غيوم المخيلة وأجنحتها الغريبة

الأحد 2014/03/23
حبُّ الشعر قبل بلوغ معانيه

في حديثنا المعاصر عن الأسطورة والشعر، لطالما كان هناك من يبدي خشيته من نفور القراء، في وقت يفقد فيه الشعر يوما بعد يوم قراء جددا، كما يرى البعض، ولكن عن أي قارئ نحن نتحدث عندما نتحدث عن الأسطورة والشعر؟ من خبرتي الشخصية، ألاحظ أن مكانة الأسطورة أو تجلياتها في الشعر، ليست معزولة عن عناصر أخرى كالرؤى الفلسفية، والتأملات الفكرية، الأسطورة وثيقة الصلة بالرؤى، وعندما أعود إلى ثيمات معينة من النصوص الأسطورية الموجودة في شعري أجد أنها وثيقة الصلة بالتجربة الروحية والفكرية المعاصرة وبالتطلعات التي تنفتح بالتجربة الذاتية على أفقها الإنساني، وعلى المستقبل. الأسطورة بالنسبة إليّ ليست تقهقراً جماليا وتعبيريا إلى ماض متخيل، وإنما هي مغامرة في المستقبل، مغامرة في الحلم، من هنا تجد كثيراً من النصوص أو التناصات الأسطورية عندي مفرغة من قيمها الأولى، منحرفة لكي أكون أكثر دقة، بعيداً عن مسيرتها أو فحواها الأصلي، أوفيليا، مثلا، في ديواني "حدائق هاملت" هي ليست أوفيليا شكسبير، وعلاقة هاملت بها ليست العلاقة الشكسبيرية، فهي تبدو في القصيدة الشخص غير البريء، هذا معاكس تماماً لمواصفاتها الأصلية في النص الشيكسبيري، وربما بدا ذلك صادما عند بعض القراء.

من المهم أن أشير إلى أنني عندما أتحدث عن الأسطورة بصفتها واقعاً متخيلاً، فإن كيفية تناولها تحدد قيمتها في الشعر، حتى لا أقول وظيفتها. مثلاً في قصيدة لي حملت عنوان "الخطيب" هناك جملة نافرة بالمعنى السيكولوجي، تكشف عن الفداحة الإنسانية الناجمة عن القوة المطلقة والمكانة الكلّية لجلجامش الملك/ الإله في عالمه فهو مستبدا مطلق الرغبات، يفتض العذارى وكأن ذلك مكرمة منه. في القصيدة تلك يصرخ الخطيب بعدما يدخل جلجامش إلى "بيت العرائس" ليفتض عروس الفتى: "الآن ينقضّ الصقر على عينيّ ويأكلهما"، هذا غير ملحوظ في الأسطورة، هذه رؤية معاصرة، هنا الانحراف يصدر عن رؤية تنسف كلاسيكية الأسطورة، تنتصر للمهمش، الخطيب بصفته مهمشاً وبصفته مضطهداً ومنتهكاً. هذا مثال بسيط، لكن حضور الأسطورة يلعب دوراً ثورياً، مضاداً ورافضا لقيم الانتهاك والعبودية لصالح قيم الحرية والحق الشخصي والسلامة السيكولوجية للإنسان في عالمه.

ليس من طبع النص الشعري، لا القديم ولا الحديث، أن يستسلم للقارئ الكسول، وعندي أن القصيدة ليست في حاجة إلى هذا القارئ


الشاعر والقارئ


يُبدي بعض النقاد العرب خشيته من أن يتعرض النص الذي يستلهم الأسطورة إلى مزيد من الغربة عن قارئ لا يمتلك القدر الضروري من المعرفة بالمراجع الميثولوجية ورموز الأساطير، فلا يفلح، غالباً، بالتقاط خيوط الدلالة التي تحملها الأسماء ناهيك عن عدم درايته بالمحمولات المختلفة للأسطورة.

وفي نظري أن الأرضية المشتركة، بين الشاعر والقارئ، هي النص في ذاته، وما إذا كان يتوفر على شعرية طاغية تملك إغواء القارئ، بعد ذلك تأتي فضولية هذا القارئ في معرفة من هو أورفيوس، أو جلجامش، أو قايين، أو بروميثيوس، أو دحية الكلبي.. أو غيرها من الأسماء، من ثم يمكن له أن يذهب إلى المراجع التي يسترشد بها على ما يريد معرفته، لكن، أولا وأخيراً، على لغة النص الشعري أن توقع القارئ في شباكها، أن تغريه بالجمال، الذي لا يمكن أن نحصره في ملمح أو مستوى من مستويات التحقق، بصرف النظر عن مرجعيات النص.

