فؤاد السنيورة جاحظ لبنان السني الذي يدير اللعبة من خلف الحريري

حزب الله لم يستسغ السنيورة يوما وكان من أشد منتقديه ومعارضيه، ولا زال لغاية اليوم "يكره" حتى حراكه ضمن ما يسمّى نادي "رؤساء الحكومات السابقين".
الأحد 2020/07/12
مقاوم شرس لخط "المقاومة"

منذ أن انخرط رئيس الحكومة اللبنانية الأسبق فؤاد السنيورة، في العمل السياسي مع مجيء الرئيس الراحل رفيق الحريري إلى السلطة في لبنان في العام 1992، انقسمت الآراء حول أدائه وتحديدا في وزارة المالية التي كان الرئيس الراحل يحرص على توليها بنفسه لكنه كان يسمي السنيورة وزير دولة للشؤون المالية فيكون هو الذي يدير الوزارة فعليا في سابقة لم تسجل في تاريخ الحكومات اللبنانية منذ الاستقلال، فالبعض كان يرى فيه مثال رجل الدولة الحريص على المال العام إلى حد نعته بصفة “البخل” ووصفه بـ”جاحظ” الجمهورية، في حين كان البعض الآخر يرى فيه “فاسدا” همّه تكديس الثروة الخاصة به، ووصل الأمر حد المطالبة بمساءلته عن أموال المساعدات الخارجية التي وصلت إلى لبنان عقب حرب تموز 2006، غير أن الجميع اتفق على أن السنيورة هو المقاوم الشرس والحقيقي لخط “الممانعة” التي كان ولا يزال “حزب الله” يحتكر ممارستها ما تسبّب بالويلات التي يغرق فيها لبنان حاليا.

المصرفي الداهية

السنيورة المولود في مدينة صيدا في العام 1943 تابع دراسته الابتدائية والثانوية في مدرسة المقاصد الإسلامية للبنين في صيدا التحق بعدها بالجامعة الأميركية في بيروت وحصل منها على إجازة في إدارة الأعمال في العام 1967 وماجستير في إدارة الأعمال في العام 1970.

مارس الأعمال المصرفية منذ تخرجه من الجامعة وتنقّل في مناصب عديدة حتى وصل إلى منصب رئيس مجلس الإدارة المدير العام لبنك البحر المتوسط الذي كان يملكه الرئيس رفيق الحريري وقد اكتسب خبرة مالية واقتصادية كبيرة ساهمت في نجاحه بتنفيذ معظم المشاريع الاستثمارية والاقتصادية المصرفية والعقارية للرئيس الحريري.

لكنه ومع إقرار قانون الانتخابات الجديد الذي جاء به جبران باسيل على قياسه ولضمان إبعاد السنيورة عن الحياة البرلمانية، أعلن رئيس الحكومة السابق بعد مشاورات مكثفة أجراها مع “ابن شقيقه” الرئيس سعد الحريري، عزوفه عن الترشح إلى الانتخابات النيابية في العام 2018، لكن غيابه عن العمل النيابي لم يحجب دوره السياسي الداخلي إلى جانب كتلة المستقبل وضمن “نادي رؤساء الحكومات”.

 ذروة الاتهامات التي وجهت إلى السنيورة كانت خلال ولاية الرئيس إميل لحود وذلك على خلفية الحرب التي أعلنها نظام الوصاية السوري آنذاك ضد الحريري وكل مشاريعه الاقتصادية والإعمارية،  إلا أنه سرعان ما تبيّن أن هذه التهم كانت ذات أبعاد سياسية ولا تستند إلى أي معطيات حقيقية.

بعض اللبنانيين يرى في السنيورة مثال رجل الدولة الحريص على المال العام إلى حد اتهامه بـ"البخل". في حين كان البعض الآخر يرى فيه "فاسدا" همّه تكديس الثروة الخاصة
بعض اللبنانيين يرى في السنيورة مثال رجل الدولة الحريص على المال العام إلى حد اتهامه بـ"البخل". في حين كان البعض الآخر يرى فيه "فاسدا" همّه تكديس الثروة الخاصة

واستنادا إلى مصادر سياسية واسعة الاطلاع، فإن السنيورة الذي كان وزير دولة للشؤون المالية في الحكومة التي شكّلها الرئيس الشهيد رفيق الحريري في العام 1995، رفض الموافقة على منح وزارة الطاقة التي كانت قد أسندت بدعم سوري إلى الوزير الراحل أيلي حبيقة بعد استبعاد الوزير جورج فرام، مبلغا ماليا كبيرا للبدء بمشروع “إصلاح كهربائي” فما كان من الوزير حبيقة إلا أن تناول منفضة سجائر موضوعة على طاولة مجلس الوزراء وتهجّم على السنيورة محاولا ضربه بها لكن وزير الشؤون الاجتماعية آنذاك أيوب حميّد ووزير البيئة في تلك الحكومة أكرم شهيب حالا دون وصول حبيقة إلى السنيورة، وتلك الحادثة كانت رسالة سورية واضحة المعالم موجهة ضد الحريري من خلال السنيورة.

