"غيرنيكا" فيلم أسباني يلتقط لحظات ما قبل المجزرة

الجمعة 2016/08/12
طيش رومانسي نمطي

أنهى هذا العام المخرج كولدو سييرا فيلمه “غيرنيكا” عن القرية الصغيرة في إقليم الباسك، حيث تدور أحداث الفيلم أثناء الحرب الأهلية الأسبانيّة، وقد بدأ سييرا العمل على الفيلم منذ عام 2012، جامعا شهادات من عاشوا القصف النازي على المدينة، ومقاربا حكاية الصحافي جورج ستير حينها، الذي زار القرية بعد قصفها بقليل.

ومع ذلك نشاهد في الفيلم قصة صحافي أميركي مسؤول عن تغطية الحرب الأهلية في أسبانيا، والذي بالرغم من شهرته الذائعة كمراسل حرب، إلاّ أنه يملّ من عمله ويرى أن لا أهمية له، إلى درجة أنه يؤلف القصص من خياله. وأثناء عمله تدور بينه وبين إحدى المترجمات في المكتب الصحافي الذي يسيطر عليه الشيوعيون قصة حب، تنتهي باتهام المترجمة بخيانة الثورة السوفيتية، وحبسها في قرية غيرنيكا بالتزامن مع القصف النازي، ما يدفع الصحافي الأميركي إلى السعي وراءها لإنقاذها.

وبالرغم من حساسية الموضوع الذي يتناوله الفيلم، إلاّ أننا لا نجد فيه ما هو مميز على صعيد الإخراج، وكذلك السيناريو والحوارات بين الشخصيات، إذ يمكن التنبؤ بما ستقوله، ومع أن الفيلم يتناول كواليس التغطية الصحافية للحرب الأهلية ومشاكل الرقابة السوفيتية والعلاقة مع الفاشيين، إلاّ أن الشخصيات ضمن هذه الفضاءات نراها نمطيّة وسطحيّة تفتقر للعمق الكافي، حتى العلاقة بين الصحافي الأميركي والمترجمة الأسبانية، نراها نابعة من الانجذاب الخلاب للمترجمة تجاه كاتب مشهور، وأقرب إلى طيش رومانسي نمطي.

والعمل كله يسير مرتبكا نحو الدقائق العشر من الفيلم التي تلتقط لحظات قصف غيرنيكا من قبل النازيين، وعرض مشاهد الموت والخراب التي تركت سكان القريّة مشدوهين، إلى جانب محاولات إنقاذ المترجمة التي تفارق الحياة بسبب القصف من خلال شظيّة، ليجد المراسل الأميركي نفسه أمام قصة صحافية ستدخله التاريخ، بوصفه شهد مجزرة غيرنيكا وخسر المرأة التي أحب.

يبدو فيلم “غيرنيكا” باهتا، إذ يخالف بشدّة التوقعات التي من الممكن أن يحملها فيلم بهكذا عنوان، وخصوصا أن المخرج اختار أن يكون الصحافي أميركيا، لا بريطانيا كما حصل في الواقع، إذ صرّح بأنه حاول أن يجعل الشخصية تجمع بين ثلاثة شهدوا الحرب الأهلية الأسبانية: إرنسيت هيمنغواي وجورج ستير وروبيرت كابا.

وسعى المخرج أيضا إلى أن يجعل فيلمه يشابه أجواء فيلم “كازبلانكا” الشهير، لكن النتيجة كانت عكس ذلك، لنرى أنفسنا أمام عمل فني يحاول أن يحاكي بسذاجة الحدث التاريخي، لكنه يفشل في التقاط جوهر الخسارات، لتبدو الحكاية واهية، تنتهي بـ”الأميركي” البطل الذي نجا من بطش السوفييت والقصف النازي، وسيعمل على تخليد ما شهده سردا أدبيا وصحافيا، عملا بوصيّة من أحب، حيث لقنته وصيتها أثناء موتها بين ذراعيه.

ينتهي الفيلم بمجموعة من اللقطات من الفيلم ذاته، تتقارب لتكوّن غيرنيكا بيكاسو، ليبدو الفيلم عملا بصريا سينمائيا يحاول تكوين المرجعية البصرية لغيرنيكا بيكاسو، عبر خلق حكايات لصور جديدة، مختلفة عن تلك التي استخدمها بيكاسو نفسه، سواء من المقالات أو زيارته للقرية أو من أفلام لويس بونويل.

وأتت اشتغالات المخرج الأسباني والشهادات التي جمعها أشبه بعملية صناعة وتفكيك لمشاهد جدارية بيكاسو التي سينتهي العمل بها، وكأن ثقل وهالة عمل بيكاسو لا يمكن تجاوزهما، بوصف لوحته محفورة في الذاكرة، حيث لا يمكن إعادة خلق ما هو أشد سطوة منها بصريا، وخصوصا في تاريخ الإنسانية الجمعي عن الحرب الأهلية الأسبانيّة.

16