غيض من فيض جرائم الجزيرة في ليبيا

الجمعة 2017/07/14

في الساعات الأولى لأحداث ليبيا في العام 2011، بثت قناة الجزيرة شريط فيديو لعدد من العسكريين النظاميين وهم يتحدثون لجهة غير ظاهرة في الصورة، ثم عرضت جثثهم مرمية على الأرض، وقد تبين منها أنهم قتلوا بإطلاقات على الرأس من الخلف.

وقالت القناة القطرية إن نظام معمر القذافي هو الذي أعدمهم لأنهم رفضوا تنفيذ أوامره بالتصدي للمحتجين السلميين، ولكن مشاهدة الفيديو كاملا عبر يوتيوب تبرز أن الضحايا كانوا قد أسروا من قبل تنظيم القاعدة الذي حقق معهم، ثم قام بتصفيتهم بشكل وحشي بتهمة المشاركة في التصدي لمخططاته وملاحقة عناصره الإرهابية بمنطقة الجبل الأخضر، وقد وجد الفرصة ملائمة للانتقام منهم في ظل حالة الفوضى التي شهدتها البلاد.

يوم 22 فبراير 2011، بثت القناة القطرية شريط فيديو للعشرات من المتمردين وهم يضربون ويرجمون مجندا شابا من ذوي البشرة السمراء وهو يرتدي بزة عسكرية، وقد تعمدت كتم الصوت، بينما كان تقريرها الإخباري يتحدث عن “قبض الثوار على أحد المرتزقة الأفارقة التابعين للنظام”.

بعد ذلك ظهرت الصورة الكاملة، فقد تم تعليق الشاب في أحد جسور بنغازي، ثم سُلخ جلده وقُطّع لحمه وهو حي، ليتبين أنه ليبي الجنسية اسمه هشام شوشان، من مدينة العجيلات غربي البلاد، وكان في بنغازي ليقضي فترة التجنيد الإجباري، أما لماذا كتمت الجزيرة الصوت، فلأنه كان يتكلم بلهجة ليبية ويصرخ مدافعا عن هويته الحقيقية.

قبل تلك الحادثة بيومين، كانت قناة الجزيرة القطرية تخصص مساحات البث للحديث عن هجوم جوي ينفذه الطيران الحربي الليبي على متظاهرين في عدد من المدن من بينها العاصمة طرابلس، وكان هناك من يتدخل بالهاتف ليقول إنه شاهد طائرة إسرائيلية من نوع أف 16 تدعم النظام، وأن هناك المئات من القتلى والمصابين، ثم يتبين لاحقا أن النظام الليبي لم يستعمل مطلقا الطيران في قصف المحتجين، وأن شاهد العيان كان يتحدث من شقة في حي النصر بتونس العاصمة، وقد تم تكليفه مع العشرات غيره، من قبل جماعة الإخوان المسلمين، بالتدخل على أنهم يتحدثون من الداخل الليبي.

بعد 20 يوما من انطلاق الأحداث في ليبيا، كانت قناة الجزيرة تؤكد أن عدد القتلى في بنغازي وصل إلى 10 آلاف قتيل، بينما أكدت المعطيات الرسمية في ما بعد أن العدد لم يتجاوز المئتين وأن أغلبهم من عناصر النظام الذين تولت الجماعات الإرهابية تصفيتهم.

ويأخذ الوضع بعدا أشد دراماتيكية، عندما اكتشف العالم بعد 2011 أن المئات من الليبيين من ذوي البشرة السمراء تمت تصفيتهم بدعوى أنهم مرتزقة أفارقة، وأن النظام لم يعتمد أصلا على المرتزقة الأجانب عكس ما روجت له قناة الجزيرة، وإنما العكس هو الصحيح.

فقد استعان المتمردون الإسلاميون الليبيون بمسلحين من جماعة الإخوان وتنظيم القاعدة وحركة حماس وحزب الله وغيرهم، دخلوا الأراضي الليبية للمشاركة في حرب الإطاحة بنظام معمر القذافي، في ظل مخطط قطري كان يهدف إلى وضع ليبيا بين أيدي حلفائها المتشددين.

لم تقف أكاذيب القناة القطرية عند هذا الحد بل تحدثت عن اغتصاب الآلاف من الليبيين من قبل عناصر النظام وعن تنظيم جلسات اغتصاب انتقاما من الثوار في مصراتة ومدن ليبية أخرى.