لكن السنيورة تعرّض لأقسى من الاغتيال الذي أصاب الحريري، فهو صار ضحية اغتيال سياسي من نوع آخر وعلى يد الفريق نفسه لكن بأسماء مختلفة، حيث عمل فريق التيار الوطني الحر أثناء رئاسة العماد ميشال عون له على وضع كتاب باسم “الإبراء المستحيل” يحمّل فيه السنيورة مسؤولية اختفاء 11 مليار دولار من أموال المساعدات التي تلقاها لبنان من الدول العربية الصديقة عقب حرب تموز 2006 التي شنتها إسرائيل ضد “حزب الله”، وأصبح هذا الكتاب بمثابة “قميص عثمان” يحلو لرئيس التيار الحالي النائب جبران باسيل استعماله كورقة ابتزاز ضد السنيورة وما مثيله من امتداد للحريرية السياسية رغم أن السنيورة مثل أمام القضاء المالي مرات عديدة فنّد خلالها بالأرقام والمستندات كيفية صرف أموال المساعدات وعدم صحة مزاعم التيار الوطني الحر.

ويعتبر السنيورة من أبرز خبراء السياسة المالية في لبنان كما أن السياسة المالية التي انتهجها أثناء توليه وزارة المالية كان لها الفضل في بقاء لبنان بعيدا عن مشاكل الأزمة الاقتصادية العالمية وبقائه جاذبا للاستثمارات رغم تصنيفه “بؤرة توتر ونزاع” استنادا إلى العديد من المؤشرات المالية والاقتصادية العالمية، علما أن السنيورة هو من اقترح وأشرف على تنفيذ برنامج الضريبة على القيمة المضافة “TVA” الذي ساهم في دعم وتقوية المالية العامة في لبنان.

التعايش المستحيل

أقصى الاتهامات التي توجه إلى السنيورة تعود إلى دوره خلال ولاية الرئيس إميل لحود، وذلك على خلفية الحرب التي أعلنها نظام الوصاية السوري آنذاك ضد الحريري وكل مشاريعه الاقتصادية والإعمارية، إلا أنه سرعان ما تبيّن أن تلك التهم كانت ذات أبعاد سياسية ولا تستند إلى أي معطيات حقيقية

وبعد اغتيال الرئيس الحريري واستقالة حكومة الرئيس الراحل عمر كرامي، شكّل الرئيس نجيب ميقاتي حكومة “انتقالية” كانت مهمتها الإشراف على إجراء انتخابات نيابية “نزيهة ومستقلة” جاءت نتيجتها فوزا كاسحا لفريق 14 آذار حصل من خلاله على الأغلبية في مجلس النواب، فاستقالت حكومة ميقاتي كما ينص الدستور اللبناني وتمت تسمية السنيورة لتشكيل حكومة جديدة، فشكل أولى حكوماته في 19 يوليو 2005 واستمرت في السلطة حتى 11 يوليو 2008.

كثيرة هي المناكفات التي وقعت بين لحود والسنيورة، لأن الود كان مفقودا بين الرجلين، وكان عليهما التعايش معا لتسيير شؤون الدولة خصوصا وأن الزلزال الذي أصاب لبنان باغتيال الحريري كان مدمرا، ولحود الذي يعتبر من بقايا نظام الوصاية لم يشأ الاعتراف بنتيجة الانتخابات النيابية التي أفرزت فريقا سياسيا مناهضا لسوريا التي أمسك نظامها في دمشق بكل مفاصل الحياة السياسية في لبنان منذ العام 1990 فكانت مهمة السنيورة شاقة بكل ما في الكلمة من معنى، خاصة وأن نوعا من “الحظر” أو “المقاطعة” مارسها معظم السفراء الأجانب والعرب في لبنان كما الوفود الأجنبية التي زارته على لحود في حين كانوا يجتمعون إلى السنيورة بصورة دورية.

