فؤاد العروي: عالم الخيال الروائي أكثر واقعية من العالم الواقعي

الاثنين 2013/10/07
العروي: لديّ إحساس قوي بعبثية الأشياء

بعدما لامس ذلك التتويج وأوشك على الظفر به أكثر من مرة، ها هو الكاتب المغربي الفرنكفوني فؤاد العروي يفوز، أخيرا، بجائزة غونكور لسنة 2013 عن مجموعة قصصه "القضية الغريبة لسروال داسوكين" "دار "جوليار"".

وقد قدمت إليه الجائزة في احتفال كبير بمدينة ستراسبورغ الفرنسية، حضره أعضاء أكاديمية غونكور ومن بينهم الطاهر بنجلون وبول كونستانت. تسلم فؤاد الجائزة من طرف عمدة ستراسبورغ رولاند رايس الذي عبر عن فخره بـ"العمل المميز والأسلوب المبدع" الذي تحتضن تكريمه مدينته منذ 2001، في إطار الأحداث الهامة لمهرجانها الثقافي "المكتبات المثالية".

الطاهر بنجلون، عضو أكاديمية غونكور، أشاد بالموهبة الكبيرة لفؤاد العروي، وثمَّن إصراره على اقتحام هذا المجال الأدبي العسير الذي تشكله الرواية، مؤكدا أن اللجنة اتخذت قرارها بتتويجه بالإجماع، لاسيما لأسلوبه الأدبي الحر. واستحضر بنجلون المسار الفريد للمؤلف، واصفا إيّاه بأنه "رجل الرياضيات ذو خيال الحكواتي"، و كذا أسلوبه الساخر الذي يوظف مواقف هزلية، "حيث لا شيء جدي لكن الكل خطير".

ومذّاك، أمطرت التهاني على الكاتب، وتوالت بعدها التشريفات في الأوساط الرسمية وغير الرسمية، نذكر من بينها الندوة الصحفية التي أقامها مجلس الجالية المغربية بالمهجر، يوم الإثنين 17 مايو 2013، بمعرض باب الأوداية بالرباط، بموازاة مع معرض الخط العربي للخطاط محمد إدعلي الذي أقيم بالمناسبة بشراكة مع وزارة الثقافة المغربية.

كان فؤاد العروي يردد أحيانا أنه أخفق في حياته، وأن كل زملائه بثانوية ليوطي هم حاليا ولاة، عمال، وزراء أو من كبار رجال الأعمال. ما كان أحد ليصدقه بطبيعة الحال، وهو الذي يتحدث عن الكتب بنَهم ووَلع شديدين، وهو أيضا الذي ترسم أساريره معالم السعادة بكل تجلّ، لأنه ينعم بإحساس رجل حر.

ولد فؤاد العروي سنة 1958 بمدينة وجدة عاصمة الشرق المغربي. وهو مهندس وأستاذ اقتصاد، درس بثانوية ليوطي الراقية والمتميزة، والتحق بمدرسة القناطر والطرقات بباريس واشتغل بعدها لبضع سنوات بالمكتب الشريف للفسفاط بالمغرب، قبل أن يترك كل شيء لمعانقة مسار مدرس وكاتب. يقيم الآن بأمستردام، مدرسا للاقتصاد في جامعتها.

والعروي شاعر باللغة الهولندية، أما كتاباته باللغة الفرنسية فقد جعلته يشق مسارا روائيا وقصصيا متميزا منذ مؤلفه الأول "أسنان خبير المساحة" "1996" الذي لقي إعجابا باهرا لدى الجمهور والنقاد وفاز من خلاله بجائزة ألبير كامو للاكتشاف، وقد اختير ضمن قائمة من الكتاب المرشحين ضمت أيضا فرانك كورتيس وج.لاتيس وماثيو ريمي. منذ ذلك الحين وكتاباته تعيده إلى طفولته، إلى وطنه وتاريخه، لكنه يستمتع وهو يغذي الواقع بالمتخيل، ليمحو الحدود بين السيرة الذاتية والخيال.


الناحية الأخرى


في حوار خصصته له جريدة الشرق الأدبي "l’Orient Littéraire"، حين سألته جورجيا مخلوف عما إذا كان اكتشاف الكتابة بالنسبة إليه كاكتشاف الإيمان لدى الآخرين مشيرة إلى منعرج في مساره الحياتي سنة 1990، تلك القطيعة من مهندس لامع إلى كاتب ومدرس، صرح فؤاد العروي بقوله: "إن ذلك قد يعود إلى عدة ظروف، منها الداخلية ومنها الخارجية، لنَقُل إني كنت "ضحية" النظام التربوي الفرنسي، ضحية راضية دون شك. في ذلك النظام، حين تكون بارعا في الرياضيات يدفعون بك إلى الأقسام التحضيرية دون مشاورتك.

