فؤاد السنيورة: مستقبل المنطقة بيد قوى الاعتدال

الخميس 2015/04/02
فؤاد السنيورة: لا يمكن تجاهل تداعيات السطوة الإيرانية في العراق على سوريا ولبنان

أبوظبي – «الشرق الأوسط: تحولات الأدوار والمصالح والتحالفات»، عنوان، اعتبره رئيس الحكومة اللبنانية الأسبق، فؤاد السنيورة، تعبيرا صادقا عن واقع الحال الذي تعشيه منطقتنا في هذه المرحلة بالذات، حيث يسوق التراجع ويسيطر الغموض وتنقلب الأدوار وتتبدل التحالفات.

وشدّد السنيورة، في كلمته خلال مؤتمر مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية، على أن دور اللاعبين الدوليين يتراجع في المنطقة لصالح فاعلين إقليميين. ويحتدم بالتالي الصراع على النفوذ والسيطرة، ويكون من نتيجة ذلك زيادة حدة اللااستقرار من خلال تفاعل العوامل المحركة للصراعات والنزاعات في النظام الدولي وكذلك في المنطقة، وهي النزاعات التي لم تعد جيوسياسية أو قومية أو اقتصادية فحسب وإنما أصبحت تأخذ أبعادا حضارية ودينية وطائفية ومذهبية.

والحقيقة أن هناك غموضا يلف مستقبل عدد من الأنظمة والبلدان العربية. ووسط هـذا الغمـوض والتحولات مايـزال التعـامل في بلداننا العربية مع مفاهـيم أسـاسية مثل الحفـاظ على الأمن الجماعي وتعظـيـم المصـالح المشـتركة قاصرا وضعيفا، في الوقت الذي نحن بأمس الحاجة لذلك، وحيث نجحت التجربة الأوروبية في التعامل مع هذه المفاهيم وتطويرها وتعميقها. وفوق كل هذا الغموض السياسي والأمني، يأتي الغموض الاقتصادي والاجتماعي مع انكشاف أكثر الدول العربية على المخاطر الاجتماعية والأمنية والسياسية والثقافية المتزايدة التي تحملها هذه التحولات.

واعتبر السنيورة أنه من المفيد في ضوء هذه الصورة المشوشة أن ننظر إلى كيفية تحوُّل الأدوار والمصالح والتحالفات، وهو الواقع الذي أوصل المنطقة العربية بأسرها إلى التراجع وبالتالي إلى المخاض الهائل الذي تشهده الشعوب العربية اليوم. وعلى عكس البدء التقليدي بسقوط فلسطين، وقيام “إسرائيل” عام 1948 وما نتج عن ذلك من صدمات وإشكالات وحروب ومآس، دعا السنيورة إلى الانطلاق من المحرِّك الأقرب وهو الغزو الأميركي للعراق عام 2003. فقد كانت هذه الفاجعة هي العامل الذي ضرب النظام الإقليمي في منطقة المشرق العربي بحيث تمت إزاحة الدور التاريخي للعراق كدولة عربية قوية حاجزة بين الداخل الآسيوي والبحر المتوسط، وقائمة على شط العرب، وبرِّ الخليج وبحره. ولقد كانت لذلك تداعيات حتى بشأن مصائر القضية الفلسطينية.

وأوضح الوزير اللبناني قائلا: أنا لا أتحدث هنا عن العدوان على العراق واستعماره، بل أتحدث عما ادعاه الأميركيون أنهم إنما يقومون بعملية بناء الدولة هناك. والذي حصل أنهم ما غيّروا نظام الحكم الذي كان قائما، كما فعلوا في اليابان وألمانيا مثلا، بل هدَّموا الدولة العراقية القائمة منذ العام 1920. وعندما خرجوا من البلاد (2010 – 2011) كانت في العراق حرب أهلية غير معلنة ساهموا في إيقادها وتأجيجها.

فوق كل الغموض السياسي والأمني، يأتي الغموض الاقتصادي والاجتماعي مع انكشاف أكثر الدول العربية على المخاطر الاجتماعية والأمنية والسياسية والثقافية المتزايدة التي تحملها هذه التحولات

ولا يمكن تجاهل تداعيات السطوة الإيرانية في العراق على سوريا ولبنان وتفاقم التدخل الإيراني في المنطقة العربية من خلال محاولة اختطاف القضية الفلسطينية، وكذلك خطف قضية الدفاع عن الإسلام وفرض الغَلَبة في العراق ومحاولات الغَلَبة في كل من سوريا ولبنان واليمن. ولقد تجلَّى ذلك من خلال ما اعتمدته إيران من سياسات وأدوات لتصدير الثورة وابتداع مفهوم ديني وطائفي ومذهبي جديد، أو توسيع نطاقه من خلال ولاية الفقيه العابرة للحدود الوطنية، وتداعيات ذلك كله على النسيج الوطني في بلدان عربية وإسلامية عدة.

وتحدّث السنيورة عن الولايات المتحدة التي يتبين يوما بعد يوم أن ارتباك سياساتها وانسحابها من المنطقة وقولها بأنها تريد أن تتفرغ إلى اهتماماتها في منطقة الشرق الأقصى ومن ثم عودتها الملتبسة الآن أدت عن قصد وعن غير قصد إلى زيادة حدة التوترات الطائفية والمذهبية وأسهمت في ظهور وتشدد قوى التطرف وفي المحصلة في تقوية الحلف الذي تقوده إيران في المنطقة.

ومن بين القوى المؤثرة في مجريات الأحداث بالمنطقة، التي تحدّث عنها فؤاد السنيورة الحركات الأصولية الإسلامية المتشددة واستشراء الجهاديات باسم الإسلام، تارة بحجة مقاومة الاستيلاء الإيراني والميليشيات الشيعية المرتبطة به، وطورا لإقامة الدولة الإسلامية الشرعية، وهي الحركات المشبوهة والمدمرة والتي يلتبس فهم طبيعة نشوئها ومَنْ يحركها.

ومواجهة هذه القوى، والتحديات الأخرى، تستوجب قوى الاعتدال العربي، التي يشكل التحالف بين دول مجلس التعاون الخليجي من جهة، ومصر من جهة أخرى عمودها، وهي تضم أيضا الأردن والمغرب ومرشحة لأن تستقطب آخرين. وقد كان هناك تنسيق مفيد بين هذه الدول العربية المستقرة في السنوات الأخيرة. وقد تجلى ذلك أخيرا بوضوح في مبادرة «عاصفة الحزم» التي تقودها المملكة العربية السعودية من أجل سلامة اليمن واستقراره وصوَن هويته ودولته والتي يمكن أن تشكل منعطفا نحو إنهاء حال الاستضعاف والتراجع العربي.

ومن الضرورة على قوى الاعتدال العربي أن ترفع من مستوى تصديها في هذا الصراع، وذلك من خلال تفعيل العمل العربي المشترك بشقّيه السياسي/الأمني والاقتصادي. وهذه الجوانب إذا تكاملت فإنها تشكّل منعطفا أساسيا نحو استعادة للملاءة الاستراتيجية والتوازن الاستراتيجي في المنطقة. ويتطلب هذا كله إعادة هيكلة الجامعة العربية من أجل الإقدار على أدوار متحركة وفاعلة. ومبادرة «عاصفة الحزم» لاستعادة اليمن بقيادة المملكة العربية السعودية، وبقوات من دول عربية عدة. وهو تطبيق عملي للقوة العربية الواحدة، الأمر الذي ينبغي المضي به قدما.

6