حكومة المقاومة السياسية

"حزب الله" الذي يعترف أمينه العام السيد حسن نصرالله بأنه “جندي في ولاية الفقيه” وينفّذ أوامر إيران، تحدّى في خطوة “لم يكن يعلم نتائجها” كما قال هو نفسه، العدو الصهيوني وقام بعملية لأسر جنود إسرائيليين بغية التفاوض على تحرير الأسرى اللبنانيين وفي مقدمهم الأسير سمير القنطار وغيرهم من المعتقلات الإسرائيلية. لكن رد الفعل الإسرائيلي على هذه العملية كان حربا مدمرة شنّتها الدولة العبرية على لبنان طيلة 33 يوما ألحقت بالبنية التحية والممتلكات أضرارا فادحة وجسيمة ناهيك عن أكثر من ألفي قتيل.

خلال تلك الحرب، مارس السنيورة كل ما يملكه من خبرة وأجرى اتصالات بجهات عديدة في محاولات مكثفة لإنهاء الحرب وتجنيب لبنان المزيد من الأضرار الفادحة حتى أن رئيس مجلس النواب نبيه بري أطلق على السنيورة وحكومته لقب “حكومة المقاومة السياسية” في دحض واضح لاتهامات حزب الله للسنيورة وحكومته بأنها ترغب في إنهاء “المقاومة” وتعمل من “تحت الطاولة” على تحقيق ذلك من خلال العدوان الإسرائيلي.

ومع تصاعد اتهامات محور “الممانعة والمقاومة” للسنيورة وانضمام التيار الوطني الحر إلى هذا المحور عقب توقيع اتفاق “مار مخايل” بين عون ونصرالله، أصيبت حكومة السنيورة بـ”عورة” تمثّلت بتقديم الوزراء الشيعة فيها استقالتهم احتجاجا على موافقة الحكومة على توقيع اتفاق مع الأمم المتحدة لإنشاء محكمة دولية خاصة للنظر في قضية استشهاد الرئيس الحريري. وقد اتهم فريق تحالف 8 آذار المؤيد لسوريا الحكومة بأنها “غير دستورية” في حين أن الغالبية البرلمانية التي يشكّلها فريق 14 آذار اعتبرت أن هذا الاتهام باطل طالما أنها تتمتع بالثقة التي منحها إياها المجلس النيابي.

لكن القوى المعارضة للحكومة نفّذت اعتبارا من مطلع ديسمبر 2006 اعتصامات في مختلف أرجاء العاصمة و”احتلت” الوسط التجاري المعروف باسم “منطقة سوليدير” وأمعنت في تحطيم واجهات المحلات التجارية في رسالة “انتقام” من “الحريرية” ووصلت المظاهرات إلى حد “محاصرة” السراي الحكومي حيث اضطر السنيورة للإقامة فيه مع عدد من الوزراء في وقت ضربت فيه القوى الأمنية الشرعية طوقا حول السراي لمنع “المتظاهرين” من اقتحامه.

ومع نهاية الولاية الممدة للرئيس إميل لحود وعدم انتخاب خلف له تسلمت حكومة السنيورة مجتمعة مهام رئيس الجمهورية في 24 نوفمبر 2007 وفقا للدستور الذي ينص على تولي مجلس الوزراء مجتمعا مهام رئيس الجمهورية في حالة فراغ المنصب إلى حين انتخاب رئيس جديد. وقد استمرت مدة تسلم الحكومة لأعمال الرئاسة ستة أشهر وهي طوال فترة الفراغ في سدة الرئاسة، انتهت مع انتخاب قائد الجيش اللبناني العماد ميشال سليمان رئيسا للجمهورية.

عودة الحريري

أحدث مواقفه السياسية يبدو كتبشير باحتمال عودة الرئيس الحريري إلى رئاسة الحكومة عقب الفشل الذريع الذي يسجله رئيس الحكومة الحالي حسان دياب
أحدث مواقفه السياسية يبدو كتبشير باحتمال عودة الرئيس الحريري إلى رئاسة الحكومة عقب الفشل الذريع الذي يسجله رئيس الحكومة الحالي حسان دياب

أحداث دموية شهدها لبنان، لا ينساها أحد، حين شن “حزب الله” غزوة شهيرة في 7 أيار 2008 على بيروت ثم أعقبها بمحاولة بعد يومين لاجتياح الجبل باءت بالفشل نتيجة تصدي أبناء الطائفة الدرزية لعناصر الحزب وتكبيدهم خسائر بالأرواح، سارعت بعدها الدول الصديقة إلى دعوة مختلف الفرقاء السياسيين اللبنانيين إلى اجتماع استضافته العاصمة القطرية الدوحة أنتج اتفاقا عرف باسم اتفاق الدوحة نتج عنه انتخاب قائد الجيش العماد ميشال سليمان رئيسا للجمهورية وإنهاء مفاعيل “غزوة اليوم المجيد” كما أسماها نصرالله.

