غيوم أيمن زيدان الداكنة تمطر ألما

فيلم "غيوم داكنة" للمخرج أيمن زيدان يأخذ المُشاهد إلى عوالم غرائبية مليئة بالسخرية السوداء وسط فوضى مكان دمّرته ودمّرت شخوصه حرب قاسية.
الجمعة 2021/03/19
الموت والحنين يعيدان الإنسان إلى موطنه وإن طال الغياب

كما في الأدب يمكن للسينما أن تروي الحكايات بطريقة واقعية سحرية، بحيث تبدو علاقات الناس ومصائرهم معلقة بشعرة تميّز الحقيقي عن المتخيل. وما يزيد الأمر غموضا حالة التشظي التي تولّدها الحروب على البشر والحجر. وفيلم “غيوم داكنة” للمخرج أيمن زيدان يقدّم رواية عن مكان أثقلته الحرب بأحزانها ودمارها.

دمشق- يذهب فيلم “غيوم داكنة” للمخرج أيمن زيدان إلى ظلال الحرب التي تجري في سوريا، فتبدو ملامحها خلفية للأحداث، حيث توجّه العمل نحو بناء خط روائي سينمائي بعيد عن فواجع الحرب المليئة بالدماء والعنف والعتاد العسكري ومشاهد الحرب التقليدية التي غالبا ما تظهر في سينما الحروب.

في فيلمه الأول “أمينة”، عالج المخرج أيمن زيدان الثيمة ذاتها، فقدّم موضوعة الحرب كخلفية للأحداث وحكى من خلال مآلاتها عن امرأة تعاند صنوف القسوة والظلم الحياتي والاجتماعي مع أسرتها. ورصد فيه ما يشبه السيرة الذاتية لحياة أسرة واحدة وتداعيات الحرب عليها في تصاعد درامي ينتهي برسم المزيد من الألم في حيوات الأسرة المنكوبة.

أما في ثاني أفلامه “غيوم داكنة” فمال نحو بناء سيناريو أكثر تعقيدا، فيه نسيج من العوالم الدرامية التي تدور على محور مكاني وزماني محدد. فالشخوص في الفيلم عديدون ينتمون إلى نماذج إنسانية مختلفة وبسويات ذهنية وأخلاقية عديدة.

شخصيات مأزومة

أيمن زيدان: بطل الفيلم عاد ليموت كسمك السلمون في المكان الذي ولد فيه

طبيب مهاجر إلى أوروبا يعيش آخر أيام حياته بعد أن هدّ المرض جسده، فيقرّر العودة إلى بلدته التي خرج منها ليموت فيها كما لو أنها رحم الحياة الذي خرج منه، وشاب عسكري ترك زوجة وابنا في عهدة والده المسن وغابت أخباره عنهم بسبب الحرب والحصار. وعاشقة تراهن على حبّ شاب مراوغ لا يرى فيها إلّا مصدرا للمال الذي تسرقه من أخيها المشلول وزوجته.

وتحضر شخصية المدرّس صفوان بشكل لافت وهو الذي فقد عقله بعد أن قتلت زوجته وطفله في الحرب، فصار نصف عاقل ونصف مجنون، وزوجة تقتات على الحزن والوحدة، وهي تعيش حياة صقيعية إلى جانب زوج مشلول تعويضا عن أزمة ضمير تعيشها تجاهه.

في الفيلم تلوّن درامي يأخذ المُشاهد إلى عوالم غرائبية مليئة بالسخرية السوداء وسط فوضى مكان دمّرته ودمّرت شخوصه حرب قاسية.

“غيوم داكنة” يبحث في حيثيات الفكر الإنساني وما يمكن أن ينتظره من الغيم الذي هو مبعث المطر والخير، كما يفترض، لكن هذه الغيوم تصل إلى الناس حاملة المزيد من الوجع الذي تشاركوا في معرفته والعيش في ظلاله لمدة عشر سنوات عصيبة.

يبدو المكان في الفيلم وهو قرية مدمّرة سيّد الموقف، فهو الوجدان الذي تتهاوى إليه كل المصائر، فالقرية ليست وحدها المدمّرة، بل الشخوص الذين كانوا وما زالوا يعيشون فيها، فالبيوت يمكن أن تعمّر من جديد، ولكن ماذا عن الإنسان؟ هل سيتمكّن من إعادة بناء بيته بعد أن دمّرته الحرب، أم أنه مطالب أولا ببناء ذاته التي سحقتها الحرب، فالخراب المحيط بكل مشهد في الفيلم هو انعكاس على الخراب الذي صار في جوانيات شخوص الفيلم.

شخصية الطبيب أحمد (وائل رمضان) حملت علاقة حميمية مع الماضي والجذور، وحنينا إليهما، فالإنسان ابن ماضيه، والوطن هو الرحم الذي يخرج منه الشخص والذي لا يمكن أن يفقد صلته به مهما تراكمت السنين وعمّقت حواجزه الحدود الجغرافية.

