غيلان الصفدي يطلق حشوده النزقة في أكثر من اتجاه

الفنان السوري يرسم شخصيات تتظاهر بالوجود من العدم.
السبت 2021/07/17
برودة غرائبية على الرغم من الحضور المكثف للألوان الدافئة

ما أن يُذكر اسم الفنان التشكيلي السوري غيلان الصفدي إلاّ وتحضر أجواء المسرح الدرامي/الساخر وكواليسه المليئة بالملابس الملونة والمخملية وروائح رطوبة لم تر الشمس يوما. وهو اليوم إن كان من خلال نشره لأعماله الجديدة على صفحته الفيسبوكية أو عبر مشاركته في معرض جماعي في “سيركال/دبي” يُطلق العنان لحشوده البشرية التي اشتهر برسمها وقد طرأ عليها تطوّر واضح.

يشارك الفنان التشكيلي السوري غيلان الصفدي أصدقاءه ومتابعي نشاطه الفني صورا لأعماله الجديدة على صفحته الفيسبوكية. أعمال تُحدّث عن تطوّر بارز لا علاقة له فقط باستخدام ألوان دون أخرى، أو تبني صيغة جديدة لأعماله التي أنجزها بالأبيض والأسود والمرتبطة بشكل خاص بالمأساة السورية، وإنما إلى ما هو أعمق من ذلك بكثير.

وسبق للفنان منذ فترة قصيرة، أي في أواخر شهر يونيو الماضي، أن شارك في معرض جماعي في “سيركال/ دبي” وذلك لمدة ثلاثة أيام، حيث قدّم مختارات من أعماله الفنية السابقة المشغولة على الورق.

أعمال فنية تُظهر العديد منها حشوده البشرية، التي يُعرف الفنان بها، وقد استحالت العديد من وجوهها إلى شبابيك وقناطر مُطلة على عالم ساخط تنعكس حقيقته في العيون وتعابير الوجوه الذائبة حدودها، والتي تشير إلى تجريدية سيتبناها الصفدي لاحقا في تشكيل معالم وجوه وأجساد شخصياته.

أجساد متراكمة

معظم شخوص غيلان الصفدي لا تبصر إلا عزلتها الشخصية، وهي في عز احتدام بشري ربما يُشبه يوم الحشر

في تلك الأعمال (السابقة التي اختار عرضها في دبي ضمن المعرض الجماعي، والحالية على صفحته الفيسبوكية) يأخذنا الفنان السوري إلى أجواء جميع لوحاته حتى الآن وبشكل عام.

أجواء تتأرجح ما بين المأساوية والسخرية واللامبالاة، وذلك منذ اللحظة التي خرج نصه الفني من دهاليز التابو/ المحظور وتجسيد الممنوعات المجتمعية تشكيليا. أعماله الفنية لا يُملّ منها رغم أنها حافلة بحشود بشرية قليلاَ ما كانت تُغادر لوحاته.

اليوم يعرض على صفحته الفيسبوكية سلسلة من تلك اللوحات، حيث يقف البشر فيها وكأنهم يسيرون لوحدهم بين الناس غير معنيين بما يحدث من حولهم. يسيرون وكأنهم مغروزون في الأرض التي يقفون عليها. لا يتحرّكون، لا يتقدّمون في سيرهم تجاه أي مكان مُمكن أن يكون مشروع وصول له أي أهمية.

معظمهم تتراكم أجسادهم إلى جانب بعضها البعض وبعضها “ترتطم” في ما بينها لتُظهر وجوه تلك الأجساد وكأنها انتبهت للتوّ إلى ناظر مُشاهد اللوحات، أو لنقل “عقلت” نظرته، لأن معظم شخوصه في الكثير من لوحاته تلتفت إلى خارج إطار اللوحة، ولكن لا تبصر إلاّ عزلتها الشخصية وهي في عزّ احتدام بشري ربما يُشبه يوم الحشر، ولكن مع برودة غرائبية على الرغم من استخدامه للألوان الدافئة.

لا حركة في لوحاته إلاّ القلق، السكون في لوحاته هو القلق التي تغور معه العيون تارة وتختفي وتجحظ أحيانا أخرى.

