فؤاد سالم الغريب المحيَّر على الخليج يموت في دمشق

الأحد 2013/12/29
الشاعر الموسيقي والمغني.. صورة العراق وصوته

لم يكن العراق الذي عرفه العرب والمسلمون تاريخيا، مجرد بلد من بلدان العالم العربي العديدة، ولم يكن إقليما، ولا كيانا سياسيا، كان ثقافة كاملة استند إليها عرب المشرق والمغرب منذ أن قرّر الخليفة عمر بن الخطاب الذهاب بالعرب شمالا وشرقا حيث الشام وأرض الرافدين، وتلك الثقافة التي يفتقدها العرب اليوم، تجسدت بصورة العراق الكبير، صورة شعرائه ومفكريه ومغنييه ورساميه ومسرحييه، بإنتاجه الفكري والمعرفي الذي حمل ثقافة الأمّة وهويتها، وتعرج اليوم من غيره بعد أن تم تغييب دوره عبر مراحل عديدة.


البصرة تذهب إلى موانئ العالم


لم تكن كلمات مظفر النواب التي قالها عن بحور العالم بعيدة عن شعور العراقيين في اغترابهم الكبير، ” وأوغلت كثيرا في البحر / فأين البصرة ؟! /صحيحٌ أين البصرة ؟ /البصرة بالنِيّات/ لقد خلصت نِيّاتي/ وتسلق في الليل عمى الألوان عليها /أين البصرة ؟ /أين البصرة ؟ مشتاق.. لا يوصلك البحر إلى البصرة/ بل يوصلني/ قلنا لا يوصلك البحر إلى البصرة/ بل يوصلني البحر إلى البصرة/ أحمل كل البحر وأوصل نفسي/ أو تأتي البصرة إن شاء الله / بحكم العشق وأوصلها” فذهب عراقيو البصرة إلى موانئ العالم.. ومن تلك الزاوية الواسعة، الرحبة، جاء ابن البصرة فالح حسن البريج، الذي شدّه اليسار والفكر الحرّ مبكّرا إلى العمل على النضال من خلال الفن، بعد أن اكتشف موهبته في الغناء والعزف، ولم يكن هذا سهلا في عراق الماضي، فقد كان على من يزعم أنه من طبقة المغنين، أن يُلمّ بالمقامات العراقية وأصول الطرب وعلم الموسيقى كلّه، وهذا ما ذلّل فالح نفسه من أجله، فهو المولود في التنومة في العام 1945، لم يعط نفسه أكثر من ثمانية عشر عاما، كي يبدأ احتراف الغناء، ماضيا خلف العملاق ناظم الغزالي، ليلفت النظر إلى حنجرته وحفظه، في نادي الفنون في البصرة، فأتقن البوذيات بأطوارها، وعرف فنون أهل بغداد، متمثلا كبار المغنين مثل محمد القبنجي ويوسف عمر، ولم يفته المطرب والملحن وعازف الكمان العراقي صالح الكويتي، الذي تعلّم منه حساسية التحديث في التراث، فبدأ كعازف على الأوكورديون ثم انضمّ إلى فرقة “نادي الميناء الموسيقية”، بعد سنوات قليلة، كان اليسار العراقي قد أصبح في مقدمة العاملين في الثقافة والفنون في العراق، رغم صدامه الدائم مع البعث، ولكن كانت تمرّ فترات تظهر فيها آثار الشيوعيين العراقيين على كل نواحي الحياة، ومنها الشاشة العراقية، فجيء بفالح حسن إلى التلفزيون في بغداد، ليكون ضيفا على برنامج “وجهاً لوجه” في العام 1968، ومنحه الموسيقي سالم حسين اسمه، فصار يعرف باسم “فؤاد سالم” وقدّم له أوّل أغانيه “سوار الذهب” من كلمات جودت التميمي، وصار اسما معروفا في العراق.

غنى فؤاد سالم للرفيق فهد مؤسس الحزب الشيوعي العراقي ولفرج الله الحلو الذي تم تذويبه بالأسيد في سوريا أيام عبدالحميد السراج

درس فؤاد سالم في معهد الفنون الجميلة في بغداد، وتعلّم أصول الغناء وتلاوين الصوت، وكان في جمعه فنون الطرب العراقي وأنواعه، يقصد أن يكون عراقياً شاملا بل عربيا وكرديا ومردليا فلم يتردّد في إتقان أي صنف، ليعيد بثّه في أغانيه، وشارك في التظاهرات الغنائية الكبرى التي أقيمت في أواخر الستينات، مثل العمل الموسيقي الاستعراضي “بيادر الخير”، و”المطرقة” ولفت الأنظار إلى مساهمته تلك، لأنه أراد أن يكون لصوته رسالة إنسانية وسياسية إضافة إلى كونه صوتا جميلا تطريبيا، وغنى مع شوقية العطار أغنيته الشهيرة “يا عشقنا”.

