غيرتني الفلوس

الإنسان لا يساوي ممتلكاته بل ديونه مع البنوك.
الثلاثاء 2021/06/22
هل غيّرتك الفلوس

كم أتمنى أن يعترض سبيلي أحدهم ويعاتبني بقوله “لقد غيّرتك الأموال يا صاحبي” ثم أصطنع الخجل وأردّ ” لا يا رجل.. لا تظلمني أرجوك.. والله ما زلت على بساطتي.. آكل الطعام وأمشي في الأسواق.. الفلوس وسخ الدنيا”.

نعم، ما زلت أمشي في الأسواق وأتبادل التحيات مع الأصدقاء الفقراء والمفلسين، أربّت على أكتافهم وأتمنى لهم الثروة وطيب العيش والصحة الدائمة في الوقت الذي يتمنون أن يأخذ الله أمانته دون ضجة أو فضيحة.

فاجأني رفيقي اليساري بهذه العبارة “كم غيرتك النقود يا صاحبي”. خجلت من عتابه وأنا أتحسس حذائي الجديد الذي قادنا إلى مقهى فاخر. عزمته على ما تيسر من الشراب البارد المنعش وسط هذا الحر الشديد، كي أؤكد له أن النقود لم تغيرني.

استمعنا إلى أغنية “الأماكن كلها تسأل عليك” ثم هممنا بالمغادرة بعد أن دفعت الفاتورة مع بعض البقشيش.. ولتذهب الفلوس التي تغير الرجال إلى الجحيم.

وصلنا إلى الباركينغ، فكبس صاحبي بزر لتنفتح سيارة شديدة الفخامة والرفاهية. قال: أين سيارتك؟ فأجبت ممازحا بأني أحب المشي.. والفلوس طبعا.

ركبت إلى جانبه ثم قلت لنفسي وأنا أرتدي حزام الأمان: لماذا يسمي الفقراء هذا الشيء بـ”حزام الأمان”؟

فتح صديقي آلة التسجيل في سيارته على الكثير من أغاني المعاناة والالتزام. شكرته لوفائه وإخلاصه لتلك المرحلة.. فعلا إنه رجل لم تغير الأموال والأيام في ذائقته.

أوصلني إلى الحي الشعبي العريق ونزلت من تلك المركبة تحت عيون جيراني من العطارين والخضريين، وبائعي التبغ والأشياء الأخرى. علق أحدهم وأنا أنزل السيارة “أخشى أن تغيّرك الفلوس يا جار”.

شكرت صديقي الذي لم تغير من ذوقه الغنائي الأموال، ونزلت ثم مضى بسيارته “الشبح” على أنغام الأغنية الملتزمة.

جلست إلى الكمبيوتر لكتابة هذه الزاوية، وقد “غيرتني الأموال”.

تذكرت المثل العربي الشائع القائل على مختلف اللهجات “اللي يدري يدري، واللي ما يدري يقول كف عدس” أو “سبول” (أي سنابل) كما يقول المثل التونسي.

وقصة المثل أن أحدهم قد وجدوه متلبسا مع عشيقة له في بندر الحبوب، لاذ بالفرار، لاحقوه فهرب مسرعا، وكلما سأله واحد في الطريق عن سبب هذا الركض الشديد قال لهم وهو يلهث “اللي يدري يدري، واللي ما يدري يقول سبول”.

غيرتني الفلوس حقيقة، بدليل أني تخفيت خلف حذاء جديد وابتسامة ملاطفة ثم مضيت أمشي في الأسواق لا ألوي على شيء.

الذي دفعني إلى كتابة هذه السطور هو تعليق الفنان التونسي المبدع سمير العقربي على “ستاتوس” أشكو فيه من وحشة الصديق والطريق “إن الإنسان لا يساوي ممتلكاته بل ديونه مع البنوك”.

24
مقالات ذات صلة