ولكن بعد أشهر من الإطاحة بالقذافي، تأكد أنه لم تسجل حالات الاغتصاب تلك، وإنما الحديث عنها كان جزءا من التجييش الإعلامي الذي عرفت به الجزيرة انطلاقا من إن الجماعات الإسلامية ومنذ حرب أفغانستان الأولى وهي تعتمد على أكذوبة “اغتصاب المحصنات”، لاستدرار العطف الشعبي في الدول الإسلامية.

وقضية الاغتصاب لها رمز اسمه إيمان العبيدي، التي كانت قناة الجزيرة تقدمها على أنها أيقونة الثورة والثوار، وقد كانت تعيش في غرب البلاد فرارا من أسرتها وقبيلتها في المنطقة الشرقية.

وفي 26 مارس 2011 تم الدفع بها إلى مؤتمر صحافي في طرابلس، لتعلن أنها اغتصبت من قبل كتائب القذافي، فأثارت ضجة على الصعيد العالمي بأسره، وتم توقيفها من قبل النظام آنذاك ليطلق سراحها بعد ساعات قليلة، ومن هناك غادرت ليبيا نحو تونس، ثم تم ترحيلها إلى الدوحة لتعامل معاملة القائدة الثورية، ولكن في 2 يونيو 2011 طردت السلطات القطرية ضيفتها، ورحلتها في طائرة عسكرية نحو بنغازي.

وقال ممثل المفوضية العليا لشؤون اللاجئين التابعة للأمم المتحدة في واشنطن، فنسنت كوشيتيل، لوكالة الأنباء الفرنسية إن إيمان العبيدي لم تكن تريد العودة إلى ليبيا خوفا على حياتها، وصرحت العبيدي لقناة سي إن إن بأن السلطات القطرية صادرت كل شيء منها ومن والديها، بما في ذلك الهواتف الخلوية والكمبيوتر المحمول وبعض الأموال قبل أن تتهم المجلس الوطني الانتقالي باستغلالها، قبل أن تشير تقارير إعلامية إلى أنها أحرجت القطريين والليبيين على حد السواء بتصرفاتها الفاضحة، التي فسرها في ما بعد الحكم الصادر ضدها في سبتمبر 2015 من قبل أندرو ماكدونالد القاضي بمحكمة مقاطعة بولدر بالولاية الأميركية، والمتمثل في السجن 6 سنوات رغم أن العقوبة قد تصل إلى 16 سنة، بعد طلب من ممثل الادعاء جوناثان مارتن الذي قال إنه يجب مراعاة تاريخها كلاجئة هربت من ساحة حرب، مضيفا أنها “جرحت سيدتين بشكل عنيف ولذلك يجب معاقبتها ولكن بالحد الأدنى”.

وحسب محاضر الشرطة الفدرالية الأميركية، فإن العبيدي اعتدت في فبراير 2014 على اثنتين من الزبائن في حانة بوسط بولدر، حيث سكبت البيرة الخاصة بها على واحدة، ثم رشقت الأخرى بالكأس ما أسفر عن جرحها، ولم تكن المرة الأولى التي تدخل فيها بعراك في الولايات المتحدة فقد كانت اعتقلت 3 مرات سابقا بسبب السلوك المضطرب ومقاومة الاعتقال والاعتداء.

إن الأكاذيب التي اعتمدتها قناة الجزيرة في ليبيا أكثر من أن تحصى أو تعد، حتى أن القناة القطرية كانت تشارك بدور كبير في صناعة الأكذوبة، ثم تدفع بها للترويج على نطاق واسع، قبل أن يجعل منها حكام الدوحة قرينة سياسية تخدم مصالحهم وحساباتهم في المنطقة، ليس ضد بلد بعينه، وإنما ضد كل من يصطدم مشروعه السياسي والحضاري والثقافي والأخلاقي مع تنظيم الحمدين الإرهابي.

سيذكر التاريخ أن عشرات الآلاف من القتلى، ومئات الآلاف من الأيتام والأرامل، والملايين من المشردين داخل الوطن العربي وخارجه، كانوا ضحايا لقناة الجزيرة، التي تمثل في حد ذاتها منظمة إرهابية مكتملة الصفات، بزعاماتها وقياداتها وغرفها المظلمة وتمويلاتها المشبوهة ومخططاتها الشيطانية وولاءاتها الجهنمية.

كاتب تونسي

9