لم يستسغ “حزب الله” يوما الرئيس السنيورة وهو كان من أشد منتقديه ومعارضيه أكان في السلطة أم يمارس عمله في مجلس النواب كنائب منتخب عن صيدا ولا زال لغاية اليوم “يكره” حتى حراكه ضمن ما يسمّى نادي “رؤساء الحكومات السابقين” الذي يضمّه إلى الرؤساء نجيب ميقاتي، تمام سلام وسعد الحريري بعد تولي حسان دياب رئاسة حكومة لا تحظى سوى بدعم وغطاء من الحزب والتيار الوطني الحر.

ومع انتخاب الرئيس سليمان أعيد تكليف السنيورة تشكيل أولى حكومات العهد الجديد وذلك وفقا لما نص عليه اتفاق الدوحة، أشرفت خلالها على الانتخابات النيابية، لكنها استمرت في تصريف الأعمال فترة خمسة أشهر بسبب الخلافات العديدة التي نشبت حول اسم الشخصية لتولي رئاسة الحكومة الجديدة المنبثقة عن نتائج الانتخابات.

وفي أحدث مواقفه السياسية ما أعلنه في حديث صحافي عن احتمال عودة الرئيس الحريري إلى رئاسة الحكومة عقب الفشل الذريع الذي يسجله رئيس الحكومة الحالي دياب، “أنا أعتقد أنه ودون أدنى شك أن الرئيس سعد الحريري يمثل شريحة كبيرة وواسعة من المواطنين اللبنانيين، وليس من فئة واحدة بل من كل الفئات اللبنانية ولكن عودة الرئيس الحريري أو أي شخص آخر من الأشخاص الذين يتمتعون بالمواصفات الوطنية والقيادية الذين يمكن أن يصار إلى تكليفهم من قبل المجلس النيابي لتأليف الحكومة العتيدة، وفي مقدمهم حتما الرئيس سعد الحريري محفوفة بالمخاطر فأنا أميل إلى الاعتقاد بأن عمل أي رئيس حكومة جديد محكوم بالفشل إذا لم يحصل ويسبق التكليف تغيير أساسي في المقاربات وفي المنهاج وفي الأساليب التي يعتمدها فخامة الرئيس وذلك يعني أنه تقضي العودة إلى احترام اتفاق الطائف والعمل على استكمال تطبيقه، واحترام الدستور، واحترام مصلحة الدولة اللبنانية، واحترام الشرعيات الوطنية والعربية والدولية، واحترام استقلالية القضاء”.

وأضاف السينورة “لقد أصبحت هذه الحكومة وأداؤها الآن يمثلان نموذجا للإنكار واللامبالاة وعدم المبادرة إلى القيام بما يؤدي إلى البدء باستعادة الثقة التي انهارت كليا بين المواطنين اللبنانيين والحكومة اللبنانية والعهد الذي يمثله فخامة الرئيس والدولة اللبنانية وكذلك للثقة في الطبقة السياسية بأجمعها والمؤسف أن هذا الانهيار في الثقة امتد ليصبح فقدانا للثقة من قبل المجتمعين العربي والدولي بهم وما نراه اليوم هو مظهر من مظاهر هذا الانهيار الكبير بالثقة ما بين الفرقاء وهذه المجموعات”.

بكل تأكيد لن تقع تصريحات السنيورة بردا وسلاما على قلب “حزب الله” وأمينه العام نصرالله الذي هو الداعم الرئيس والأساس لحكومة دياب، لكن هل يكون الوضع المزري الذي وصل إليه شعب لبنان، والانحدار المتسارع لمؤسسات الدولة التي أمسك “حزب الله” بكل مفاصلها، سببا كافيا للحزب لمراجعة مواقفه وتقويمه الواقعي لحالة البلد فيسارع إلى التخفيف من غليائه وملاقاة معارضيه في نصف الطريق لإنقاذ ما يمكن إنقاذه؟

8