فأس أبي عزرائيل لن تحرر وطنا

الاثنين 2015/03/23
"أبو عزرائيل" رمز للقتل الشيعي المقابل للقتل السني

لجأت الحكومة العراقية إلى الاستعانة بالمقاتلين المتطوعين كرافد من روافد حملة مواجهة تنظيم داعش، وتحول “أبو عزرائيل” حليق الرأس وصاحب اللحية الكثّة الحامل مرة لفأس وأخرى لسيف والمنتمي إلى “كتائب الإمام علي” الشيعية التي تقاتل إلى جانب القوات الحكومية، إلى رمز للعراقيين الذين يقاتلون ضد تنظيم الدولة الإسلامية. أبو عزرائيل أو “أبو ملاك الموت”، أصبح صورة لداعش الشيعي في مواجهة داعش سني. إيران تلعب على وتر الطائفية لتقسيم العراق المقسم وتستحوذ على ما تبقى منه.

توقع كثيرون أن تكون الحرب على داعش فصلا جديدا من فصول الحرب الأهلية في العراق. هل كانوا مبالغين في ريبتهم حين اعتقدوا أن تنظيم داعش، لن يكون إلا عنوانا لحرب ستقودها إيران على جزء من الشعب العراقي، هو ذلك الجزء الذي اعتبرته الجارة اللدود عدوّا لها؟

لم ينف أحد أن إيران تقاتل في الغرب العراقي. الأطراف كلها أكدت وقوع ذلك. الحكومة العراقية والإدارة الأميركية وإيران نفسها. لكن إيران لا تقاتل هناك بجيش نظامي، بل بالحرس الثوري، وهو ميليشيا غير نظامية وإن كانت مهمّتها الأساسية تكمن في حماية النظام.

وقد تم توسيع مفهوم حماية النظام تماهيا مع تداعيات الموقف في سوريا والعراق، فصار الحديث عن حماية المذهب متداولا. فالدفاع عن الأضرحة والمقامات الشيعية في العراق وسوريا، هو حجّة يجتمع من حولها كل مَن لم يعد الخيار الوطني ملحا لديه، فصار يقدم الخيار الطائفي عليه.

كثيرون توقعوا أن تكون الحرب على داعش فصلا جديدا من فصول الحرب الأهلية في العراق

وهكذا فما يحدث في عراق اليوم لا يتعلق بتحرير الأراضي العراقية التي سبق لتنظيم داعش أن أحكم قبضته عليها، بقدر ما يتعلق بدفع خطر داعش بعيدا عن تلك الأضرحة والمقامات.

لذلك صار استبدال الجيش العراقي بالميليشيات العراقية التي سبق لها أن تورطت في ارتكاب جرائم مروعة بحق العراقيين بين عامي 2006 و2007، أمرا مقبولا، بل ومنسجما مع أهداف تلك الحرب.

لم يعد مهما بالنسبة إلى الحكومة العراقية أن تستعيد سلطتها على المناطق التي خرجت عن نطاق سيطرتها بحكم الاحتلال الداعشي، بل صار المهم بالنسبة إلى تلك الحكومة الموالية لإيران أن يكون حجم الانتقام من السكان المدنيين بحجم الضرر المتوقع من داعش لو أنه كان قد نجح في التقدم باتجاه الأراضي (المقدسة).

هي إذن حرب تدخل في سياق حرب أكبر منها. تلك الحرب قد تكون امتدادا لحرب الثماني سنوات، وهي حرب تعتقد إيران أن العالم العربي، وبالأخص بلدان الخليج، قد تواطأ مع العراق من أجل أن تخرج منها مهزومة. وإذا ما عرفنا أن إيران تصنف ذلك الموقف المتواطئ من جهة طائفية، يمكننا أن ندرك أنها كانت ترى فيه تعبيرا عن تلاحم سني ضد إيران الشيعية.

اليوم تردّ إيران بما ينسجم مع ما ترغب فيه من حقائق. وهو ما يجعلها تعلي من شأن ذلك الوهم الطائفي لتحوله إلى مادة لصراع شيعي ــ سني يكون العراقيون أدواته البائسة، المقبلة على موت ينطوي على تشف بموت الآخر.

الحكومة العراقية خسرت حربها ما إن استسلمت للمشروع الإيراني الذي انتقل بالصراع من مجاله الوطني إلى مجال طائفي

وهو ما تكشف عنه خرافة “أبو عزرائيل”. ذلك الشخص الذي صار رمزا للقتل الشيعي المقابل للقتل السني، المتمثل مظهريا بالسلوك الإجرامي الذي تميّز به قطاع الطرق من أفراد تنظيم داعش. وهو سلوك لا يفرق بين أحد وآخر في الميزان.

ولو كان الجيش النظامي هو الذي يقاتل من أجل تحرير الأراضي المغتصبة لما طفت على السطح صورة ظلامية مثل تلك الصورة التي روّجت لها وسائل الإعلام الشيعية لأبي عزرائيل حاملا فأسه الجاهزة لقطع الرقاب.

صورة الجزار القادم من سراديب الميليشيات المظلمة لن توحي بإمكانية أن تلحق بها صورة لوطن، يكون مواطنوه في مأمن من الانتقام المجاني. فما الذي يجعل الفأس الشيعية أكثر رحمة من الفأس السنية، هذا في حالة أن يكون تنظيم داعش ممثلا للسنة، وهو افتراض إيراني أثبتت الوقائع بطلانه.

لقد نكل داعش بالسنة بطريقة لم تعد معها صلته بالإسلام سوى مجرد كذبة. وهكذا تكون الحكومة العراقية قد خسرت حربها ما إن استسلمت للمشروع الإيراني الذي انتقل بالصراع من مجاله الوطني إلى مجال طائفي، لن يكون الوطن الواحد حاضرا فيه. ففأس أبي عزرائيل لن تحرر وطنا.

13