فؤاد حمدي رسام الغرباء اليائسين من أوطانهم

رسوم الفنان العراقي تحتاج إلى قراءة بصرية لتجنب الوقوع في فخ حكاية بغداد المؤلمة التي تسقط الرسم في عالم عاطفي قد يضعفه.
الأحد 2021/01/17
ابن العراق في تلاشيه

ما الذي يمكن أن يستلهمه الفنان من المكان إذا كان ذلك المكان منفى؟ سؤال موحش حاول الكثير من الفنانين الإجابة عليه عن طريق أعمالهم الفنية. ولأن الغربة ليست واحدة، وما من غربة تشبه أخرى، فقد جاءت طرق النظر إليها ومن خلالها إلى العالم تختلف من فنان إلى آخر.

فؤاد حمدي فنان عراقي يعيش في كندا، لا يجد أمامه سوى ذلك الجدار الصامت والأصمّ الذي عنوانه “الغربة” فيحاول اختراقه عن طريق الرسم. “إلى أين؟” ذلك هو السؤال الحائر والمحيّر الذي يسلي به كائناته المرمية في فضاء يضيق ويتسع، غير أنه يبقى أسير مجهوليته. 

التشاؤم ليس حلا جماليا

ربما يشعر الكثيرون بالراحة وهم ينظرون إلى رسوم حمدي. فهي من وجهة نظرهم ميسرة على مستوى الفهم

لا يريد الفنان أن يبدو متشائما. لذلك فإنه يزيد من شحنة اللعب. لعب تمارسه تلك الكائنات على الزمن من أجل أن تلتقط إشارات لما يشبه الحياة. غير أنها في كل الأحوال ليست الحياة الحقة. 

كائنات يستعيرها الفنان من كوابيس غربته لتمارس وجودها في زمن لا يتصل بماضيه. وهي لذلك كائنات من غير ماض. ولا المكان يبدو واقعيا بالرغم من صلابته.

رسوم حمدي لا تقطع صلتها بالكابوس النظيف واللامع بالرغم من محاولة الرسام إقامة عالم يقع عند حدود الواقع. شيء ما يشبه الواقع أو يتشبّه به غير أنه واقع الغرباء الذين اختلطت في خيالهم الصور. وكما يبدو فإن الغربة نجت بالفنان من المفاهيم التقليدية التي علقت بتاريخ الحداثة الفنية في العراق. فهو ينتج رسوما لا يمكن النظر إليها وتقييمها إلّا في سياق عالمي.

فن حمدي لا ينتمي إلى التجربة العراقية إلّا في حدود ضيقة. المعاناة الإنسانية فتحت أمامه آفاقا للتحول وهو ما يمكن النظر إليه بتفاؤل. فقد نجح في التأثر بعدد من الفنانين العالميين الكبار الذين أعجب بهم. لا يزال واقعا تحت تأثيرهم وفي الوقت نفسه يسعى إلى أن يخلص إلى تجربته الحياتية.

وبالرغم من الأناقة اللافتة لرسومه فإن الفنان لا يخفي ما انطوت عليه تجربته من عذاب وألم وشعور عميق بالعزلة. لقد تعلم درسا جارحا. أن يخفف عن طريق الجمال من تعاسة المتلقي بالرغم من أنه يصارع وحشته الوجودية.

ما بين الصمت والصراخ

رسوم حمدي لا تقطع صلتها بالكابوس النظيف واللامع بالرغم من محاولة الرسام إقامة عالم يقع عند حدود الواقع.
رسوم حمدي لا تقطع صلتها بالكابوس النظيف واللامع بالرغم من محاولة الرسام إقامة عالم يقع عند حدود الواقع

ولد حمدي عام 1962 في حديثة بغرب العراق. لم يستطع إكمال دراسته الفنية في معهد الفنون الجميلة بعد فصله لأسباب عرضية تتعلق بالسياسة. عام 2000 التحق بالدراسة المسائية للمعهد ودرس الرسم هناك لمدة سنتين. كان قد أقام معرضه الشخصي الأول في مدينة الرمادي عام 1979. أقام أكثر من عشرة معارض فردية في بغداد ودمشق وروما وكندا حيث استقرّ هناك بعد خروجه من العراق وقد سبق له أن أقام في سوريا وتركيا. 

شارك في الكثير من المعارض الجماعية في المدن التي أقام فيها. عام 2012 أقام معرضا في بغداد بعنوان “عالم فؤاد حمدي”. ذلك العنوان يمكنه أن يكون معبّرا عن طريقته في النظر إلى رسومه وطريقته في التفكير الفني كما طريقته في معالجة تجربته في الحياة فنيا. 

ليس بالضرورة هنا أن يكون ما أستنتجه مطابقا لما سعى الفنان إلى أن يقوله أو يعبر عنه. ذلك لأن فنانا تحتل الكوابيس مساحة كبيرة من صلته بالواقع لا بدّ أن يكون فنه مستوحى من حياته. تجربة يستعيد من خلالها التفاصيل المريرة التي مرّ بها أو كان شاهدا عليها. لذلك فإنه يتلمّس طريقه أحيانا إلى نفسه عن طريق دعابات سوداء تضفي على رسومه طابعا سورياليا. حينها يقترب من البلجيكي رينيه ماغريت صامتا وساخرا وعميقا بأفكاره. غير أنه في أحيان أخرى تبلغ به اللوعة إلى درجة الصراخ المتمزق فيجد نفسه مقيما في صرخة معذبة وهو ما يقربه من تجربة البريطاني من أصول أيرلندية فرانسيس بيكون. وما بين الصمت الساخر والصراخ الجارح يقع عالم فؤاد حمدي.

