فؤاد عجمي نموذج لطبقة من مفكري "مهما كان الثمن"

الأحد 2014/07/06
فؤاد عجمي مستشرق مقلوب جَلَدَ ذاته حتى تماهى مع عدوّه

نيويورك - بدأ ابن أرنون حياته في الولايات المتحدة مدافعاً عن القضية الفلسطينية والقضايا العربية، ولكنه اكتشف جسره الخاص في البلاد الجديدة، وقد بدأ أولى خطواته فيه بما سمّي وقتها “النقد الذاتي” الذي تطوّر عنده أو تدهور ليصل إلى مستوى جلد الذات، ثم الانسلاخ عنها، والتماهي مع الآخر ـ العدو، في مشهد الصراع ذاته وليس خارجه، فبدأ عجمي باستخدام هويته الجديدة “نحن الأميركيين” و”جنودنا في العراق” و”هؤلاء العرب” و”نحن وهم”.


محنة فؤاد عجمي


كتب فؤاد عجمي كتابه الأول “المحنة العربية” في العام 1981 الذي لخص حوارات ونقاشات كثيرة في الشأن العربي، ثم ألحقه بكتاب بعنوان “الإمام المختفي” روى فيه حكاية موسى الصدر، وتبنته دار نشر مملوكة لقريبة نبيه بري رئيس مجلس النواب اللبناني، وطار بعيداً ليحطّ في الولايات المتحدة، وليصبح قريبا من دوائر صنع القرار سواء في الإدارة الأميركية والمحافظين الجدد تحديدا، أو في الدوائر الصهيونية التي تلقفته ورحبت به وبدأت تصنّع حضوره بكل شكل ممكن، ليكون واحدا من النسخ العربية القبيحة التي واجهوا بها العربي الآخر الذي أوجع رؤوسهم.. الراحل إدوارد سعيد.

قبل ذلك كان عجمي قد ولد في جنوب لبنان ودرس في بيروت، ثم شدّ رحاله إلى الولايات المتحدة الأميركية في العام 1963، ليدرس في كلية شرق أوريغون ثم جامعة واشنطن في سياتل في أقصى الشمال الشرقي، أنهى العلوم السياسية، وانتقل إلى جامعة برينستون تحت إشراف مباشر من برنارد لويس في العام 1974، كان عجمي قد تأثّر بالأدب العربي فأخذ يكتب مقالاته وكتبه بالبلاغة ذاتها، ولكن باللغة الإنكليزيّة، صبّ نقده وشروحاته على التفكير العربي في أجواء العام 1967، والهزيمة التي تلقاها العرب، وحمّل العقل العربي المسؤولية، والمجتمعات العربية كل تبعات التخلف التي سبّبت النكسات، متابعاً المنهج الذي أسسه في كتابه “قصر أحلام العرب”.

والواضح أن عجمي وقع في محنة الاضطراب في مصالحه الشخصية والاستثمار في القضايا العادلة، فمرة هو مع الإسرائيليين ضد الفلسطينيين، ومرة هو مع الشيعة ضد السنّة، ومرة هو مع الشعب السوري ضد الدكتاتور، ليكون ملخص فكر فؤاد عجمي حزمة من التناقضات الانتهازية التي لا تترك إرثا يستفاد منه، بقدر ما تقدّم حالة عبودية طوعية لمهاجر عربي شيعي إلى بلاد العام سام.

قال جورج بوش إن الشارع العربي لا يمكن أن ينتفض ضدّ الحرب على العراق، واستشهد بقول البروفيسور عجمي إنّ العراقيين في البصرة وبغداد سيخرجون راقصين مهلّلين دامعي الأعين فرحا لاستقبال الفاتحين الأميركان


فيلسوف التشيّع الأميركي


بعد تحوّله إلى أستاذ في برينستون، التفت عجمي إلى متابعة الواقع بعد تقديمه للماضي، والتأسيس على ثوابت وضعها بنفسه، وبدءا من العام 1982 أخذ يحلل ويشرح ظاهرة المقاومة اللبنانية التي اتخذت شكلاً دينياً مذهبياً مثله التشيع، ومنذ تلك اللحظة وجّه فؤاد عجمي تركيزه على التأثير في القرار الأميركي بكل وسيلة ممكنة، فبدأ بمناشدة الإدارة الأميركيّة من خلال مقالات في الـ”نيويورك تايمز″ كي تقوم أميركا بإهمال الفلسطينيين، وإطلاق اليد الإسرائيلية في القضية الفلسطينية، وأخذ يطلق أوصاف “الإرهاب” حين يتحدث عن التنظيمات الفلسطينيّة.