ليس من طبع النص الشعري، لا القديم ولا الحديث، أن يستسلم للقارئ الكسول، وعندي أن القصيدة ليست في حاجة إلى هذا القارئ، بل ولا يضيرها أن ينصرف عنها. هل من حاجة للتذكير بمقولة أبي تمام "لم لا تفهم ما يقال" جوابا على "ما تقول لا يفهم"؟!

حب القصائد، رغم غرابتها، وحب الشعر قبل بلوغ معانيه، هو أثمن شيء بالنسبة إلى الشاعر الحديث. إنه التعبير الأقصى عن حرية الشاعر، وحرية القارئ معا. هنا يمكن أن نكتشف جسرا بين الطرفين. هذا رهان. إن شيئاً ما في النص، آسرا وغريباً يختطفنا من أنفسنا، ويمضي بنا مفتتحا أرضا لم نبلغها قبلاً. ما الشعر إن كان تعريفا للمعرّف، ولم يكن فضاء للغز؟

قبل أن نكتشف أنه مدهش، على الشعر أن يحملنا إلى تلك الآماد البعيدة عما كنا عليه قبل أن نغامر معه.

لكن ما يجدر أن يكون مشتركا بين القصائد أن تكون ساحرة، أن تؤثر فينا، أن نغتبط بها، قبل أن نردد في دواخلنا مسحورين: هذا شيء مدهش. هنا تتحقق غاية الشعر، بعد ذلك فلنكتشف المعنى أو يبقى لغزا، غير مكتشف، لا فرق. الشعر من جنس الأسطورة، لكنه أرقى منها جماليا وأكثر منها نزوعا، في لغته، نحو تكثيف الكون والوجود في رموز وإشارات وإلماحات خاطفة.

ثم لمّا نهبط من ذلك الفضاء، راجعين من تلك الأنحاء التي ارتدناها مع الشعر على تخوم المجهول والنرفانا، يمكن لنا أن نأتي بأمثلة شتى على استجابات القراء. بعضهم اعترف لي، مرة، أنه راح يفتش عن أسماء وأساطير بعينها عبر الانترنت للتعرف على صياغاتها ومحمولاتها الدلالية الأصلية، وأعرب عن سعادته أن تكون قصائدي معبره إلى هذا العالم. بالطبع أنا لا أقصد ذلك.


شغف خاص


ليس قصد الشعر، هنا، أن يعيد القارئ إلى الأسطورة، لكنني أفترض أن تكون لدى الأخير المعرفة، وإذا تعذر ذلك، فإن رهان النص أن يحفزه للبحث، لملء هذه الفجوة المعرفية، والعودة مجدداً إلى النص بمعرفة أكبر. ربما يتورط القارئ مع المتن الأصلي للأسطورة، وربما تتفتح له آفاق أخرى في النص الشعري الحديث، هذا ممكن وذاك أيضاً، لكن الموضوع بالنسبة إليّ ليس مبنياً على خيار مسبق. فأنا مسكون، كشاعر، بهذه الأطياف وعوالمها، وإذ أستضيفها في النص، وأستدخلها في نسيجه على نحو تصبح معه جزءا عضويا منه، إنما أفعل ذلك بشغف خاص.

الأسطورة ضاربة بعمق في جسد الثقافة الإنسانية، وهي في نظري عابرة للهويات والذائقات، والأزمنة، والأساطير أكانت سورية، أم عراقية، أم مصرية قديمة، أم هندية، أم اسكندينافية، أم حتى أساطير شعبية دارجة، إنما تنتمي إلى الأخيلة الجمعية للبشر، وإلى نزوع بشري فطري نحو ما هو فوق عادي في كل الأزمنة. ملامح الهوية تتغير، والأساطير تهاجر في العالم وتسافر في النصوص فتكتسب ملامح جديدة، وتحمل مدلولات جديدة، لكنها تحتفظ بالجوهر الأول، الأسطورة تلعب، باستمرار، على ما هو أبدي وخالد، غالبا، لكن في أنحائها عناصر مكبوتة، على الشاعر الحديث أن يصيبها ويفجر الشعري فيها. وقبل هذا، وبعده، فإن الأواصر الجمالية المشتركة بين الشعر والأسطورة، تكمن أولا في المادة العجائبية الساحرة ، الغريب والغامض وما يتوالد فيه من عناصر الإدهاش. لكن الشعر، رغم احتفاء الجموع به، تعبير فردي.


