فؤاد قنديل: الثقافة قوة ناعمة لا يجب أن تكون في يد الدولة

الثلاثاء 2014/05/06
قنديل: الإبداع مسؤولية كما هو حرية

القاهرة- فؤاد قنديل هو روائي مصري مخضرم، كتب العديد من الأعمال الأدبية سواء كانت شعرا أو قصة قصيرة أو رواية، فضلا عن الدراسات والمقالات النقدية والأدبية، حاصل على الليسانس في الآداب قسم الفلسفة وعلم النفس من جامعة القاهرة، بدأ مسيرته الأدبية في منتصف الستينات، وصدر له العديد من الأعمال أبرزها “السقف” و”الناب الأزرق” و”قبلة الحياة”، “روح محبات” و”دولة العقرب” و”شدو البلابل” و”قناديل” و”رائحة الوداع” و”ميلاد في التحرير”؛ “العرب” التقت قنديل لتتحدث إليه عن أبرز أعماله وموقفه من الثورة والمشهد الثقافي المصري، وعن عديد المحاور الأخرى، فكان هذا الحوار.

يتحدث فؤاد قنديل عن روايته الجديدة والتي ستصدر بعد ما يقارب الشهر قائلا : “الفاتنة تستحق المخاطرة” هي أول رواية تاريخية أكتبها، وتتناول الفترة التاريخية التي حكم فيها محمد علي مؤسس مصر الحديثة في النصف الأول من القرن 19، ودافعي للكتابة هو قراءاتي الكثيرة عن هذه الفترة، وما يعنيني منها هو حال الشعب المصري الذي عاش أسوأ فترات حياته على الإطلاق في هذا العصر؛ فلم يذق الشعب طعم الحياة المستقرة يوما واحدا، فالفلاحون مطاردون من قبل الجنود الأتراك لجمع الضرائب المطلوبة للجيوش والأساطيل وهدايا للسلطان، ولذلك هرب عشرات الآلاف من المصريين وتركوا الأرض لأنهم لا يستطيعون دفع الأموال الطائلة المطلوبة منهم مثل ما حدث بعد ذلك مع كل من الخديويين إسماعيل وسعيد أثناء حفر قناة السويس التي حفرها المصريون بالسخرة، فهذه عهود أنشأت الكثير ولكن ليس لصالح المصريين على الإطلاق.


الرواية التاريخية


يمكن إنتاج ثقافة عن طريق الأفراد والمواطنين بأقل من ربع نفقات وزارة الثقافة

وعن متطلبات كتابة رواية تاريخية؛ يؤكد قنديل أنها تحتاج إلى دراسة وتأملات طويلة فكاتب الرواية التاريخية لا يكتب على سجيته، ومطالب بأن يدقق في المعلومة عن الطعام والملبس والعادات في الموت والحياة وفي الزواج والاحتفالات، كل هذا يحتاج إلى دراسات وبحوث طويلة والتشبع بها جيدا، ثم بعد ذلك تأتي الكتابة، لكي ينتقل الكاتب إلى ذلك العصر بالكامل وكأنه يعيش فيه، وهذه المسألة تحتاج إلى وقت طويل وذاكرة قوية وفتح ملفات لكل شيء في هذه الفترة، ومن هنا تكون المهمة الصعبة في الانتقال إلى العصر بكل حذافيره؛ أما كتابة رواية معاصرة فليس مطلوب هذا كله لأننا نعايش الأحداث وكل المطلوب هو أن نحسن حب الموضوع وهضمه”.

دولة العقرب
وعن روايته “دولة العقرب” يقول قنديل: لم أكن متنبها عند كتابتها بأنها من الممكن أن تكون جزءا ثانيا من روايتي “قبلة الحياة”، فقد بدأت رواية “قبلة الحياة” التي تقدم شهادة عن عصر مبارك عام 2004 بعدما نشرتها على نفقتي الخاصة في ظل التعنت على نشرها، وقدمت في الفصل الأخير منها صورة لما يجب أن تكون عليه الثورة، وأن الشعب سيشارك فيها من جميع البلاد، بل إن الموتى خرجوا من القبور بأجساد شفافة للمشاركة، هي مسألة فانتازيا لكنها تشير للحاجة الماسة إلى الثورة، وللأسف لم تتمّ لأن المسؤولين تآمروا عليها وأقنعوا الشعب بالرجوع، على أمل تحقيق بعض الإصلاحات وهو مالم يحدث.
الرواية تمثل جزءا ثانيا لـ"قبلة الحياة"

ويضيف “أما بالنسبة لروايتي “دولة العقرب” فهي تصوّر حركة الشباب وخروجهم لردّ الظلم عن المصريين، وبعد ذلك ثورة يناير ثم أنهيت أحداثها عند يونيو 2012 وقت نجاح الرئيس السابق مرسي في الانتخابات، وأوقفت الرواية عند ذلك الحدّ، وأنهيت الرواية بسؤال (وهل قامت في مصر ثورة؟)، وأنا أفكر في كتابة جزء ثالث لهذه الأعمال لكي يجيب عن السؤال السابق، ولكن هذا يحتاج إلى عدة سنوات لكي نرى تغييرا نتمكن من رصده، وإلى هذا الحدّ نحن أمام “دولة العقرب” التي انتهت بركوب العقارب على سيارة الإسعاف في إشارة إلى استيلاء جماعة الإخوان على السلطة”.