قال مرّة في الثمانينات أمام لجنة العلاقات الخارجيّة في الكونغرس الأميركي ردّاً على سؤال عن “النفسيّة” الشيعيّة إن: “الشيعة انتحاريّون والسنّة قَتَلة”، وكانت أبرز تحولات عجمي هي لحظة مشاركته هنري كيسنجر إلقاء الخطابات أمام حفل لجمع التبرّعات لمنظمة إسرائيليّة تدعم المستوطنين في القدس، أما في العام 1991 فقد استنجد جورج بوش الأب بطبقة من الكتاب والمثقفين لدعم حملته لشن الحرب على العراق، وكان عجمي بالطبع من بين هؤلاء، وكان أكثر حماساً من الرئيس الأميركي ذاته.


عجمي مع المحافظين الجدد


تقرّب فؤاد عجمي أكثر من المحافظين الجدد، الذين كان يدرك بذكائه أن مشروعهم في صعود في تلك المرحلة، وبعد انتخاب جورج بوش الابن في العام 2000 أصبح قريباً من السلطة بعد وصول زملائه من المحافظين الجدد إلى مواقع القرار، ليتم تعيين عجمي مستشاراً لكوندوليزا رايس، ويصبح على صلة مباشرة مع بوش.

اعتاد فؤاد عجمي على النبرة الصهيونية في حديثه أكثر من اليهود المتطرفين أنفسهم، فهو صاحب العبارة الشهيرة في جريدة وول ستريت جورنال “لا تدعوا عرفات يشغلنا عن عملنا”، وكثيراً ما كتب في المكان نفسه مدافعاً عن حكومة نتنياهو، مُطالباً بمنع الضغط على إسرائيل لوقف المستوطنات، معللاً بأن إسرائيل قدمت تنازلات في السابق من دون نتيجة، وتطيب لفؤاد عجمي اللغة الحادة التي تذهب إلى البعيد في التلذّذ بالتماهي مع الخطاب الإسرائيلي والأميركي المتطرف منه، يقول: “إنّ إرهابيي هذه الأيام المسلمين، ليس في الشرق الأوسط وحده بل في عموم دار الإسلام”.

رحل فؤاد عجمي، تاركا وراءه ما لا يغري باللملمة، بين نثارٍ من الفوضى الفكرية، والعالم الإنشائي، لا يشفع له فيه ادعاؤه الوقوف إلى جانب الشعوب لغسل اسمه وتاريخه في أواخر أيامه


عجمي والمالكي


التقى عجمي نوري المالكي ووصف لقاءه معه بأنه “ثورة بحد ذاتها حيث لم يسبق لشخصية شيعية أن تسلمت مقاليد الحكم في العالم العربي”، ويتابع عجمي: “إنني الآن اشعر بالتوازن في المنطقة العربية بين طائفة سنيّة أدمنت السلطة، وأخرى شيعيّة اعتادت الهزائم، وأن هذا التوازن سيترسخ كلما تقدّم رئيس الوزراء العراقي إلى الصفوف الأمامية للقيام بدور بارز بين الحكّام العرب”.

وأبدى عجمي تفاؤله بشأن الوضع في العراق مراهناً على أن النظام الديمقراطي الجديد في العراق سيكسب المعركة ويكرِّس استمراريته، وأنّ تعاملَ العرب معه بعدائية مستغلين المناسبات من أجل إحباط العملية السياسية لن يفيدهم، ويعتبر أن وصول “قوة جديدة” في العراق (الشيعة) إلى سدة الحكم أكسب المنطقة قوة وأن خسارة القوة السابقة (السنة) كانت إيجابية لصالح التوازن في المنطقة.

ويكيل عجمي النقد والشتم للسياسة الأميركية وحلفائها في المنطقة بالقول: “المسؤولون الأميركان يقولون إنّنا حاولنا خلال ستين عاماً مضت الحفاظ على الأنظمة الأوثوقراطية، وما حصدناه كان الإرهاب، وندرك اليوم أهميّة المراهنة على الحريّة والتوازن. وهو اعتراف صريح بوجود خلل في المعادلة السياسية السابقة في المنطقة”.


