فؤاد علام ضابط مخابرات لا يؤمن بالحل الأمني لمواجهة الإرهاب

الأحد 2014/11/16
فؤاد علام ألد أعداء الجماعة الإسلامية

ظل محارباً، لتنظيم الإخوان المسلمين داخلياً وخارجياً، طيلة حياته العملية، حتى قال عنه عمر التلمساني المرشد الثالث لجماعة الإخوان “إنه ألد أعداء الجماعة، أمير الدهاء، لكن إذا قدّر لنا الوصول للحكم سيكون وزير داخليتنا”، إلا أن الجماعة قدر لها بعد 22 عاماً من رحيل التلمساني عام 1986، الوصول للسلطة، فلم تأت به وزيرا لداخليتها، وظل وما زال، يناصب الجماعة العداء التاريخي، كاشفاً عن كثير من مخططاتها خلال فترة خدمته بوزارة الداخلية، وجهاز أمن الدولة، وبعد تقاعده.

إنه اللواء فؤاد علام، وكيل جهاز مباحث أمن الدولة الأسبق في مصر، ومدير الأمن الأسبق بمحافظة الإسماعيلية، صاحب كتاب “الإخوان وأنا” الذي حكي فيه خفايا التنظيم، وحذر من خطورته على أمن المنطقة العربية عامة، وليس في مصر فقط، لما تمتلكه الجماعة من جهاز سري مسلح.

فؤاد علام الذي بدأت علاقته بالإخوان مع توليه ملف الجماعة، منذ أن كان ضابطا صغيرا بجهاز أمن الدولة في منتصف السبعينات من القرن الماضي، ثم توليه التحقيق مع المتهمين في اغتيال الرئيس الراحل أنور السادات، وقبلها معتقلي سبتمبر 1981، وهي القضية الأشهر الذي أمر فيها الرئيس الأسبق محمد أنو السادات باعتقال 1536 من قيادات التيارات السياسية، على خلفية معارضتهم له، بعد توقيع اتفاقية كامب ديفيد، وكان من بينهم قيادات إخوانية ومرشدهم، وعدد من كبار الصحفيين بينهم الكاتب الصحفي محمد حسنين هيكل.


أمن الدولة


عن بداية عمله بجهاز أمن الدولة قال علام: “عملت بجهاز أمن الدولة، مع المرحوم عليوة زاهر رئيس الجهاز، قبل اغتيال الرئيس السادات بعام، وعلى إثر اختلافي معه ومع النبوي إسماعيل، وزير الداخلية آنذاك، تم تجميد نشاطي، وأسندت المسؤوليات الخاصة بي لزميل آخر، وكنت فقط مسؤولاً عن نشاط الإخوان بصفة عامة والنشاط الإرهابي بصفة خاصة، ومكثت عاماً كاملاً دون عمل حتى يوم 28 أغسطس 1981، أي قبل صدور قرارات التحفظ على عدد من الشخصيات السياسية بنحو أسبوع، وقبل اغتيال السادات بنحو شهر فوجئت باتصال من الوزارة، يبلغني أن وزير الداخلية النبوي إسماعيل سوف يعقد اجتماعاً ويدعوني لحضوره.