وتوالت أعمال فؤاد سالم، حتى غنى أغنيته الرائعة” مو بدينه نودع عيون الحبايب” في العام 1975، التي صارت أيقونة للغناء في العراق، وخاصة في تلك السنوات التي شهدت نزوح عدد كبير من أبناء البلد عن بغداد والجنوب والشمال بسبب التغييرات التي طرأت على علاقات البعث الحاكم ببقية الاتجاهات السياسية، فغادر الناس دون أن يكون “بأيديهم وداع الأحباب”، غنى فؤاد سالم أغانيه السياسية في مناسبات الحزب الشيوعي، وغنى للرفيق فهد مؤسس الحزب، ولفرج الله الحلو اليساري الذي أعدم بتذويبه بالأسيد في سوريا أيام عبدالحميد السراج، فخرج فؤاد من العراق، بعد أن اعتدت عليه عناصر المخابرات إثر إحدى حفلاته، وبعد أن عاش طويلا مختبئا في الجنوب، حتى تمت الوشاية به من بعض المقربين كما كان يشكتي بمرارة في أحاديثه في ليالي دمشق، ذهب فؤاد سالم إلى اليمن الجنوبي ليتابع دراسته، ثم انتقل إلى الكويت في العام 1982، ليعمل في مجاله الموسيقي، حيث لاقاه أهل الكويت بالمحبة التي لاقاهم بها، وصار جزءا من ثقافة الكويت الغنائية.

جاءت رائعته (غريب على الخليج) لتكون تجسيدا عظيما لتوحد فؤاد سالم بغربته مع السياب في المكان ذاته على المياه ذاتها وإلى البلاد ذاتها


الكويت والشعر وغريب على الخليج


لم يستوعب فؤاد سالم أنه يعيش على ضفاف شط العرب، وتمر مياه الفرات ودجلة من أمام ناظريه، دون أن يتمكن من الذهاب إلى عراقه الذي عشق نخله وأيامه وطيوره وصباياه وساعات العصر فيه، وعشق أحلام شبابه الثائر، فأخذ يكتب الشعر والقصائد والأغاني ويقوم بتلحينها، وحين كانت الأغاني تتحدث عن الحب كانت أشرطة فؤاد سالم مليئة بالحنين، دون أن تكون ثقيلة على الأسماع، واستطاع إدخال المعاني الكبرى ضمن أغان عاطفية بسيطة، فأصدر ثلاثة كتب شعرية، وغنى عن حياة الناس، وجلس إلى المجالس الطربية الكويتية، وقامت كبريات شركات التسجيلات بالتعامل معه، وبقي في الكويت سنوات، فأنتج أكثر أغانيه شهرة، “أرد أوكف بحي الولف” و”حبينا ضو الكمر” و”على درب اليمرون” و”عليمن يا قلب تعبت عليمن” و”لا لا يا أم راشد” و”ردتك تمر ضيف”.. والعشرات من الأغاني التي مسّت حياة الناس ويومياتهم الحميمة، حتى جاءت رائعته من قصيدة السياب “غريب على الخليج” فكانت تجسيدا عظيما لتوحّد فؤاد سالم بغربته مع السياب في المكان ذاته على المياه ذاتها وإلى البلاد ذاتها:

“جلس الغريب.. يقلّب النظر المسرّح في الخليج

و يهدّ أعمدة الضياء بما يصعّد من نشيج

أعلى من العبّاب يهدر رغوه ومن الضجيج

صوت تفجّر في قرارة نفسي الثكلى: عراق

كالمدّ يصعد، كالسحابة، كالدموع إلى العيون

الريح تصرخ بي عراق

و الموج يعول بي عراق، عراق، ليس سوى عراق

البحر أوسع ما يكون وأنت أبعد ما يكون

والبحر دونك يا عراق

بالأمس حين مررت بالمقهى، سمعتك يا عراق

وكنت دورة أسطوانة

هي دورة الأفلاك في عمري، تكوّر لي زمانه

في لحظتين من الأمان، و إن تكن فقدت مكانه

هي وجه أمي في الظلام”

فكانت تلك القطعة الموسيقية البديعة خروجا لفؤاد سالم من الأغاني القصيرة، لأنه كان يدرك ما الذي يقوم بوضع الموسيقى له، وبقي يطالب الشعراء العراقيين والعرب بتعزيز موسيقاه بقصائدهم.