الغريب والمدهش


عندما نتحدث عن الأسطورة نتحدث عن الشعر، والعكس صحيح. في الأسطورة لغز، وفي الشعر ألغاز. منذ ما قبل الإسلام، وبعده، وحتى عصورنا الحديثة، ظل الشعر ومفاهيمه في ثقافتنا العربية، على ارتباط وثيق بفكرة السر؛ سرّ الصنعة، وسرّ المخيلة، وسرّ الكلام، وسر شخص الشاعر. مناطق السر على مستوى الصنعة والتخييل وعنصر المفاجأة الكامن في اللغة، وغرابة الأشياء، تجعلنا نتخيل أن لا شعر يمكن أن يغرينا ما لم يتسلح بالغريب المدهش. لابد من غريب وإغراب وغرابة، حتى تتحقق بعض أهم مزايا الشعر ومراميه، وتطلعاته، ولابد للشعر أن يدهش حتى يستحق اسمه، ولكن كيف يفعل، لو بات خطاباً متوقعا ومألوفاً؟ لماذا ربط العرب، وغير العرب، الشعر بالشياطين؟ لأنه، بألغازه وأحاجيه، ظلّ يوحي بهذه الغرابة، ويملك، على نحو أكثر كثافة مما تملك الأسطورة، أن يمنح هذا الشعور بالمدهش، كلما نأى عن العادي، والمألوف، مزحزحا صخرة الوجود الفظ من طريق غيوم المخيلة وأجنحتها الطليقة.

وعندما تغيب عن فنون الأسطورة بصياغاتها اللغوية المختلفة كثافة اللغة التي يملكها الشعر، تغيب معها، غالبا، تلك التأملات العميقة التي يتيحها الشعر، ويتيح معها رؤى وجودية وتطلعات تقودنا كثافاتها إلى دنيا الفلسفة.

الأساطير لا تغامر هناك، لكنها تمنح الشعر مادة من الوقائع الملغزة تتعلق بالبشر وصراعاتهم ومصائرهم وتوجساتهم من قلقهم الوجودي إزاء غموض الغيب.


أجنحة الشعر


الشعر ينهل من كلّ شيء، من التجربة الفردية ومن التجارب الجماعية، من الواقعي والأسطوري معا، من دواخل الكائن ومن صدامه مع أشياء العالم المرئي، يقدم الشاعر توليفاته المركبة عبر مغامرته المشرعة على كل شيء. هنا يلتقي الشعر مع ضلع ثالث هو الفلسفة، يسافر معها عميقا في ماء الوجود العميق الذي تنهل منه، فيفرك معها حجر الوجود، بألغازه وأسراره مدفوعيا معها بالحاجة إلى سبره واكتناهه، لكن الفلسفة تفعل بأدوات المنطق والعلاقات الرياضية أحياناً، بينما الشعر يغامر في الوجودَ بما هو فوق منطقي، وربما هو يذهب أبعد غوراً، ليرتاد آفاقا لا يمكن للفلسفة أن تصلها. لأنها مرتبطة بمعادلات ذات صلة بالمنطق. على أن في الأقصى من مغامرة الفلسفة تلوح تخوم يشرف منها الفيلسوف على الشعر. في ثقافتنا الكلاسيكية العربية هناك أبو العلاء المعري، وفي الثقافة الحديثة هناك نيتشه كلاهما ارتاد مناطق خطرة فكرية وجمالية (ولدى كل من هذين الشاعرين، على اختلاف العصر واللغة والتجربة، ما يتقاسمانه مع بعض أفضل الشعراء المتصوفة) إنما في الأقصى من الفلسفة، يغمض الفيلسوف عينيه ليحدس الأبد ويتلمسه كصوفي، فإذا به يلمس كوكب الشعر، مبتعدا عن جبّة الفيلسوف ومقتربا من جناحي الشاعر. إذن من لقاء متطرف بين أقصى المغامرة اللغوية والتأملات الفلسفية المتطرفة، عبر حرية اللغة في علاقتها بالشعور، يولد شعراء فلاسفة. وعلى الموهبة أن تتكفل بحفظ كل من الشاعر والفيلسوف من مخاطر يمكن أن تودي بالشعر وبالفلسفة معا.