ومن ناحية أخرى، يتفنّن الصفدي، كمن يحاول استنطاق شخوصه عن أحوال طارئة عليها، بابتكار صيغ لا تنضب لحشوده تلك، إما لونيا أو توزيعا للشخوص أو “دسّا” لأفراد نافرين بمظهرهم أو بحركة رؤوسهم. شخوص استطاعت أن تكون مغزى للوحة دون أخرى أو في انطلاقتها السردية الحكائية التي تطال جميع من حضر في اللوحة.

ولا يغيب “مهرّجه” عن تلك اللوحات، وكيف يغيب وهو يكاد أن يكون “خامة” كل شخوصه وصيرورتها؟

فيظهر هنا أو هناك في هذه أو تلك اللوحة وقد أكسبه الفنان ملامح “عادية” مقارنة بما كان يظهر عليه في لوحاته السابقة.

غرائبية عادية

كآبة المهرج تختلط بملل الحشود
كآبة المهرج تختلط بملل الحشود

انخرط مهرج الصفدي مع الجمع بشكل أقوى عن سابق أعماله. أصبح ينتمي لهم وينتمون إليه بشكل كامل، منهم الملوك والصعاليك وجنود الشياطين البشرية، ومنهم الأبطال المهزومون والحالمون، والأقوياء المنكفئون والمتربصون بلحظة وهن ينقضّ بعضهم فيها على بعضهم الآخر.

هذه “العادية” هي تماما ما أضفى على لوحاته المشحونة جوا غرائبيا. فلا غرائبية إلاّ في تماس مع واقع أكثر غرائبية منها يُمكن أن نصف بها عالمنا المعاصر، لاسيما منذ انتشار وباء كوفيد – 19 وتتالي الأزمات الاجتماعية والنفسية والاقتصادية والسياسية تصعيدا حتى هذه اللحظة.

الفنان السوري يُراكم أعماله ليبتكر في كل واحدة فيها فصلا حكائيا مغايرا من ضمن نص فني واحد وموحّد

ولا ننسى أن الفنان مقيم في لبنان، وقد اختار بيروت مكانا لإقامته حيث أسّس مرسما له. وبيروت اليوم كما كل لبنان في أتون أزمات، وبعد مرور سنتين، أصبح بالإمكان إعلانها أزمة وجودية سحيقة.

والفنان السوري الذي اختار بيروت حبا، اختارها في السراء والضراء وأظهر ذلك جليا في أعماله.

ومن ضمن محاولات الفنان في استنطاق شخوصه وتطوير كيانها (من الخارج والداخل) يبادر بإشباع إحدى لوحاته بأحادية لون زهريّ لا علاقة له بوردية المواقف والتجمعات الاحتفالية السعيدة.

وفي لوحة أخرى تغوص شخوصه في زرقة شاملة، هي غيبوبة المشاعر وزرقة الملل من طول الانتظار وربما ملل من العيش بالمعنى المطلق. وفي لوحة ثالثة يعود الفنان إلى استخدامه للون الأسود والأبيض وموشحاته وتقاسيمه الرمادية.

في هذه اللوحة، تتحوّل بعض الرؤوس تارة إلى عيون جاحظة وتارة أخرى إلى ما يشبه فقاعات أو حاضنات أوكسيجين تستدير أطرافها عشوائيا.

وهكذا يراكم الفنان أعماله ليبتكر في كل واحدة فيها فصلا حكائيا مغايرا من ضمن نص فنيّ واحد وموّحد.

وغيلان الصفدي، فنان تشكيلي سوري، من مواليد السويداء في العام 1977، حاصل على ماجستير من جامعة دمشق، كلية الفنون الجميلة، اختصاص التصوير الزيتي.

وهو يُقيم حاليا في بيروت، وله مقتنيات في أكثر من عاصمة عربية وعالمية منها: باريس، بيروت، تونس  والجزائر.

أقام الصفدي ستة معارض فنية فردية، وشارك في حوالي أربعين معرضا جماعيا في ألمانيا، وإيطاليا، والمملكة المتحدة، وأرمينيا، وفرنسا، وتركيا، والكويت، والأردن والإمارات.

وفاز بجائزة تورينو بإيطاليا لأفضل تصميم دمى بمسرحية “خيط حرير – خيال ظل”.

لا حركة في اللوحات إلا القلق
لا حركة في اللوحات إلا القلق

 

15