فؤاد رفقة "الحطاب العاشق للغابة" في عزلته وصمته

الأربعاء 2014/02/26
الحرب الأهلية لم تنعكس في القصائد التي كتبها رفقة في الفترات العصيبة

ميونيخ-في ربيع عام 2011، وبينما كان العالم العربي منشغلا بأكاذيب “ربيعه”، رحل عن الدنيا الشاعر الكبير فؤاد رفقة عن سنّ تناهز 81 عاما. وباستثناء بعض المقالات التي تحدثت عن رحيله في الصحف اللبنانيّة، لم يحظ صاحب “جرّة السمرائي” بما يستحقّه، وبما يعزّي الدور الهام الذي لعبه في تطوير القصيدة العربيّة شكلا ومضمونا.

كنت قد تعرّفت على فؤاد رفقة مطلع التسعينات من القرن الماضي في ميونيخ عندما جاء إليها ضيفا على بيت الفنّانين “فيلاّ فالدبارتا” التي تطلّ على بحيرة “شتانبارغ” الفاتنة، وأيضا على جبال الألب. كان الخريف الألماني في أبهى وأروع صوره. وكانت لألوان الغابات الكثيفة بهجة مهرجان فنّي بهيج. تحدثنا طويلا في مسائل شتّى. وقد وجدت الرجل خجولا، منصرفا إلى عالمه الداخلي انصرافا يكاد يكون كلّيّا. مع ذلك تمكّنت من أن أسمع منه ما أرضاني، وأمتعني حسيّا وفلسفيّا وروحيّا.

وفي نهاية لقائنا أهداني فؤاد رقفة ديوانين له، هما: “جرة السامرّائي” و”سلة الشّيخ درويش”. وعلى الصفحة الأولى من الديوان الأوّل كتب لي يقول: “إلى حسّونة الصّديق القريب- البعيد… هذه الجرّة عساه يجد فيها قليلا من الماء لأيّام العطش”. بعدها تعددّت لقاءاتي بفؤاد رفقة إذ أنه كان دائم التردّد على ألمانيا حيث أمضى سنوات الدراسة الجامعيّة. وبين وقت وآخر كانت تصلني منه رسائل من بيروت غاية في الرقّة.


بعيدا عن الأضواء


على مدى مسيرته الشعريّة الطويلة التي قاربت الستّين عاما، ظلّ فؤاد رفقة متوحّدا بنفسه، نفورا من المنابر ومن الأضواء، ومن كلّ ما يمكن أن يفسد عليه عزلته، وصمته، صمت الناسك في الدّير الجبلي. وكان يرى أن تجربته الشّعريّة تتغذّى من ينابع ثلاثة. الأوّل هو ينبوع الطفولة حيث ولد ونشأ في قرية جبليّة بسيطة تبدو كما لو أنها امتداد للطبيعة وأشيائها وصورها. لذلك كانت جلّ قصائده مفعمة بالصّور المستمدّة من الطبيعة، مثل “على درب يمشيان مطر خفيف. خطى بطيئة على أوراق خريفيّة. نواقيس بعيدة. يلتفت إليها: “أتذكرين؟ في ذلك الزّمان عندما كانت البساتين….” تلفت إليه: يومها كانت السّماء وسيعة”.

اللغة الشعرية الحقيقية هي في رأيي جزيرة بعيدة وعلى الشاعر أن يسبح طويلا، وبمشقة، لكي يبلغها

وفي قصيدة أخرى يقول: “فرحا يطلع النّبع، يملأ الجرار، ويسقي العابرين. فرحا يفيض ويعطي، يعطي ويفيض دون حساب. فرحا يصير الغناء.. شاعر”. وأمّا الينبوع الثّالث فهو ينبوع مجلّة “شعر” التي انضمّ إليها عند تأسيسها عام 1957، ليكون أحد أصواتها المتفرّدة.