تحذير وصمت


حارب فكر الإخوان مبكرا وشن عليهم هجوما شديدا وهم في الحكم فاعتبروه عدوهم الأول

يستطرد علام قائلا: “كنت أختلف مع وزير الداخلية في رؤيته في بعض القضايا الأمنية وأساليب معالجتها، لكنه رفض نقلي من جهاز أمن الدولة، وأصر على إبقائي فيه، وعندما اشتركت في الاجتماع الذي طرح فيه قرار التحفظ، وكان يرغب في التحفظ على 4 آلاف من مختلف قيادات التيارات المختلفة، فضّلت الصمت، وعندما أصر الوزير على أن يسمع رأيي، قلت: “هذا المقترح خطر جداً سياسياً وأمنياً بالدرجة الأولي، وحذرت من أن هذا الإجراء سيواجه برد فعل خطير، ضد أجهزة الدولة ورئيس الجمهورية ذاته. وقد سبق وأن اعتقلت المباحث الجنائية عددا من التنظيم السري للإخوان عام 1965، دون أن تعلم بوجود التنظيم السري المسلح فخرج أعضاء آخرون في التنظيم يريدون إحراق مصر، وخططوا لتفجير القناطر الخيرية لإغراق الدلتا بأكملها، وكان وزير الداخلية النبوي إسماعيل يريد اعتقال أعداد فلكية من كل التيارات، فاتصلت بأمن الرئاسة ليأخذوا حذرهم من أي رد فعل، وعقب الاجتماع انقطعت صلتي مرة أخرى وعدت للتجميد حتى اغتيل الرئيس السادات في أكتوبر 1981″.


خلافات مع أجهزة الدولة


خلافات علام مع قادته لم تكن الأخيرة، فقد تم نقله خلال العام 1984، إلى شرطة السياحة، عندما كان اللواء أحمد رشدي وزيرا للداخلية في عهد الرئيس مبارك، إلا أن اللواء رشدي ذاته أطيح به في أحداث الأمن المركزي عام 1986، وكانت المفارقة أن علام الذي نقل لشرطة السياحة، هو أول من تلقى بلاغ تحرك قوات الأمن المركزي وقيامهم بأعمال شغب بالشارع، رغم أنه ليس بجهاز أمن الدولة المسؤول الأول عن جمع المعلومات.

عن تلك الواقعة قال علام للعرب: “كنت مديرا لشرطة السياحة، وفوجئت باتصال من الضابط المكلف بتأمين فندق مينا هاوس بالهرم، يقول يا فندم فيه عساكر أمن مركزي متجمهرين في الشارع، ويحطمون المحلات والفنادق، وينهبون ما بها من طعام، وكنت أول من تلقى بلاغا بشأن هذه الأحداث، فاتصلت على الفور باللواء أحمد رشدي وزير الداخلية أخبره بالواقعة، لكنه لم يصدق أن يكون هؤلاء عساكر، أو أن تكون الأحداث بتلك الخطورة، وظن حينها أنه عندما يذهب بنفسه إلى هناك، سيحقق ردعا للجنود، وسيتراجعون عن أحداث الشغب، لكن للأسف اعتدوا عليه وأصيب، وقتل سائقه، وأطيح به من منصبه”.


مؤامرة أم حادث عارض


قال عنه عمر التلمساني مرشد الإخوان الأسبق: "فؤاد علام أمير الدهاء لكن إذا قدر لنا الوصول للحكم سيكون وزير داخليتنا"

لكن الآراء التي تقول إن أحداث الأمن المركزي كانت مدبرة ومؤامرة على وزير الداخلية آنذاك للإطاحة برشدي الذي كافح المخدرات والفساد، وأن وراءها صفوت الشريف الرجل القوي بالحزب الوطني في ذلك الوقت، نفاها علام، وقال: “ليس صحيح أنها كانت مؤامرة على وزير الداخلية، فقد أرسل بالفعل إشارة لقيادات الأمن المركزي، فهمت على أنها تتحدث عن مد فترة الخدمة الإجبارية للجنود، لمدة عام إضافي، والجندي من غير الحاصلين على مؤهلات يخدم لمدة 3 سنوات، وكانت الأوضاع بالغة السوء بالنسبة إليهم من طعام ورعاية، فحدث أن شاع الفهم الخاطئ للإشارة، وثار الجنود وخرجوا من معسكر الجبل الأحمر إلى الشارع، وتم استدعاء الجيش وتشكلت لجنة من اللواء حسن أبو باشا رئيس جهاز أمن الدولة حينها والوزير حسب الله الكفراوي وزير الإسكان، واتخذت من محافظة الجيزة مقرا لها حتى انتهت الأزمة وجاء زكي بدر وزيرا للداخلية خلفا لأحمد رشدي، وطريقة الإطاحة برشدي كأول وزير يطاح به بهذا الشكل هي التي خلقت التعاطف الشعبي معه”.


