصما. ويكون في العادة خصوم الطفل إخوته، فعندما لا يجد اهتماما من الوالدين، تقل ثقته بنفسه، ويؤدي به لأن يتصرف بعدوانية تُجاه إخوته لجذب الانتباه إليه.

ويضيف الدكتور عطا عما تسببه الغيرة لدى الطفل من ضغوط انفعالية تؤدّي به إلى الإصابة بأمراض عضوية مستقبلية، فيقول “تظهر الاضطرابات النفسية الفسيولوجية في كثير من أجهزة الجسم وأعضائه وفي مقدمتها جهاز الدوران (ضغط الدم) والجهاز التنفسي (الربو والتهاب الجيوب الأنفية) وفي الجلد تظهر في صورة التهاب الجلد (الأكزيما والصدفية) كذلك تظهر في صورة تضخم الغدد والبول السكري، وفقدان الشهية العصابي، والشراهة والبدانة.

وتعتبر الغيرة من الاضطرابات السيكوسوماتية، وهي اضطرابات عضوية يلعب فيها العامل الانفعالي دورا هاما، وعادة ما يكون ذلك من خلال الجهاز العصبي اللاإرادي هذا من جهة، أما من جهة أخرى فعندما يواجه الجهاز العضوي بالمواقف التي تدعو للغيرة والمواجهة، فإنه يدافع عن نفسه بإفراز سلسلة من الاستجابات الفسيولوجية، فهو يرفع من إفراز بعض الهرمونات مثل الكورتيزول والأدرينالين.

وللحد من مشاعر الغيرة لدى الطفل يوصي الدكتور عطا بمعاملة الأطفال الإخوة بذات الطريقة من المودة والاهتمام، وزرع روح الأمل في نفس كل واحد منهم بعد أي محاولة فاشلة لأي منهم، والإشادة بكل عمل يؤدونه، وفيه إيثار وتقديم للغير على النفس، وإشغال الأطفال بنشاطات وألعاب جماعية، يكون لكل واحد منهم دور فيها، وخلق روح التنافس الشريف بينهم خلالها، وعدم تذكير أي منهم بعمله الفاشل، ومقارنته بما أحرزه أخوه من نجاحات، وزرع روح الثقة في كل واحد منهم، وعدم تفضيل الذكور على الإناث أو الصغار على الكبار أو بالعكس في المعاملة اليومية.

كما أثبتت الدراسات أن الكلام عن المعاملة بالمثل لا يعني شيئا للطفل، لأنَّ الطفل يريد أفعالا مرئية لا أقوالا، فحين يقول الأهل إنهم يحبون جميع أطفالهم بالمقدار ذاته، عليهم أن يبرهنوا على ذلك بالفعل المادي اليومي، لأن الفعل هو الذي سيرسخ في أنا الطفل وليس الكلام، كما أن الاستقامة في التعامل، وعدم الكذب هما الوسيلتان الناجعتان للأبوين لتربية أطفال أسوياء.

21