وقد أتاحت له المجلّة المذكورة المجال لكي يتعرّف على شعراء لبنانييّن وغير لبنانييّن ليتفاعل معهم ومع تجاربهم ورؤاهم. كما أتاحت له اكتشاف أهميّة ترجمة الشّعر الأجنبيّ إلى اللّغة العربيّة، وهي الوسيلة الأنجع حسب رأيه، للاتصال المثمر بين الثقافات والحضارات. في الآن ذاته، ساعدته تجربة مجلّة شعر على أن يدرك أنّ ظهور القصيدة الجديدة لا يمكن أن يتمّ إلاّ عبر موقف جديد تجاه القضايا المصيريّة، والحضاريّة وتجاه الوجود والكون. وعن الينبوع الثّالث، والذي هو الينبوع الألماني، يقول :“مهما حاولت وصف تجربتي الألمانيّة بتفاصيلها، فإنّي أظلّ رغم ذلك بعيدا نوعا ما عن الواقع نظرا للغنى الفكري والرّوحي الذي تميّزت به تلك التجربة”.


الفلسفة الألمانية


وكان فؤاد رفقة قد سافر إلى ألمانيا أوائل الستينات من القرن الماضي لدراسة الفلسفة بنصيحة من شارل مالك الذي كان له تأثير كبير على مثقّفي “الحزب القومي السّوري”. وفي عام 1965 تخرّج من جامعة “توبنغن” بعد أن ناقش أطروحة حملت عنوان “نظريّة الفنّ عند مارتن هايدغر”.

وخلال السنوات التي أمضاها طالبا في المدينة التي أمضى فيها هولدرلين سنوات الجنون الطويلة، تيسّرت له فرصة الاطلاع على الفلسفة الألمانيّة في أغلب تجلّياتها، والتعرّف عن كثب على تجارب شعراء كبار من أمثال هولدلين، وغيورغ تراكل، وهرمان هسّة، وغوته، ونوفاليس، وشللر، وراينار ماريا ريلكه.
إن الوجوديّة التي برزت في أعمال فؤاد رفقة المبكّرة تعود بصورة واضحة إلى “مراثي دوينو” لراينار ماريا ريلكه

وفي عام 1969، قام بزيارة هايدغر في قريته الجبليّة. وهو يقول: “من الواضح أن هايدغر أقام حوارا عميقا مع كبار الشعراء في اللّغة الألمانيّة. وقد استفاد كثيرا من ذلك. فمن خلال قصائد تراكل مثلا، بنى فلسفته في اللّغة. كما أن الوجوديّة التي برزت في أعماله المبكّرة تعود بصورة واضحة إلى “مراثي دوينو” لراينار ماريا ريلكه.

أمّا قوله بأنّ القصيدة لا تنبع من الشاعر وحده، بل أيضا من قوّة خفيّة تتفتّح على الشاعر وتلقّنه الكلمة الشعريّة، فهي تعود بالأساس إلى العديد من قصائد هولدرلين. وعندما قرأت أنا هؤلاء الشعراء وأنا بصدد إعداد أطروحتي، اكتشفت أن هناك ما يجعلني قريبا منهم، وأن هناك إمكانيّة للتّحاور معهم من خلال الشّعر. كما لو أنني كنت امتدادا لهم. ومن الطبيعي أن قراءتي لهؤلاء الشّعراء أغنت تجربتي الشعريّة إلى حدّ بعيد.

وهذا يعني أنّ قراءة الشّعر العالمي، إذا ما كانت قراءة صحيحة، تكون دائما مصدرا، أو منبعا أساسيّا لإثراء تجربة الشاعر، والأمر المهمّ هو أن الينبوع الألماني وفّر لي فرصة اكتشاف طريقي في الوجود الشعري”.

بعد انتهاء دراسته عاد فؤاد رفقة إلى لبنان ليعمل أستاذا في الجامعة الأميركية في بيروت. وقد جاءت قصائده الأولى التي نشرها في مجلّة “شعر” متأثّرة إلى حدّ كبير بالشعراء الألمان. وشيئا فشيئا نحت لنفسه شخصيّة شعريّة خاصّة به، وفي ردة من نوعها بالنسبة إلى شعراء جيله.