تكفل فؤاد سالم على نفقته الخاصة بتوفير أجور دراسة الكثير من الطلبة العراقيين خارج العراق منذ العام 1974 إلى العام 1982، وقدم المساعدات المالية إلى فنانين وإعلاميين آلمتهم ظروف المنفى


غربة فؤاد سالم إلى دمشق


بعد غزو الكويت في بداية التسعينات، لم يعد فؤاد سالم قادرا على الحياة في الكويت، وهو المطلوب من قبل المخابرات العراقية، فخرج في تغريبة ثانية، متنقلا ما بين الولايات المتحدة وعواصم العالم، حتى حطّ رحاله في دمشق، حيث لم يكن بمقدوره القيام بما يفعله بقية المطربين، بالغناء في المطاعم وأماكن السهر، وهو الذي رفع فنّه ليصبح فنّا راقيا لا يصلح للطاولات وجلسات السهر.

فأخذ يقدّم الأغاني عبر أشرطة جديدة حاول فيها إعادة إحياء التراث العراقي كلّه، وانتشرت أغانيه في العالم العربي وفي سوريا ولبنان، وغنى له المطربون “يا طير الرايح لبلادي، أخذ عيوني تشوف بلادي، مشتاق لأهلي الطيبين، مشتاق لهم صار سنين” و” حبينا ضو الكمر والكمر ناسينا”.. وأنشد للعراقيين والعرب المنفيين عن أوطانهم وأبنائهم أغنيته التي كتب كلماتها لابنته نغم التي تركها في العراق طفلة وصارت مع السنوات الممثلة المعروفة نغم سالم ” يا بنيتي لا تعتبين.. دهري رماني يا نغم ويلي.. غصبن علي تدرين.. مبعد تراني”.

وكان فؤاد سالم يجمع في شخصيته الساخرة، التي تتهكم على كل شيء، عددا من الخصال التي لا تتوافر عند كثير من الفنانين، فهو القارئ المثقف الكريم الذي أصرّ على التصرّف كفاعل خير في كل وقت، حتى في أسوأ ظروفه، فكما قال سالم عودة الضاحي مدير أعمال فؤاد سالم السابق إنه: ” كان فنانا ملتزما شديد الحرص على وطنه، وكان كريما جدا، لكنه لم يكن يصرّح بكرمه” مضيفا أن “فؤاد سالم تكفل على نفقته الخاصة بتوفير أجور دراسة الكثير من الطلبة العراقيين خارج العراق منذ العام 1974 إلى العام 1982، كما كان يقدم باستمرار مساعدات مالية إلى فنانين وإعلاميين يعانون كانوا بحاجة إلى المساعدة” وقال الضاحي إن “فؤاد سالم عندما تلقى نبأ إصابة الفنانة الكبيرة ناهدة الرماح بالعمى اتصل بي فورا وطلب مني تحويل مبلغ من المال لها في محاولة منه لمساعدتها على استعادة بصرها”.

حين كانت الأغاني تتحدث عن الحب كانت أشرطة فؤاد سالم مليئة بالحنين، دون أن تكون ثقيلة على الأسماع، واستطاع إدخال المعاني الكبرى ضمن أغان عاطفية بسيطة

اختلف فؤاد سالم عن حسين نعمة وقحطان العطار وفاضل عواد وياس خضر وسعدون جابر، بأنه لم يقبل الغناء لأي سلطة مرّت على العراق، أو حتى على غيره من البلدان التي عاش فيها، وكان بإمكانه أن يعيش ثريّا من خلال حنجرته لو اتبع طريق المطربين الذين غنوا لحافظ الأسد أو لغيره، ولكنه بقي نائيا عن تلويث اسمه ببلاط السلطة، وهاجم الحكّام في أغانيه ” مبارك.. والله مبارك.. والعايلة التمّت بجيّة حسني مبارك” وحمل المسبحة الترابية الخضراء دون أن يكون شيعيا متطرفا، لأنه لم يتعرف تلك اللغة ولا ذلك التفكير يوما، وفي دمشق ظلّ فؤاد سالم نائيا أيضا عن تعالي النجوم، وكان يجلس في مقاهيها التقليدية، ويطلب السمك المشوي في مطعم “الريّس ـ النورماندي” زاجّا نفسه في حواراتها الثقافية والفكرية والفنية، محتفظا بمسافة أمان تحميه من السلطات بكل أشكالها.

وكان يحلم بإنجاز أوبيريت ضخمة من شعر الجواهري وكبار شعراء العراق، فقدّم جزءا من ذلك الحلم في أوبريت يا دجلة الخير” حييتُ سفحكِ عن بعدٍ فحَييني/ يا دجلة الخير يا أمَّ البســاتين / حييت سفحك ظمآناً ألوذُ به.. لوذَ الحمائم بين الماء والطينِ/ يا دجلة الخير يا نبعاً أفارقُه.. على الكراهة بين الحين والحينِ”، ومن المؤكد أن خسائر العرب العراقية كبيرة جدا، والأمة العربية لم تعد تعوّض كما في الماضي، فلا يولد كل يوم جواهريٌ آخر أو فؤاد سالم آخر، ولكن عزاء العرب أن الفنان خالد بأعماله، ومستمر في تأثيره وعطائه واختلافه.

7