كنت أنا شغوفا بالقراءة، أنا ذلك الطفل، "مهدي" في "سنة عند الفرنسيين"، الذي عند وقوع زلزال، جلس قرب مصدر للضوء وبدأ يقرأ بينما الكل حوله يتخبط ويصرخ. أنا ذلك الطفل الذي يعتقد أن عالم الخيال الروائي هو أكثر واقعية من العالم الواقعي. كنت أقرأ بطريقة مطلقة العنان وكان والدي يشجعني بقوة. بالثانوية، كنت شغوفا بالأدب والتاريخ والفلسفة، بنفس شغفي بالرياضيات.

لكن تم توجيهي نحو "المسلك الملكي"، نهج التحضير العلمي. وفي الأقسام التحضيرية ليس لدينا وقت للتفكير. فأصبحت إذن مهندسا، اشتغلت بالمكتب الشريف للفسفاط وبدأت مساري المهني. لكن في سن الثلاثين أصبت بصدمة. بدأت أحس إلى أي حد أن ذلك المسار الذي رسم لي لم يكن طريقي. كان لدي إحساس بأنني أحطت بالمسألة فيما يتعلق بممارستي للهندسة. وبدأت أسأل نفسي: ماذا عن الناحية الأخرى للعالم؟ عن رغبتي في الكتابة؟ عن ميولي إلى الفن، إلى الأدب والعلوم الإنسانية؟

فضلا عن هذه الظروف الداخلية ستنضاف ظروف خارجية. فكل هذا كان يجري في مغرب الحسن الثاني. وذلك الشعور بأن أي شيء يمكن أن يحدث لي، كان يفزعني. فقررت أن أوقف كل شيء. قمت بتوزيع كل ما لدي، لم يكن بالشيء الكثير بما في ذلك خمس قطط، وانطلقت من جديد نحو أوربا، لأنني أردت العيش فقط هناك".


تفسير الهجرة


لمدة عشر سنوات، في طلاق تام مع بلده الأم، ورغبة في قطيعة جذرية. لكن المفارقة أنه منذ ذلك الحين بدأ يكتب، يكتب قبل كل شيء عن المغرب، وفي هذا الشأن يقول: "كنت في المغرب أحس بضيق شديد. كان يبدو لي أنني مراقب، و يتم توقيفي أحيانا من أجل أشياء تافهة. المظالم، اللامنطق الذي يطبع التصرفات والقرارات، العبثية التي تشوب تسيير الدولة، كل هذا كان يجعلني في عصبية وغضب شديد.

حين أقمت بأمستردام، بدأت أكتب وكأنني أريد أن أفسر لنفسي أسباب هجرتي، لأعطي معنى لما كان يحل بي. وتلك النصوص أصبحت شيئا فشيئا، "أسنان خبير المساحة"، أول رواية لي، والتي تتمثل في جملة من المشاهد المتوالية تمزج المشهود بالمتخيل، تسنى لي من خلالها تصفية حساباتي مع المغرب. لكن الحقيقة أن المغرب استمر يشغل كُلا أو جزءا من رواياتي اللاحقة، حتى حين كانت تحدث في باريس".

وعن الشخصيات التي أثرت في مساره الأدبي وجعلت منه إنسانا مهوسا بالقراءة، يقول فؤاد العروي: "الحقيقة أن أبي كان يشجعنا كثيرا على القراءة ويدعمنا كثيرا في دراستنا. لم يتسن له إجراء دراسات عليا، وكان ذلك يحز كثيرا في نفسه.

لكنه هو الذي، لفرق السن بينهما، قام بتربية عمي عبد الله العروي، الذي أصبح مؤرخا مرموقا. كان أبي يكن احتراما شديدا للثقافة والتعليم. وكانت تغمره السعادة حين كان يشاهدنا نقرأ".


الماضي البسيط

كتاباته تعيده إلى طفولته، إلى وطنه وتاريخه، ويستمتع وهو يغذي الواقع بالمتخيل، ليمحو الحدود بين السيرة الذاتية والخيال.


علاقة رفيعة مع شخصية أدبية مرموقة ما تزال ذاكرة فؤاد العروي تحتفظ بها، إنه الكاتب إدريس الشرايبي.، وعنها يقول العروي: "يتعلق الأمر هنا بمقابلة فريدة. كنت حينها بجامعة يورك، و كنت قد نشرت أول رواية لي. يرن الهاتف، أسحب السماعة، و إذا بصوت على الخط يقول لي: "إنه إدريس الشرايبي". كنت أظن أن الشرايبي، أحد الوجوه الرائدة في الأدب المغربي، قد مات. تصورت إذن أن أحدا يمازحني. لكنه كان حقيقة هو. فقال لي هذه الجملة التي ستبقى محفورة بداخلي على الدوام: لقد كتبتَ "الماضي البسيط" للجيل الجديد".