أحمد بما يحمله من تكوين حياتي صار ابن الغرب الذي عاش فيه معظم سنوات حياته، لكن الموت يحمل معاني أعمق، وعندما يدق بابا أو يكاد، يصبح الحنين إلى الماضي لازمة إنسانية، وتصبح لحظات العمر الماضية منهلا لشلال من الذكريات يطمح أي إنسان أن ينهي حياته فيها، متلمّسا من خلالها نبضات البيت الأول الذي خرج منه.

وعن ذلك يقول زيدان “لقد عاد ليموت كسمك السلمون في المكان الذي ولد فيه، وخلال الفترة القصيرة التي عاشها كان شاهدا على كل الظلال الموجعة التي رمت بها الحرب على الناس والمدينة”.

سيناريو معقد فيه نسيج من العوالم الدرامية التي تدور على محور مكاني وزماني محدد
سيناريو معقد فيه نسيج من العوالم الدرامية التي تدور على محور مكاني وزماني محدد

وشخصية صفوان (محمد حداقي) هي حقيقة النزف الحياتي الذي خلفته الحرب، بأخطر حالاتها، لأنها مرتبطة بالمعرفة. فهو بعمله الذي يمتهنه وهو التدريس كان منجما للمعرفة، لكنه بجرعة الألم التي تلقاها فقد عقله وصار مهذارا لا يقدّم أي قيمة معرفية مضافة، بل شخصية هامشية تعيش على استرجاع شكليات لفظية فارغة لا تقدّم للمحيطين بها إلّا الهباء.

يعيش صفوان في حطام القرية متنقلا بين مكبّ للسيارات المحترقة وأماكن مهملة أخرى يرصد فيها أعداء باتوا من الماضي وأنصارا لن يأتوا. وكأنها صيحة من رؤية الفيلم بأن المعرفة معطّلة في مكان مدمّر وفي ظل حياة القسوة، فالعلم لا يكون إلّا في أماكن يسكنها السلام.

والعاشقة التي لا تتردّد في سرقة مال أخيها وزوجته لكي تلاحق حلما في السفر مع عشيق يتربّص بها في لحظة غادرة كي ينهب أموالها ويتركها للضياع، وهو الذي بدأ خطوات السفر معها بعد سرقة المال بوضعها في سيارة شحن صغيرة كما يشحن أيّ متاع ويذهب بها إلى المجهول.

رموز وإشارات

إيقاع الفيلم كان بطيئا والمشهدية فيه عميقة توشّحت بلحظات بصرية رسمت تفاصيل مكانية دلّت في بعض اللقطات على معان رمزية ذكية نقلت إلى المشاهد الحسّ السينمائي الرصين بعيدا عن لغة الحوار، الذي وجد مطوّلا في أماكن أخرى.

العمل يبحث في حيثيات الفكر الإنساني وما يمكن أن ينتظره من الغيم الذي هو مبعث الخير، لكنه يستحيل هنا إلى وجع دائم

لكن الرمزية كانت جلية في الفيلم وكانت قادرة على ضخّ ولو شحنة أمل في فيلم يحكي قصة موجعة في بلد جريح. فكانت ساعة العم أبوفؤاد (رامز عطا الله) المعطلة التي ما فتئ يحاول إصلاحها دليلا على بارقة الأمل تلك، وقد نجح أخيرا في إعادة تشغيلها وعاد صوت دقّاتها إليها ليمضي الزمن مجددا. وستأمل القرية في أن تعيش أزمانا أخرى أكثر سعادة وتصبح هذه المواجع حكايات من الذكريات.

في أول تعاون له مع السينما السورية أضفى مدير الإضاءة الفرنسي فرنسوا كوبيه على الفيلم مزاجا خاصا في التلقي يوحي بالألم والحزن، وتضافر جهده مع موسيقى سمير كويفاتي التي ذهبت بهذه الأفكار عميقا وبعيدا. فكانت حالة من دهشة المرارة ووجعها.

والفيلم الذي عرض قبل أيام بدمشق في إطلاقه الأول سيبدأ جولة عروض محلية وخارجية قريبا، وهو من إنتاج المؤسسة العامة للسينما بسوريا، وكتب له السيناريو ياسمين أبوالفخر وأيمن زيدان الذي تصدّى لإخراجه أيضا. وهو من بطولة: وائل رمضان، محمد حداقي، نور علي، حازم زيدان، لمى بدّور، لينا حوارنة، رامز عطا الله، والطفل ديفيد مهاد الراعي، مع حضور شرفي لكل من جود سعيد وعلاء قاسم ومازن عباس ومحمد زرزور.

وحصد الفيلم جائزة “القدس” للإنجاز الفني، خلال مشاركته في المسابقة الرسمية للدورة الـ36 من مهرجان الإسكندرية السينمائي لدول البحر الأبيض المتوسط.

17