فهو منصرف كلّيّا إلى عالمه الداخلي، وإلى تأمّلاته الوجوديّة، وإلى الأفكار والهواجس التي تتولّد في ذهنه وهو يجول وحيدا في الطبيعة الصامتة بعيدا عن صخب المدن، وهو يحبّ أن يتماثل مع الحطّابين، والرّعاة، والزهّاد المتخفّين في المغاور، ومع المتصوّفة الذين يذيبون ذواتهم في الذّات الإلهيّة.

وخلافا للعديد من المبدعين، والمثقّفين اللّبنانيّين الذين هجروا بلادهم بسبب أهوال الحرب الأهليّة، فضّل فؤاد رفقة البقاء في بيروت. وكان يقضي أغلب أوقاته في بيته الجبلي، ولا ينزل إلى المدينة إلاّ في الأيّام التي يلقي فيها محاضراته بالجامعة الأميركيّة.

غير أن الحرب الأهليّة الطويلة، وما نتج عنها من دمار وخراب، ومجازر لم تنعكس في جميع القصائد التي كتبها في تلك الفترات العصيبة. وفي حين كان جلّ الشعراء اللّبنانيين منصرفين إلى كتابة قصائد من وحي الحرب، وفواجعها، وآلامها، كان فؤاد رفقة منزويا في ركنه المعتم بعيدا عن صخب المعارك، ودويّ المدافع، ليكتب قصائد عن الحطّاب العاشق للغابة في فصل الخريف، وعن الطيور التي تغنّي للفرح، وعن همس الجداول الذي يشبه همسات الحبيبة، وعن شيخ زاهد ترفّع عن ملذّات الدنيا، واختار الوحدة وطنا روحيّا فلا يبرحها أبدا.

في حين كان جلّ الشعراء اللّبنانيين منصرفين إلى كتابة قصائد من وحي الحرب، وفواجعها، كان فؤاد رفقة منزويا في ركنه المعتم يكتب قصائد عن الحطّاب العاشق


القصيدة الكيانية


وفي حوار أجريته معه في ميونيخ، قال لي فؤاد رفقة متحدّثا عمّا سمّاه بـ”القصيدة الكيانيّة” :”اللّغة الشعريّة الحقيقيّة هي في رأيي جزيرة بعيدة وعلى الشاعر أن يسبح طويلا، وبمشقّة، لكي يبلغها بهدف تأسيس وجوده الشعري في معناه العميق.

والقصيدة الكيانيّة حسب اعتقادي هي الوحيدة القادرة على نبش خفايا اللّغة الشعريّة، واستخدام صورها ومفرداتها بطريقة تغاير إلى حدّ بعيد المفهوم العام. وهذا يعني أنها الوحيدة القادرة على تصفية اللّغة، وعلى بلوغ درجة الشفافيّة التي هي روح الشعر الحق. ويمكن أن تكون القصيدة الكيانيّة سهلة وواضحة، لكنها عميقة، ومنغرسة في كيان الإنسان والوجود، أما القصيدة الملتزمة سياسيّا فهي للتّهييج، ولا هدف لها غير ذلك”.

وقد انشغل فؤاد رفقة مبكّرا بالموت في معناه الفلسفي. فعل ذلك في كتابه”الشعر والموت” الذي استعرض فيه أفكار كبار الشعراء الألمان في الموت. وفيه كتب يقول:”ليس الموت حدثا خارجيّا، ليس الموت بذرة تنمو وتنضج في إطار الحقيقة الإنسانيّة، ليس الموت، بمفهومه الأنثروبولوجي، توقّف حركة الجسد العضويّة. الموت آخر طريق الحقيقة الإنسانيّة على هذه الأرض. إنّه أعمق جذر في وجود هذه الحقيقة”.

وفي السنوات الأخيرة من حياته، عندما أخذ المرض العضال يفتك بجسده النحيل، كتب فؤاد رفقة العديد من القصائد التي تعكس إحساسه بالموت الوشيك. في واحدة من هذه القصائد، كتب يقول:”من أنت؟/ صاحب ألأرض/ ماذا تريد؟/ أن تخلي المكان/ لمن؟/ لمستأجر جديد”. فمن هو هذا المستأجر الجديد الذي سيخلف فؤاد رفقة في كتابة قصيدته الكيانيّة؟

14