"الماضي البسيط" الذي نشره الشرايبي سنة 1954، يعد من أعظم كتب الأدب المغربي في القرن العشرين. في تلك الفترة، كان يسود البلاد جدل بين أولئك الذين يعتبرون أن الوجود الفرنسي الذي انقضى، لم يكن إلا شيئا قاب قوسين، لا يعتد به مقارنة مع الألفية التاريخية للمغرب، وأنه يتوجب الرجوع إلى الوضع السابق لما قبل الحماية، وأولئك الذين يؤكدون العكس، إن تلك السنوات كان لها أثر محفز ساهم في تسريع وتيرة تحديث البلاد وأنه تجدر مواصلة السير على ذلك المنوال.

الشرايبي، و هو في سن الـ28 حين كتب، رفض الخيارَين. بالنسبة إليه، الأصالة نفاق اجتماعي والمعاصرة وهْم خادع. سيثير ضجة وينعته البعض بـ "قاتل الأمل". أما فيما يخصنا، فقد توطدت صداقتنا، وسأقيم في ضيافته عدة مرات بمنطقة الـ "دروم" بفرنسا. لدينا عدة نقاط مشتركة: ترعرعنا نحن الإثنين، بمدينة الجديدة، درسنا بثانوية ليوطي، علاقتنا وطيدة جدا باللغة الفرنسية ونميل إلى الدعابة، بل حتى إلى السخرية".

في روايته "سيدة الرياض العجوز"، يخاطب فؤاد العروي أولئك الفرنسيين، وما أكثرهم، الذين يصرحون بأنهم يحبون المغرب لكن معرفتهم به تبقى سطحية جدا، بل تكاد تكون نمطية.

"نقطة انطلاق الكتاب كانت شريطا شاهدته مؤخرا، أراد فيه فرنسي الاحتفال بعيد ميلاد شخص ما، من أجل ذلك سينظم، كرما لأصدقائه، حفلا كبيرا بمراكش، مع الفولكلور الذي يصاحبه، بما فيه الفانطازيا. سيقضي كل المدعوين نهاية أسبوع كما لو أنهم في الأحلام. لكن في النهاية، ما الذي شاهدوه عن المغرب؟ مَن مِن المغاربة التقوا بهم، بما فيهم من قاموا بالخدمة خلال الحفل؟ يقدر عدد الفرنسيين المقيمين بمراكش بـ 100.000.

إنهم يتمتعون بعذرية وجمال المناظر الطبيعية. لكن هل يرون العمق التاريخي والفلسفي للبلاد؟ هل يعلمون إلى أي حد أن التاريخ الفرنسي للقرن العشرين هو تاريخ مغربي؟ هل يتذكرون أن عددا من النقاشات التي دارت بالمجلس الوطني الفرنسي، كان موضوعها المغرب خلال جزء واسع شكله النصف الأول للقرن العشرين؟ هل يعلمون عدد المغاربة الذين انخرطوا في الجيش الفرنسي؟ هل يعرفون أن الفضل كان لهم في انتصار جبل "كاسينو"؟ كانت إذن نقطة انطلاقي من هؤلاء الناس الذين يأتون إلى المغرب وهم لا يفقهون شيئا عن هذا البلد. لقد أردت أن ألقنهم درسا بمعناه المزدوج: أن يتعلموا بعض الشيء عن تاريخنا، وأن يشكل ذلك بالنسبة إليهم درسا بالمعنى المجازي للكلمة".


سروال داسوكين


"سواء ألبث في وطنه أم هاجر إلى الخارج، الشباب المغربي الممزق بين الأصالة والمعاصرة، يعاني في إيجاد مكانته. لا يطرح المشكل بنفس الطريقة بالنسبة إلى الإناث والذكور، والفقراء والأثرياء، المتنورين والأغبياء. مع ذلك، يستوجب عليهم جميعا الإجابة عن نفس السؤال: من أكون؟" هذا هو التعليق الذي آثرت تقديمه "دار جوليار" ناشرة المجموعة القصصية، في إشارة لإشكالية الهوية.

سروال داسوكين مستوحى من شخصية الفنان الكوميدي المحبوب لدى جل المغاربة، مصطفى الداسوكين، والذي اشتهرت شخصيته الهزلية بارتدائه لسروال تقليدي يتناقض مع سترته العصرية. وظف العروي هذه الدلالة في أحداث قصة بطلها موظف كبير في الحكومة المغربية، تسند له مهمة شراء شحنة من القمح من أوروبا.

ينتقل إلى العاصمة البلجيكية لإتمام الصفقة، وحين يستيقظ من ليله بفندق فاخر، يجد أنه تعرض لسرقة فقد بسببها سرواله الوحيد. ما العمل؟ أين سيجد سروالا في فجر يوم الأحد، لحضور موعده مع اللجنة الأوروبية. سيضطر إلى شراء السروال الوحيد الذي يطابق مقاسه في المحل الوحيد الذي فتح أبوابه ذلك الصباح الباكر. سروال قد يخجل مهرج بارتدائه، لكن المفارقة أن هذا المظهر هو ما سيسهل عليه أمر إنجاز الصفقة، إذ سيحصل عليها بالمجان.

15