ربع ثورة


وعن رؤيته للأوضاع السياسية في مصر يقول قنديل “لم تقم في مصر ثورة حتى الآن؛ فالثورة ليست هوجة أو صياح، الثورة الأولى في يناير أزاحت رئيسا والثانية كذلك، وهذه لا تعدّ ثورات وإنما ربع ثورة؛ فالثورة الحقيقية هي التي تحدث تغييرات جذرية في المجتمع ويصدق ذلك على ثورة 1952، وهوجة عرابي التي أعقبها وعي كبير لدى الشعب والنخبة الذين قاموا بعد ذلك بثورة 19، فالثورات التي قام بها المصريون غير مكتملة وانحرفت عن مسارها، كما تمرّ البلاد بحالة فوضى عارمة وتفسخ، ونحن ننتظر بعد رئاسة الجمهورية أن تنصلح الأحوال وأن يلتمّ الشمل نسبيا وتبدأ عجلة الإنتاج”.


تهميش المثقفين


ويشير قنديل إلى أن المثقفين المصريين تعرضوا للتهميش منذ سنوات طويلة، بدأ ذلك منذ أيام عبدالناصر بحجة أنه يحقق ما يريده المثقفون من مطالب للشعب من تعليم وعمل وكرامة ووحدة عربية وبناء وتعمير، حيث تصوّر أن ذلك يغني المثقفين عن أن يكون لهم دور ولكن في الحقيقة إن ذلك هو بداية التهميش حتى لو كان هناك حسن نية، فالمثقفون يجب أن يكونوا جزءا رئيسيا من السلطة ليس بمعنى تولي المناصب ولكن بالاستفادة من أفكارهم.

ويضيف “بعد ذلك ازدادت المسألة عنفا في عصر السادات بالسجن والمطاردة والنفي خارج البلاد للمثقفين، فقد ألغى السادات أكثر من عشر مجلات دفعة واحدة، وحجّم دور المثقفين في الصحف ووسائل الإعلام وأدخلهم السجون وسخر منهم، أما مبارك فلم يتعامل مع المثقفين على الإطلاق، ولم يسمح لأحد منهم أن يكتب كلمة ممكن أن تشير إليه بأي تقصير، وكنا نلتقي معه مرة في معرض الكتاب كل عام ، ويتهرب من الإجابات على الأسئلة الجادة ويحوّل الجلسة إلى دعابة يلهي بها المثقفين، وبالتالي فالمثقفون مهمشون تماما منذ قيام ثورة 1952، وقبل ذلك لم تكن هناك قضايا أساسية لكي يتحدّث عنها المثقفون باستثناء الاحتلال، كما كانوا مطاردين بالبوليس السياسي، فتاريخ المثقفين مع السلطة منذ محمد علي حتى اليوم كله تاريخ سيّئ”.

حرية الإبداع

رواية "دولة العقرب" تصور حركة الشباب وخروجهم لرد الظلم عن المصريين

وعن المخاوف على حرية الإبداع في مصر في الفترة المقبلة تحدث قنديل قائلا “الشعب المصري اختلف بعد ثورة يناير وهذه نتيجة مهمة بعد الثورة التي أعادت الوعي إلى الشعب، فهذا الوعي سوف يكون حاميا على الدوام بعد ذلك لكل قيم ومبادئ الشعب ومنها الإبداع، وسوف يكون المثقفون أحرص على الإبداع لأنه مجالهم، ولكن سوف يحدث نوع من الحرص على المجتمع في المقابل، فالإبداع مسؤولية كما هو حرية، ومن ثم سيحرص المثقفون على الحرية مع الحفاظ على قيم المجتمع، وفي نفس الوقت تقتضي هذه الحرية والحماية تدخل المجتمع المدني وليس السلطة، لأن السلطة تعني شبهة القهر وهذا انتهى عهده تماما ولن يعود حكم العسكر إطلاقا، ووعي الشعب لن يسمح لأحد بأن يكون مستبدا، فليطمئن الناس ولا يتصوروا أننا مقبلون على حكم عسكر، فقد حذف الشعب المصري كل ما تعنيه كلمة عسكر من استبداد وقمع ولكن أتمنى أن يبقوا من حكم العسكر الانضباط والنظام وحماية الوطن والتضحية من أجله.

وفي ما يتعلق بمطالبته إلغاء وزارة الثقافة في مصر ينوّه قنديل إلى أن وزارة الثقافة تنفق على الأقل كل عام ما يقرب من 30 مليار جنيه، ويمكن إنتاج ثقافة عن طريق الأفراد والمواطنين بأقل من ربع هذا المبلغ، كما أنها تتسبب دون قصد في التناحر بين كثير من المثقفين لأنها قد تفضل بسلطتها البعض على الآخرين فتنشأ الغيرة، فضلا عن أن الثقافة قوة ناعمة لا يجب أن تكون في يد الدولة، فلتتولى الدولة الأعمال الكبرى وإنشاء المؤسسات الثقافية الضخمة فقط.

بالتعاون مع وكالة أنا برس

15