الصراع يبدأ من جديد


مع عودة علام لجهاز أمن الدولة، عاد الصراع مع جماعة الإخوان، التي قال عنها إنها: “الجماعة الإرهابية الأم التي خرجت من عباءتها كافة التنظيمات الإرهابية، لدرجة وجود قرابة 33 تنظيما تكفيريا منبثقاً عنها في بعض الفترات، كالجماعة الإسلامية وجماعة الجهاد والتكفير والهجرة، والأخيرة هي الأخطر في تاريخ الجماعات التكفيرية، لما كانت تملكه من مجموعة فلاسفة قادرين على إقناع الحجر بفكر التنظيم”.

يطالب بمجلس للأمن القومي العربي من الخبراء لوضع استراتيجية علمية لمكافحة الإرهاب الدولي

خلافات علام مع قادته في أساليب مواجهة التنظيم الدولي للإخوان والتنظيمات الإرهابية عامة، لم تتوقف على فترة عمله بوزارة الداخلية وجهاز أمن الدولة الذي شغل مقعد وكيله، حيث تواصلت إلى ما بعد ذلك وحتى الآن، ففي الوقت الذي هادن فيه البعض جماعة الإخوان عند وصولها لحكم مصر عام 2012، فإن علام ظل يحذر من خطورتها على مصر والأمن القومي العربي، مشددا على أن أذرعها السرية المسلحة تستهدف قلب أنظمة الحكم في البلدان العربية، وأن بقاءها في حكم مصر، سيؤدي إلى أزمات وصراعات سياسية، قد تنتهي إلى حرب أهلية، لما ترسخه الجماعة وحلفاؤها من الجماعات المنبثقة عنها بالأساس، من حالة استقطاب حاد ومحاولة إقصاء الآخر، حتى شعر شعب مصر ومؤسسات الدولة بتلك الخطورة، وأطيح بالإخوان في ثورة شعبية في الذكرى الأولى لتولي الجماعة مقاليد حكم البلاد.


الرؤية الأمنية أو العلمية


اللواء علام مازال على طبيعته يجهر برأيه المخالف، ويطرح رؤيته الأمنية بوضوح، فيشدد على أن التعامل مع الإرهاب على أنه قضية أمنية سينتهي بنا لمزيد من الإرهاب، وسيطيل من فترة المواجهة ومن ثمة تكبيد مصر والوطن العربي المزيد من الخسائر البشرية والاقتصادية.

علام أوضح للعرب أن: “التعامل مع الإرهاب كقضية أمنية، ثبت فشله على مدار 45 عاماً، فعندما ظهر الإرهاب في عهد الملك فاروق مع تأسيس جماعة الإخوان، تم التعامل معه كقضية أمنية فقط، وكانت النتيجة اغتيال النقراشي والخازندار، وتنفيذ 38 جريمة إرهابية، وعقب ثورة 1952 تم التعامل مع الإرهاب بذات الطريقة، فكانت محاولة اغتيال عبدالناصر، و22 عملية إرهابية أخرى، ثم اغتيل الرئيس السادات، وكانت الجماعات الإرهابية بينها وبين الوصول للحكم بقوة السلاح مسافة بسيطة، نحو ثلاث مرات، لولا عناية الله لمصر”.