عجمي ومرحلة أوباما


في الملف السوري، واصل عجمي سياسة التحريض على الغزو، رغم اختلاف الأوضاع والأهداف، وتعمّد تصوير الرئيس الأميركي باراك أوباما “شخصا ساذجا في السياسة الخارجية خصوصا في منطقة الشرق الأوسط التي تعاني كثيرا بسبب سياساته الرديئة”، وقال في محاضراته إن أي نقاش طرحته إدارة أوباما حول أسباب عدم تدخلها في سوريا هو مدعاة للسخرية والتهكم، وقال إن امتناع إدارة أوباما عن دعم الثوار السوريين، يعود إلى تذرعها بالأوضاع الحرجة للحدود السورية وخصوصية تلك الحدود. ولكنه رأى أن هذا هو السبب الذي يجب أن يسرّع من التدخل بسبب موقع سوريا الاستراتيجي، إضافة إلى أن التدخل السريع سيحمي الدولة، وسيحافظ على تماسك المجتمع، قبل أن يعبث به الرئيس بشار الأسد، ويزرع بداخله عداوات وأحقادا لن تندمل، ووصلت سخرية عجمي من أوباما ووزيرة خارجيته هيلاري كلينتون وقتها إلى نصح كلينتون بالحديث مع زوجها ” ليشرح لهم ما يجب عليهم فعله في المنطقة”.

شن فؤاد عجمي حملة لغزو العراق، أثارت انتباه العالم وقد عبّر الرئيس الأميركي جورج بوش الأب عن استيائه أكثر من مرة من نفاق عجمي واستئثاره بالحديث وظهوره متحمسا للحرب أكثر من الرئيس نفسه

يصف عجمي أوباما بالرئيس الضعيف، ويقول إن وصوله إلى الرئاسة نقطة انهيار للعظمة الأميركية، وكان قد سخر منه حين قال مرة لأحد القادة العسكريين: “عمل عظيم.. عمل عظيم”.. فيتساءل عجمي “ما هو العمل العظيم ؟.. عمل عظيم أن البحرية الأميركية أنقذت جنديين من قبضة القراصنة الصوماليين.. هل هذا عمل عظيم لدولة عظمى!”.

يعتقد عجمي أن عهد الرؤساء العظماء للولايات المتحدة قد أفل، بقدوم الرئيس أوباما، ويعتبر أن تضخم الدور الروسي مؤخراً، يعود أصلاً للدور الهزيل الذي يقوم به أوباما الذي يحرص على أخذ موافقة روسيا قبل أي خطوة في الملف السوري “كلنتون عندما تدخل في كوسوفو لم يبحث عن الموافقة الروسية.. وأوباما ينتظر من بوتين أن يوافق له”.

زار عجمي الحدود السورية التركية، والتقى مع اللاجئين السوريين، ونقل عنهم قولهم: “إن أوباما لا يريد أن يساعدنا.. واضح أنه لا ينوي فعل ذلك حتى لو قتل الآلاف.. حتى منطقة حظر الطيران التي ستقلل من أعداد القتلى وستدعم الثائرين، لا يريدها”، يصف عجمي جيش الأسد بأنه يتهاوى، وأنه لا قوة لديه، وليس من الصعب أن يسحق، كي يتم تخليص المنطقة من نظام بشار الإجرامي، ويختم عجمي بالقول: “إذا اختارت الدولة أن تكون صغيرة فلها ذلك، وأوباما يختار لأميركا أن تكون دولة صغيرة. نقول ذلك والعالم كله تتجه أنظاره للأحداث الضخمة الجارية في سوريا وفلسطين وإسرائيل ومصر هذه الأيام، وإدارة أوباما غائبة تماما عن المشهد السياسي، بل يختار أوباما الذهاب إلى دولة صغيرة في آسيا لمباركة الخطوات الأولى للديمقراطية”.

رحل فؤاد عجمي، تاركاً وراءه ما لا يغري باللملمة، بين نثارٍ من الفوضى الفكرية، والعالم الإنشائي، لا يشفع له فيه ادعاؤه الوقوف إلى جانب الشعوب لغسل اسمه وتاريخه في أواخر أيامه.

9