ربما يشعر الكثيرون بالراحة وهم ينظرون إلى رسوم حمدي. فهي من وجهة نظرهم ميسرة على مستوى الفهم. رسوم تسعى إلى المعنى. تلك هي وجهة نظر يمكن أن تكون سببا في خسران الكثير من أسباب المتعة ومعها يشحب الجمال الذي أجهد الرسام نفسه من أجل أن يضعه في المكان الذي تتوازن فيه معادلته الفنية. 

التسلل إلى أصل الحكاية

حمدي لا يجد أمامه سوى ذلك الجدار الصامت والأصم الذي عنوانه “الغربة” فيحاول اختراقه عن طريق الرسم
حمدي لا يجد أمامه سوى ذلك الجدار الصامت والأصم الذي عنوانه “الغربة” فيحاول اختراقه عن طريق الرسم

يمسرح حمدي المشاهد التي يرسمها. مشاهده تحدث في مكان مغلق يبدو كما لو أنه مسرح. غرفة أو زنزانة أو مشرحة الأمر سواء. ما يحدث هناك هو مجاز متحفي. فالكائنات التي تُرسم لا تنتمي إلى الحاضر. إنها ذكرى تأتي من الماضي مثقلة بمشاعر صادمة. يرسم حمدي ما يتذكره لا ما يراه. فهو يعيش فكرة النجاة بطريقة غير سعيدة. ذلك لأن أشباح الماضي لا تزال تقف وراء أبواب تلك الأماكن المغلقة.

تتواصل كائنات حمدي في ما بينها عن طريق لغة مختصرة هي بقايا إشارات أراد الرسام من خلالها أن يوحي بأن كل ما يُرى ليس الحكاية كلها، بل المفاتيح التي يتمكن المتلقي من خلالها إلى التسلل إلى أصل الحكاية. ذلك ما يبعد التلقي عن محاولة الفهم والتأويل المباشرين. 

نحن نرى الصورة لكي نشارك الفنان أزمته وهو يسعى إلى إعادة بناء عالم صرنا لكي نتذكره في حاجة إلى مَن وما يقودنا إليه. ففي مرحلة سابقة لجأ الفنان إلى استعمال الأقنعة بدلا من الوجوه ليزيد من لغزية الحالة التي تعيشها كائناته غير أنه في مرحلة لاحقة أزاح تلك الأقنعة فظهرت الوجوه مشوّهة كما هي عليه في كوابيسه وفي الحياة التي أفرزتها تلك الكوابيس. وما تلك الكائنات المشوّهة إلّا إشارات رمزية إلى مصير الكائن البشري في ظل وضع مغلق يسيطر الخوف والفزع على جوانبه.

وعلى عادة السورياليين يجنح حمدي إلى الإيهام بوجود الحكاية التي يمكن من خلالها التمرّد على جماليات الرسم للتماس بالأدب، بحيث يتخذ العمل الفني طابعا سرديا. يمكننا أن نؤلف حكاية ونعتبرها الأصل الذي حاول الفنان أن يصنع منه صورة، تقف بموازاته ولا تُعتبر محاولة لتوضيح ما يمكن أن يلتبس من معانيه. 

حكاية عراق يتوارى

 حمدي ينتمي إلى أكثرية نالها قسط من ذلك العذاب الذي صار مصدر إلهام له يرافقه في مدن غربته
حمدي ينتمي إلى أكثرية نالها قسط من ذلك العذاب الذي صار مصدر إلهام له يرافقه في مدن غربته

وبالرغم من تعدّد الأمكنة والفضاءات التي تتحرك فيها كائنات الفنان فإن الحكاية الأدبية إذا ما قمنا باعتمادها مصدرا للإلهام الفني تعود إلى فكرة حياة واحدة. فكرة العراق. البلد الذي بدأ يختفي تدريجيا تحت وطأة عذاب كوني صار يوزعه بين مواطنيه بالعدل. 

ينتمي حمدي إلى الأكثرية التي نالها قسط من ذلك العذاب الذي صار مصدر إلهام له يرافقه في مدن غربته. سيكون عليه أن يبتكر صورا هي مزيج من النفور والحنين. ذلك البعد الغرائبي بسبب تناقضه هو الذي يشدّ في رسوم ذلك العراقي الذي تزيده غربته تلفتا. في خضم ذلك الصراع تحضر روح الدمية لتفرض وجودها على الكائنات التي يبتكرها الرسام ميتة. كما لو أنها تماثيل في متحف.

تلك هي الأخرى عادة سوريالية اكتسبها الرسام لتكون رؤياه البصرية على المستوى الذي يصل الواقع بالخيال. إنه عالم متخيّل ذلك الذي يدخلنا إليه الرسام غير أنه لن يكون غريبا عنا إذا أمعنا النظر فيه. 

ربما تحتاج رسوم حمدي إلى قراءة بصرية لتجنب الوقوع في فخ حكاية العراق المؤلمة التي تسقط الرسم في عالم عاطفي قد يضعفه.

فعل فؤاد حمدي حسنا حين أفرد في عالمه مكانا للغرابة السوريالية بكل دعاباتها السوداء. فهو من خلال ذلك استطاع أن يقول جزءا من الحقيقة، وفي الوقت نفسه كان مخلصا لخيال الفن. 

فن حمدي لا ينتمي إلى التجربة العراقية إلّا في حدود ضيقة
فن حمدي لا ينتمي إلى التجربة العراقية إلّا في حدود ضيقة

 

9