مخطط اغتيال عبدالناصر


خلافات علام مع قادته في أساليب مواجهة التنظيم الدولي للإخوان والتنظيمات الإرهابية عامة، لم تتوقف على فترة عمله بوزارة الداخلية وجهاز أمن الدولة

يضيف علام: “يوم محاولة اغتيال عبدالناصر في حادث المنشية، كان المخطط أن تخرج شعب الإخوان من المساجد الرئيسية، حاملة رايات، وحاشدة خلفها الناس في شكل ثورة شعبية للوصول للحكم، وبعد ذلك كانت عملية الفنية العسكرية في بداية السبعينات من القرن الماضي، حيث خطط الإرهاب لأن يتم الاستيلاء على دبابات وسلاح ثقيل من معسكر الجبل الأحمر، ويتم الاستيلاء به على مبنى الإذاعة والتلفزيون، ويعلن منه بيان الاستيلاء على السلطة، وفي الوقت ذاته تتم محاصرة الاتحاد الاشتراكي.

كانت الخطة أن يقوم مجند تابع لتنظيمهم بمعسكر الجبل الأحمر بتخدير الحراسة عن طريق زعم أن زوجته أنجبت، ويقدم قطع (جاتوه فيها مخدر) للحراسات احتفاء بالمناسبة، لكنهم كثفوا من الجرعة، فشعر الجنود بتغير في طعمها وأصبح غير مستساغ، ولم يأكلوا، عسكري واحد الذي أكلها اسمه عبدالجواد ومات على الفور، وكان عبود الزمر ومعه مجموعة من المسلحين ينتظرون في ميدان التحرير، لكن عناية الله كانت فوق الجميع، فتحرك أحمد رشدي لتأمين مبنى ماسبيرو عندما كشف المخطط، وعندما شاهد عبود الزمر الدبابة في ميدان التحرير متجهة لماسبيرو، فرّ ومن معه، لذلك أقول إن المعالجة الأمنية وحدها غير مجدية، فالإرهاب تصاعد، حتى لجأنا إلى الأسلوب العلمي في الثمانينات، وبدأنا عبر ست محاور في المواجهة، فكري، واقتصادي، وسياسي، وإعلامي، وديني وفي النهاية الأمني، وتقلص الإرهاب حتى قضي عليه في عام 1997، وتوج الأسلوب العلمي في المواجهة، بالمراجعات الفكرية للجماعة الإسلامية”.


المعالجات الفكرية


الأسلوب الخاص بالمعالجة الفكرية، اتبعته مع أخطر منظري التكفير والهجرة الشيخ حسن الزيني، فعندما ألقينا القبض عليه، أتيته بعلماء من الأزهر

عن ذلك يقول علام: “الأسلوب الخاص بالمعالجة الفكرية، اتبعته مع أخطر منظري التكفير والهجرة الشيخ حسن الزيني، فعندما ألقينا القبض عليه، أتيته بعلماء من الأزهر، وظل 28 يوما، في نقاشات وقراءات، لدرجة أني أحضرت له ما طلبه من كتب، بعضها من باكستان وأفغانستان، وكان أخطر قادة التنظيم في الإقناع، وانتهى به الأمر أن قال: “ما كنا عليه في تنظيمنا كفر”، وكوّن تنظيما لمواجهة تنظيم التكفير والهجرة فكريا، وبالأدلة الشرعية حتى تحلل التنظيم التكفيري”.


مجلس الأمن القومي


طالب علام بسرعة تشكيل مجلس أمن قومي لمكافحة الإرهاب في مصر، ومجلس أمن قومي عربي لمكافحة الإرهاب، خاصة تنظيم داعش والتنظيم الدولي للإخوان، يضم في صفوفه علماء وخبراء، يعملون وفق استراتيجية متكاملة سياسية واقتصادية وإعلامية ودينية وأمنية، لتجفيف منابع استقطاب الشباب والمواجهة الشاملة، مشددا على أن الارتكان للحل الأمني فقط سيطيل أمد المواجهة، ويضاعف الخسائر، مشيرا إلى وقوف جهات دولية خلف هذه التنظيمات بالشرق الأوسط، ومن ثمة الأمن القومي العربي مستهدف ويتطلب وحدة الصف واستخدام الأساليب العلمية في المواجهة.

8