أبو العلاء المعري، كما هو معروف، هو الأبرز بين الشعراء العرب الذين تفلسفوا، ولم تكن الحكمة أو الرؤى الفلسفية صادرتين عنده عن نزوع متطرف يغلِّب الفلسفيَّ على لغة الشعر، فالطاقة الشعرية الخلاقة تركت مجالاً واسعا في شعره، إن في "سقط الزند" أو في "اللزوميات" لعمل العاطفة والشعور والخيال المجنح.

هناك تجارب في الشعر العربي وغير العربي تصلح أمثلة على الحذلقة الشعرية الناتجة عن فتور العاطفة الخلاقة عند الشاعر وهيمنة عمل العقل على اللغة، يتحول الشعر معها إلى ضرب من فلسفة، ولا يعود شعراً، يغدو فلسفة أو تفلسفا في إهاب شعري، صياغات وعلاقات تستعير لغة الشعر. والأصل في علاقة الشاعر بالتأملات الذهنية، أن لا يسمح لها بالهيمنة على الشعر، أن يحافظ التلقائي على نفسه في الشاعر. لأن أغلى خصلة في الشعر هي التلقائية، إن هي فُقدت ضاع الشعر. لكن هل يعني هذا أن التلقائية هي شيء ساذج أو بسيط؟ بالطبع لا، فهي ثمرة دربة عميقة. عندما يتحول الشاعر إلى هذا التلقائي الكبير، فهو طوال الوقت يراقب، بمجسات داخلية، كل نأمة في عمله مع اللغة، يحرسها ويوجهها نحو التحققات الشعرية. هنا يكمن، جانب من سر المسألة عند الشاعر. والسؤال هو كيف تكون تلقائياً مبدعاً وصانعا ماهرا في اللغة، فالتلقائية يمكن أن تكون مزلقاً أيضاً. الشعر التلقائي هو نتيجة تفاعل صنعة الشاعر في اللغة مع موجات الشعور ومغامرة المخيلة، تحتاج إلى نباهة قصوى.


تطلعات الشاعر


إن هذا النمط الجديد من التفكر والتدبر الجمالي، في ما يتصل ببنية القصيدة الحديثة التي تستلهم الأسطورة، يحتاج إلى أعراف وتعاقدات جديدة، لا تصلح معه الأعراف والتعاقدات السابقة التي قرت عليها العلاقة بين الشاعر والقارئ لأن هذا الأخير قد لا يرى التحولات الرهيفة والكاسرة في القصيدة. ما أتحدث فيه، هنا، ينطلق، بداهة، من أفكار ورؤى جمالية صادرة عن تطلعات شعرية حديثة، فعندما تقرأ أورفيوس، فهو ليس نفسه أورفيوس الذي قرأته صغيرا، ونوح في قصيدتي ليس الذي عرفته في حكاية المصائر البشرية الكبرى. بهذا المعنى الأسطورة، هنا، لم تعد مادة تكرر وجودها، من شاعر سابق إلى شاعر لاحق، ومن قديم إلى حديث، في مسار خطي يحتفظ بالدلالة نفسها. ولولا هذه الرؤية الجديدة لما وصلت هذه الأطياف والأصوات وتحققت كتناصات وأقنعة وقصص وحالات خاصة ومبتكرة. أنا أميل إلى أن أتخيل وجود هذه الشخصيات كأطياف جمالية أو أشباح مقلقة داخل شعري أكثر منها تكوينات جاهزة.

الأساطير القديمة، وحطامها العائش بيننا، هي ماء حي يخفق في الحواس وفي المخيلة، وبالتالي لا يمكن استبعاد هذه المادة العجيبة من الشعر ولا الولع بها من دون أن نخسر تلك السماء العالية ومعها الآفاق البعيدة الغامضة التي كلما ولد شاعر شد إليها الرحال.

11